لا تراهنوا على ترامب فسلته مليئة بالثقوب - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 1:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


لا تراهنوا على ترامب فسلته مليئة بالثقوب

نشر فى : الجمعة 26 مايو 2017 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 26 مايو 2017 - 9:50 م

دونالد ترامب.. رجل الأعمال عديم الخبرة فى الشئون السياسية الدولية والداخلية، دخل البيت الأبيض وهو يتصور أنه قادر على فعل أى شىء ووعد مؤيديه بتغييرات ضخمة سيحققها فى اليوم الأول لولايته From Day One كما كان يقول خلال الحملة الانتخابية، ثم اضطر ــ خلال المائة يوم الأولى العاصفة من بدء ولايته ــ إلى التراجع عن بعضها والفشل فى تحقيق البعض الآخر.
أقول اضطر ترامب إلى التراجع عن كل العنتريات التى ألهب بها جموع مؤيديه أثناء الحملة الانتخابية وعاد إلى الصف المنضبط التقليدى فى معظمها، فحلف الأطلنطى مثلا لم يعد شيئا عفا عليه الزمن، قالها ببساطة شديدة: «لقد قلت فيما سبق إن الحلف عفا عليه الزمن ولكن فى الحقيقة لم يعفُ عليه الزمن»، كما فعل نفس الشىء بالنسبة للاتحاد الأوروبى، فبعد أن هنأ بريطانيا على خروجها منه وطلب تعيين «فاراج البريطانى» الذى قاد حملة الخروج تمنى أن تعينه بريطانيا سفيرا لدى الولايات المتحدة.
لقد غير ترامب مواقفه تجاه العديد من المسائل وتراجع عن بناء «السور العظيم» مع المكسيك ولم يستطع إمرار قانون التأمين الصحى المسمى «أوباما كير» وقد كان درة التاج فى حملته الانتخابية، فهل غير ترامب أيضا مواقفه تجاه العرب والمسلمين والإسلام والقضية الفلسطينية؟
ترامب الذى قال فى الإسلام ما قال واتخذ إجراءات قاسية ومهينة ضد مواطنى سبع دول إسلامية أكثرها حضرت قمة الرياض، ولم تنج السعودية حليفة أمريكا من تفوهاته غير المحسوبة وتعهداته بأن يجعلها تدفع ثمن الحماية على الرغم من أن السعودية هى التى مولت حرب تحرير الكويت فضلا عن أن الكويت كانت قد دفعت مائة مليار دولار ثمنا لإزالة آثار العدوان ذهب معظمها إلى الشركات الأمريكية. الأمر الذى جعل المهندس الكفراوى وزير الإسكان الأسبق يصرح علنا بأنه زار الكويت بعد التحرير ولم يجد لوح زجاج واحدا مكسورا، مما يدل على أن مبلغ المائة مليار دولار المدفوع للأمريكان لم يكن سوى مؤخر أتعاب. إن كراهية ترامب لما يسميه بـ«الإرهاب الإسلامى» لا تقف عند التنظيمات الإرهابية، فهو لديه شكوك عميقة تجاه العالم الإسلامى بأسره (نيويورك تايمز بتاريخ 1/2/2017)، وقد وصفت هيئة تحرير هذه الجريدة مستشارى ترامب بأنهم Islamophobic وهو هوس العداء للإسلام).
***
فى الواقع اضطر ترامب إلى التراجع عن كل الحماقات التى تعهد بها خلال حملته الانتخابية عدا شىء واحد بر فيه بوعده وهو سياسته تجاه العرب والمسلمين فقد قال فأوفى. قال إنه سيجعلهم يدفعون ثمن الحماية وقد فعل وعقد مع السعودية صفقات غير مسبوقة فى ضخامتها ستحقق له وعدا ثانيا وهو جلب الأموال للاستثمار فى أمريكا وخلق الوظائف وفقا لشعار Jobs.. Jobs.. Jobs..، وقد دفع الخليجيون عن طيب خاطر لأنهم يؤمنون أن أمنهم لا يتحقق من خلال الدفاع العربى المشترك أو أى تحالفات أخرى ولا يثقون فى أى نظام أمنى إلا الحماية الأمريكية، وقد عمقت تجربة غزو العراق للكويت هذه العقيدة. والوعد الآخر الذى بَرَّ به ترامب يقع أيضا فى إطار منطقتنا وهو إقامة تحالف ضد إيران، وفى اعتقادى أن التحالف ضد إيران يضعف الهدف الأهم وهو التحالف ضد الإرهاب، فإيران لها دور مهم فى التصدى للإرهاب، إيران تحارب داعش فى كل من العراق وسوريا بينما يوجد ضمن التحالف الذى أقامه ترامب ضدها من يدعم داعش تمويلا وتدريبا.. وقد صرح رئيس لجنة الشئون الخارجية فى مجلس النواب الأمريكى أن أمريكا قد تنقل قاعدتها العسكرية من قطر إن لم تغير تصرفاتها الداعمة لجماعات متشددة.
علينا قبل أن نهرول للتحالف ضد إيران، أن نحدد المخاطر التى تهدد الأمن القومى العربى ولا ننسى أن التهديد الأكبر للأمن القومى العربى هو الإرهاب ثم إسرائيل.
***
المشاهد لوقائع زيارته لإسرائيل لمس بوضوح حميمية الأصدقاء ورفع الكلفة والتنادى بالأسماء الأولى.. بنجامين ودونالد.. هذا عن الشكل وأهم ما يلاحظ موضوعيا هو ما جاء فى كلماته حول فلسطين: «أرض أجدادكم والملك الذى أقامه الملك داود (النبى داود) الذى تزين نجمته علم إسرائيل، وأن المسلمين والمسيحيين يمكنهم العيش فى هذه البلاد آمنين مطمئنين».
هل هى إشارات إلى حل الدولة الواحدة؟. وبالمناسبة فأنا من أنصار حل الدولة الواحدة بشرط تساوى مواطنيها فى الحقوق والواجبات وبشرط أن تشمل قطاع غزة.. ألم يكن ذلك هو المطلب القديم الذى قامت على أساسه منظمة التحرير الفلسطينية والذى اشترطت إسرائيل تعديل ميثاق المنظمة لحذف هذه المواد مقابل عقد اتفاق أوسلو الخاص بحل الدولتين؟.
اتفق نتنياهو وترامب على أن الخطر المشترك قد جعل أعداء الأمس أصدقاء اليوم، هذا الخطر المشترك هو إيران وليس داعش؛ لأن إسرائيل لا تشعر بأى تهديد من جانب داعش.
الحقيقة أن ترامب قد أتى بما لم يستطعه الأوائل، فهو أول رئيس أمريكى يزور القدس المحتلة ويقف أمام حائط المبكى (حائط البراق) وأول مرة تطير طائرة من السعودية مباشرة إلى القدس، وهناك حديث عن فتح الأجواء وفضاء السايبر ومجالات أخرى للتعاون Behind the Scene بتعبير الـCNN.
فهل ما ينتظرنا هو حل للقضية أم تصفية لها؟ إن المخاطر تحيق بالقضية من كل جانب. فنحن العرب فى أضعف حقبة من تاريخنا الحديث، بينما إسرائيل قد علت علوا كبيرا، وأصبح اللوبى الإسرائيلى فى الولايات المتحدة لا يقتصر على التأثير فى رسم السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بل هو الذى يضعها. كذلك فإن الفريق المحيط بترامب كلهم من اليهود ذوى الميول الصهيونية بما فى ذلك سفيره فى إسرائيل الذى أعلن أن حائط البراق يقع فى إسرائيل، وزوج ابنته إيفانكا المسئول عن ملف الشرق الأوسط.
بمعنى آخر، لم يتراجع عن وعده فى نقل السفارة إلى القدس، وكذلك لم يتراجع تداول مشروعات تسوية تعد ــ أو بالأحرى ــ تصفية من بينها إقامة دولة على 60% من الضفة الغربية ولا يوجد ذكر لغزة، ثم التطبيع الخليجى مع إسرائيل مقابل تجميد المستوطنات وتخفيف الحصار على غزة.
***
فى ضوء ما يتعرض له ترامب فى الداخل من ضغوط شديدة وتحقيقات فى اتهامات قد تصل إلى الخيانة أو على الأقل إعاقة العدالة وهى الحالة التى أصبحت قريبة الشبه بـ«ووترجيت» التى عزل نيكسون بسببها، وفى ضوء أن سياساته الخارجية ــ حتى بعد التراجعات التى أجراها مازالت تتعرض للنقد الشديد بما فى ذلك جولته الأخيرة للشرق الأوسط، فقد بدأت لجنة الشئون الخارجية فى مجلس الشيوخ الأمريكى مناقشة انتقادات وجهت له تتعلق بعدم إثارته موضوع حقوق الإنسان والتشدد الوهابى مع السعوديين، كما وجهت إليه انتقادات بأنه أبدى إعجابه الشديد بالرئيس الفلبينى ولحملته الناجحة ضد المخدرات التى قتلت فيها الشرطة الآلاف دون محاكمات.
فى ضوء هذه الملابسات، نسأل هل هذا هو الظرف الأمثل لعقد صفقة القرن مع ترامب.

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات