فى السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل العالمى حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعى على الأطفال، بين من يرى فيها خطرًا يتطلب تدخلًا تشريعيًا صارمًا، ومن يحذر من المساس بحرية التعبير فى الفضاء الرقمى. وبينما تتجه دول أوروبية عدة إلى تقييد استخدام الأطفال لهذه المنصات، سبقت أستراليا الجميع بإقرار حظر قانونى شامل لمن هم دون السادسة عشرة. غير أن هذا التوجه يفتح نقاشًا أوسع لا يقتصر على حماية الأطفال فقط، بل يمتد إلى مسئولية الآباء، وسلوك البالغين، ودور شركات التكنولوجيا فى تشكيل حياتنا اليومية، وهو ما يطرحه الكاتب جاى كاسبيان كانج فى مقاله المنشور فى المجلة الأمريكية «ذا نيو يوركر».. نعرض من المقال ما يلى:
بعد تمرير أستراليا قانونًا يقييد استخدام الأطفال دون سن الـ16 لوسائل التواصل الاجتماعى، يتساءل كاتب المقال جاى كاسبيان كانج عن ما إذا كانت ستنتهج الولايات المتحدة نفس الطريق بفرض قوانين الحظر لحماية الأطفال أم هناك بدائل أخرى؟
يقترح كانج سيناريوهين للرد على التساؤل السابق، الأول هو عدم تطبيق قوانين شبيهة بالقانون الأسترالى فى أمريكا طبقًا للرؤية الليبرالية المؤمنة بعدم وضع قيود عمرية تعسفية على من يحق له التعبير عن نفسه فى «الميدان الرقمى»، إضافة إلى رفض قواعد التحقق من الهوية.
أما السيناريو الثانى فيرى تنحية مخاوف الليبراليين جانبًا أمام ظهور تيار معادى للحرية المطلقة فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، فمثلًا، تمنع أغلب المناطق التعليمية فى أمريكا استخدام الهواتف فى الفصول الدراسية، كما ظل كتاب «الجيل القلق» The Anxious Generation لجوناثان هايدت، الذى غذت أفكاره القانون الجديد فى أستراليا، على قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا لمدة 85 أسبوعًا، كل هذا يدلل على وجود مخاوف لدى عدد لا بأس به حيال سيطرة وسائل التواصل الاجتماعى على أوقات الأطفال.
فى هذا السياق، يوضح كانج أن من علامات ظهور حركة جديدة مناهضة للهواتف الذكية فى أمريكا، اتجاه أكثر من ثلاثين ولاية أمريكية الآن إلى فرض شكلًا من أشكال حظر الهواتف المحمولة فى مدارسها. يشيد كانج بهذه الخطوة لأنه يرى لا حاجة إلى تصفح وسائل التواصل الاجتماعى خلال حصة الهندسة مثلًا، إذن القليل من تقييد قوانين حرية التعبير المطلقة يعد أحيانًا مقبولًا.
يؤكد كانج أن هذه الحركة المناهضة للهواتف الذكية، لا تعكس القلق على الأطفال فحسب، بل أيضًا استياءً عميقًا من كيفية إدارة البالغين لأعمالهم وأوقات فراغهم. وما دام أن البالغين أنفسهم عاجزون عن الابتعاد عن وسائل التواصل مثل «إنستجرام» وغيره من التطبيقات، تبقى القيود الأسترالية المفروضة على الأطفال ناقصة. فالقواعد الاجتماعية لا تكتمل إذا لم يلتزم بها الكبار أولًا. إذن يدعو الكاتب إلى إعادة النظر فى قوانين الحظر الأسترالى لتشمل الكبار أيضًا.
خلاصة القول، يرى كانج بأنه لا ينبغى أن تنحصر الدعوة إلى حياة رقمية أفضل على الأطفال وحدهم، بل يجب أن تمتد إلى البالغين. كما يدعو الكاتب إلى تقليص هيمنة شركات التكنولوجيا على المجال العام، والحد من التفاعل السطحى الذى تغذّيه. لا بد أيضًا من إعادة التفكير فى كيفية استثمار وقت الفراغ، خاصة مع الأطفال. فى الحقيقة، إن السخط بشكل عام من الهواتف ووسائل التواصل دون وضعه فى إطار سليم يعكس ضيقًا أعمق من إيقاع الحياة المتسارع وتكاليفها وضغوطها المتزايدة.
إعداد وتحرير: وفاء هانى عمر
النص الأصلى: