مناعة القطيع والمخاطر الأخلاقية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 3:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


مناعة القطيع والمخاطر الأخلاقية

نشر فى : الإثنين 27 سبتمبر 2021 - 7:10 م | آخر تحديث : الإثنين 27 سبتمبر 2021 - 7:10 م
عقب كل أزمة مالية ينشط الجدل حول جدوى التدخل لإنقاذ المؤسسات المتعثرة بغرض الإبقاء على سلامة المنظومة السوقية. التدخل من قبل البنوك المركزية والحكومات بضخ أموال لإنقاذ المؤسسات المتعثرة، هو بمثابة ضمانة لهؤلاء المتعثرين على أنهم أمنوا عقاب السوق لهم، وأنهم متى أقدموا على تصرفات خاطئة تعرضهم للإفلاس والمساءلة فإن جهة ما سوف تقدم لهم المساعدة bail out ومن هنا ينشأ نوع من المخاطر اسمه الخطر الأخلاقى moral hazard مؤداه أن هذا التصرف المعتاد من البنوك المركزية والحكومات، من شأنه أن يشجع على ارتكاب الأخطاء مستقبلا دون خوف من العقاب. وتجدر الإشارة إلى أن اختيار لفظ hazard عوضا عن risk نابع من طبيعة هذا الخطر الأخلاقى، لأنه يمثل مصدرا محتملا للضرر وليس احتمال تحقق الضرر. ببساطة فإن السكين هى مصدر محتمل لتحقق الضرر، لكن مخاطر الإصابة بجرح باستخدام السكين هى احتمال يمكن قياسه وتقديره.
ولأن تدخل البنوك المركزية فى آلية عمل الأسواق أصبح روتينيا وغير مرتبط بأزمة بعينها، والشاهد عليه الإفراط فى استخدام أدوات التسهيل الكمّى والكيفى بشراء أدوات الدين وحصص ملكية فى كثير من المؤسسات طوال العام! فقد نشأ نوع من الاضطراب المنتظم فى آليات عمل الأسواق الحرة، كثيرا ما عانى منها المحللون ومنهم الاقتصادى المصرى الدكتور «محمد العريان»، والذى بح صوته وهو يحذّر من حجم الضرر الذى تحدثه مشتريات البنوك المركزية فى الأسواق الكبرى، وتأثيرها على حركة الاستثمار وأسعار أدوات الدين ومؤشرات الأسهم.. بل وحتى تقلبات أسعار العملات المشفّرة.
***
لكننى أعرض فى هذا المقال تصوّرا مغايرا لتلك الصورة المطبوعة فى أذهان هؤلاء المحللين. أطرح من خلاله مسمى بديلا للخطر الأخلاقى الذى تأتى به البنوك المركزية باعتباره ليس مصدرا للضرر المحض، بل هو احتمال لحدوث الضرر، يقترن بتحقق عدد من العوائد returns. هو ما يمكن أن نسميه إذن moral risk كونه بات يحمل فى طياته عائدات منظورة وغير منظورة؛ لكن كيف ذلك؟!
أصبح التدخل المتوقّع من قبل السلطات النقدية والمالية (أحيانا) للتعامل مع الأزمات المالية من خلال ضخ الأموال وتقديم التسهيلات لإعادة التوازن بين قوى العرض والطلب على منتجات الاستثمار المختلفة بمثابة وعد حكومى قيّم، لا للمتسببين فى الضرر وحدهم، الذين نخشى أن يأمنوا العقاب، بل لكل أطراف السوق وعلى رأسهم المستثمرون الذين صار فى محفظتهم المالية وثيقة تأمين حكومية افتراضية، تضمن لهم أن استثماراتهم لن تضيع (بشكل كامل) حتى لو تحققت أسوأ مخاوفهم.
فالبنك المركزى المعروف بكونه مقرض الملاذ الأخير lender of last resort لم يعد يضمن فقط ودائع المودعين فى الجهاز المصرفى، لتحقيق الوقاية من سلوك القطيع المندفع لسحب المدخرات بمجرد حدوث أزمة سيولة فى أحد المصارف، بل تعدّى دوره ذلك فى كثير من الدول ليضمن سلامة مناخ الاستثمار كله ويصبح «منقذ الملاذ الأخير». فلو غرقت «ليمان براذرز» وأخواتها فى محفظة من أوراق مالية رديئة لا ينتهى الحال بالسوق فى خروج الجميع خاسرين، لأن مشتريات البنك الفيدرالى فى عدد من الأوراق المالية الأخرى سوف يعوّض الكثير من الخسائر، ويوقف حركة هروب رءوس الأموال. فى عام 2008 لم يدرك الجميع ذلك من اليوم الأول، بل كان على السوق أن تستدعى مشاهد قاتمة من مطلع ثلاثينيات القرن الماضى، ليتوقع مصيرا للاقتصاد العالمى مشابها للكساد الكبير. لكن فى الحقيقة كان التدخل السريع من قبل السلطات النقدية والحكومات خاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية موفّقا إلى حد بعيد، بحيث أدرك الجميع (حتى القطيع) أن تكلفة هروبه ربما تكون أكبر من الانتظار، فتوقف النزيف بعد وقت لا يتعدى كسورا من الوقت الذى استغرقه العالم ليتعافى من أزمة الكساد الكبير. ساعد على ميل الدورات الاقتصادية إلى أن تصبح أقصر عمرا سرعة وكفاءة تدفق المعلومات، لكن أى معلومات؟ إنها جميع الإشارات الإيجابية لتدخل الدول والمؤسسات الكبرى لوقف النزيف.
بعد تلك الأزمة المخيفة فإن الخطر الأخلاقى لعملية الإنقاذ التى قادتها البنوك المركزية بالشراء الكثيف فى أسواق الدين والملكية على حد سواء، رافقه يدا بيد نوع جديد من الضمانات السوقية التى تركت أثرا إيجابيا فى نفوس معظم المستثمرين عنوانه بشكل مبسّط: «أن أحدا لن يترك الاقتصاد العالمى ليسقط». لذلك فإن أزمة كبيرة مثل تعثّر مجموعة «إفرجراند» العقارية الصينية عن سداد بعض التزاماتها لن تقابلها الأسواق بذات الهلع الذى قابلت به أزمة «إنرون» مثلا أو أزمة «دوت نت». السبب فى رأيى هو تكوّن مناعة للقطيع ناتجة عن تجارب ناجحة وسريعة وفعّالة فى تعامل النظام المالى العالمى مع أزمات مشابهة.
***
لا تتعجّب عزيزى القارئ من تلك المصطلحات، فكما أن نظريات الاقتصاد السلوكى تعرف مفهوم «سلوك القطيع»، وكما أن الأسواق المالية تعرف مسمّى «قنوات العدوى» فإنه ليس بمستغرب أن نستخدم مصطلح «مناعة القطيع» لوصف تلك الحالة التى يتفاعل فيها الكائن الاقتصادى مع الأزمات بدرجة أقل من الهلع، حتى ولو تحرّك بصورة لا إرادية ضمن قطيع من المتضررين المحتملين. مناعة القطيع الناشئة عن تجارب إيجابية فى التعامل مع الأزمات الاقتصادية باتت تقلل من حجم الضرر الذى تحدثه العدوى المالية داخل وخارج الدول والمؤسسات.
لا يهم إذن إن كانت خطط الإنقاذ ناجعة فعلا فى التعامل مع الأزمة المالية، فما يزيد من فاعليتها وقدرتها على تضميد جراح الأسواق هو حجم التوقعات الرشيدة لجموع المتعاملين فى تلك الأسواق، والتى أدركت أن تكلفة الهروب السريع أكبر من الانتظار، وأن الدولة والبنوك المركزية سوف تكافئ هذا الانتظار بدعم شرائى كبير عبر تلك الخطط.
لا ينكر أحد أن رد فعل حالة الهلع تزيد من حدة وسرعة الانهيار. لا ينكر أحد أن سعر سهم «إنرون» قبل انكشاف وضعها المالى ووضع شركاتها ذات الغرض الخاص، كان مغالى فى تقديره ارتفاعا، لكن أيضا سعر سهمها بعد الانكشاف وما أصاب الأسواق من هلع، كان مغالى فى تقديره تراجعا... الحقيقة تقع فى مكان وسط بين السعرين، لكن أحدا لن يعرف الحقيقة أبدا، فنحن نرى نسخة الحقيقة التى تنقلها المعلومات، ومقدار جودة وكفاءة تلك المعلومات هو الذى يجعل السعر أقرب إلى القيمة الحقيقية. لا بديل إذن عن اكتساب ثقة أطراف السوق فى كفاءة المعلومات، ولا بديل عن كون تلك المعلومات تحمل ضمانات ووعود تقنع المستثمر بالاستمرار فى اللعبة. أكبر مخاوف السوق وأكبر مخاوف الاقتصاد الحر عامة هو أن يزهد اللاعبون فى اللعبة، خاصة صغار اللاعبين لأنهم مصدر السيولة والمضاربات.
أقول إذن للدكتور العريان إن البنك الفيدرالى الأمريكى يدفع راضيا تكلفة العبث بآليات السوق من أجل توفير وثيقة تأمين جديدة للمستثمرين، لم يعد من الممكن الاستمرار بدونها فى أسواق يملأها الضجيج وتتهافت فيها قنوات المعلومات على صناعة نسخ كثيرة مشوّهة للقيمة. يظل الخطر الأخلاقى بمعناه الجديد الذى عرضناه فى هذا المقال يحمل احتمالا بضرر أكبر من العائد (لو أن المؤسسات المالية فقدت أى شعور بالقلق من تبعات ارتكابها أخطاء جسيمة) أو بعائد يعوّض الضرر ويتغلّب عليه (لو أن تدخل البنوك المركزية والحكومات كان فى صالح المستثمرين بدرجة أكبر من المؤسسات المتسببة فى الأزمة)، لكن هذا يتطلب سنوات طويلة من التجربة، وعددا كبيرا من الأزمات، حتى تنضج الأسواق وتكتمل مناعة القطيع.
مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات