أوراق الخريف - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2020 6:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

أوراق الخريف

نشر فى : السبت 26 سبتمبر 2020 - 7:40 م | آخر تحديث : السبت 26 سبتمبر 2020 - 7:40 م

أكنس الشرفة مراراً وتكراراً. أفعل بأوراق الشجر الصفراء المتناثرة على الأرض ما أفعله ببعض التعليقات والتحليلات، ألقي بها إلى سلة المهملات بعد لملمتها "بالجاروف". أشتهي النوم على العشب في هذا الجو الخريفي، وأنا أستمع لصوت "خرفشة" الورق الذابل الناشف تحت وطأة الجسم أو الأقدام. أقول لنفسي "لا شيء أجمل من بيت له بستان"، وأتذكر ذلك البيت القديم حين كان مليئاً... حركة وناس وزيارات وأحاديث حلوة وشِجار. كنتُ أسلي نفسي بتأمل الشجيرات الجميلة، لم أعرف أبداً اسم الشجرة ممتدة الفروع التي كانت تلقي بظلها الوارف على المكان، كانت تشبه شجرة التين البنغالي لكن ليست بضخامتها وليس لها جذور هوائية.
أعود مجددا إلى كنس أوراق الجهنمية الذابلة في شرفتي، وأدندن أغنية "أوراق الخريف"، التي انتشرت بلغات مختلفة حول العالم منذ أربعينات القرن الماضي وصارت ضمن كلاسيكيات الجاز من كثرة ما لعبها الموسيقيون وتباروا في إعادة توزيعها وتقديم أنماط مختلفة من الارتجالات عليها. أصبح لها حوالي ستمائة نسخة، وقام بتأديتها على المسرح كبار المغنيين والمغنيات أمثال إيف مونتان وشارل أزنافور وإديت بياف وداليدا وريتشارد أنتوني وديمس روسس وأندريا بوتشيلي، لكن تظل الفرنسية جولييت جريكو بالنسبة لي هي أفضل من غنتها بأدائها الدرامي الحساس الذي تميزت به خلال مسيرة فنية استمرت ستة وستون عاما.
***
رحلت هذه الأخيرة يوم الأربعاء الماضي عن عمرٍ يناهز 93 عاما. كانت سيدة فريدة في كل شيء، حتى حين قررت قبل بضعة أشهر القيام بجولة الوداع وإحياء عدة حفلات اعتزال، لكي تشكر الجمهور الذي وهبها حيوات غنية كما قالت، وكانت بالفعل على موعد معه في السابع عشر من سبتمبر، لكنها اضطرت لإلغاء الحفل المعلن عنه في شمال غرب فرنسا لظروفها الصحية، وكان من المفترض أن يتبعه حفل آخر في التاسع عشر من أكتوبر، لكن وافتها المنية قبل أن تتم سلسلة اللقاءات الفنية التي خططت لها.
في حديث أدلت به لإذاعة فرنسا قبل إصابتها بجلطة في المخ خلال مارس الماضي قالت: "يجب أن يعرف الفنان كيف يرحل في شموخ وأناقة وكياسة، احتراما للجمهور الذي منحه الكثير". دائما مبهرة في قدرتها على الكلام والتعبير، مثلما في الغناء والوقوف على المسرح. ذهنها حاضر، سريعة البديهة، نموذج ساحر للمرأة الحرة المثقفة بكل ما تعنيه الكلمة.
رحلت مع بدايات الخريف، وقد عُرفت وتألقت بسبب أغنية "أوراق الخريف" أو بالأحرى "الأوراق الذابلة" كما هو عنوان الأغنية الأصلي بالفرنسية، قبل أن يترجمها إلى الإنجليزية الشاعر الغنائي الأمريكي وصاحب شركة الإسطوانات، جوني ميرسر، سنة 1949.
***
لا أحد يعرف على وجه الدقة سر ذيوع الأغنية بهذا الشكل، خاصة وأنها لم تلق نجاحا في البداية أو على الأقل لم ينجح الفيلم الذي ظهرت فيه لأول مرة على الشاشة، وكان بعنوان "أبواب الليل". الممثل والمغني إيف مونتان كان يقوم بدندنة جزءًا منها خلال الأحداث أو في الخلفية، ثم انتشر اللحن في مقاهي وحانات الجاز بحي سان جيرمان دي بري، بعد حوالي العام من انقضاء الحرب العالمية الثانية.
كلمات كتبها بسلاسة وعذوبة الشاعر الفرنسي جاك بريفير، ولحنها صديقه ذو الأصول المجرية- جوزيف كوزما- تلميذ بارتوك، الذي ربطته أيضا صداقة وطيدة بجولييت جريكو ولحن لها العديد من أغنياتها التي نثرها كبار الكتاب والشعراء أمثال جان بول سارتر وريمون كينو. كُتبت "أوراق الخريف" في البداية لتصاحب عرض باليه من تصميم شاب يدعى رولان بيتي، أراد الخروج من عباءة الرقص الأكاديمي الكلاسيكي، وذلك قبل أن تتحول لموسيقى مصاحبة لفيلم المخرج مارسيل كارنيه.
مجموعة من الأصدقاء يسهرون معا، فيلحن أحدهم كلمات الآخر دون أن يتوقع أن يلقى مثل هذا الإعجاب. يبدأ كزوما في دندنة الكلمات على البيانو، فيطلب منه أصحابه أن يعيدها على أسماعهم حوالي عشر مرات، ومن هنا كانت بداية الولع بهذه الأغنية التي تقول كلماتها: "أود أن تتذكر الأيام السعيدة التي كنا فيها أصدقاء، كانت الحياة أجمل حينها، والشمس أكثر سطوعا من اليوم. الأوراق الذابلة نجمعها بالمجرفة. أترى؟ لم أنس. الأوراق الذابلة نجمعها بالمجرفة، مثلما نفعل بالذكريات ومشاعر الندم (..) هي أغنية تشبهنا، أنا وأنت، حين أحببتني وأحببتك". هذه الكلمات الرقيقة، هذه القصة التي تلقى صدى في قلوب الكثيرين، في رأي جولييت جريكو هي مفتاح اللغز، فهي نفسها حين اقترح عليها سارتر أن تغني وعرض عليها عدة أعمال لتختار أرادت أن تؤديها في أول ظهور لها، وظلت تؤكد أن سر نجاح العمل يكمن قبل أي شيء في الكلمات، لذا كانت تغني كل ما تحب من معانٍ وتسعى إلى إيصال الإحساس بقدراتها التمثيلية العالية ورغبتها في تجسيد المشاعر. شكك البعض أحيانا في تقبل الجمهور للنصوص التي كانت تصر عليها، إلا أنها وصلت للناس واستمرت وستستمر حتى بعد رحيلها في الخريف.

التعليقات