أحد أهم الدروس المستفادة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، هو الدور الحاسم للصواريخ والطائرات المسيرة «الدرونز».
حينما تنجح الصواريخ الإيرانية فى تجاوز أكثر من خمس منظومات إقليمية ودولية وإسرائيلية وشرق متوسطية وتصل إلى قلب إسرائيل، فمعنى ذلك أن فكرة ومبدأ ضمان استمرار تفوق إسرائيل على كل دول المنطقة قد سقط إلى حد كبير.
لا أحد ينكر التفوق الإسرائيلى الكاسح فى القوات الجوية ومنظومات الدفاع الجوى والحرب الإلكترونية مضافًا إليه الدعم الأمريكى المفتوح، لكن قدرة إيران وحزب الله إلى حد ما على إيلام إسرائيل يقول لنا رسالة محددة بعيدًا عن المعركة الدائرة الآن وهذه الرسالة هى أن «إسرائيل ليست كلية القدرة»، بل يمكن تحييد قوتها وإصابتها فى مقتل خصوصًا إذا نشبت حرب حقيقية بينها وبين أى دولة عربية مجاورة يكون لديها برنامج صاروخى مشابه للصواريخ الإيرانية، أو حتى أقل بكثير، لأن عامل المسافة يلعب دورًا شديد الأهمية ضد إسرائيل.
فإذا كانت إسرائيل تعجز عن صد الصواريخ الإيرانية البعيدة رغم أنها تملك منظومات دفاع جوى قوية وتدعمها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، ودول حلف شمال الأطلنطى «الناتو»، فماذا سيكون عليه الحال نظريًا إذا نشبت معركة افتراضية بينها وبين أى دولة قوية لديها جيش مؤهل فى المنطقة؟!
طبقًا لما نراه الآن فلن تكون قادرة على الصمود الحقيقى، أمام أى قوة صاروخية حقيقية فى المنطقة.
لنفترض نظريًا أن حربًا نشبت بين إسرائيل وأى من دول جوارها سواء كانت الأردن أو سوريا أو مصر أو السعودية. ولا أذكر لبنان هنا، لأن هناك حربًا بين إسرائيل وحزب الله تدور بالفعل، وصواريخ حزب الله تجعل ملايين الإسرائيليين يدخلون إلى الملاجئ هذه الأيام وأحد هذه الصواريخ وصل إلى صحراء النقب قرب مستوطنات غلاف غزة. فى مقابل أن إسرائيل تدمر جنوب لبنان كما فعلت فى غزة.
لست من هواة تضخيم الأمور، وأدرك تمامًا حجم القوة الإسرائيلية التى نجحت فى التفوق النوعى على كل جيرانها منذ عقود، بل وتسعى لتحقيق هذا التفوق النوعى فى الإقليم بأكمله وربما يكون ذلك أحد أسباب الحرب على إيران.
لكن فى هذه السطور أنا أتحدث فقط عن إمكانية تعويض سلاح الصواريخ والطائرات المسيرة لهذا التفوق النوعى الإسرائيلى وإصابته فى مقتل أو على الأقل تخفيف أثره.
فإذا كانت إيران نجحت فى إيصال صواريخها إلى قلب تل أبيب، رغم كل منظومات الدفاع الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ناهيك عن الإسرائيلية، فما الذى يمنع ــ نظريًا ــ أن تصل صواريخ دول الجوار إلى قلب إسرائيل بصورة أكثر إيلامًا؟
شرح السؤال السابق يقول إذا كانت إسرائيل تملك رفاهية الحصول على إنذار قبل إطلاق المسيرات أو الصواريخ العادية بساعتين فى المتوسط، وعشر دقائق للصاروخ الباليستى الفرط صوتى، فأى وضع صعب سوف تواجهه إذا انطلقت صواريخ عادية جدًا تنطلق من غرب الأردن أو جنوب سوريا أو سيناء؟!
سمعنا وقرأنا أن صاروخًا إيرانيًا أصاب حاملة الطائرات الأمريكية ــ جيرالد فورد ــ وهى الأغلى والأحدث لدى الولايات المتحدة. بالطبع واشنطن قالت إن حريقًا نشب فى غرفة الغسيل بحاملة الطائرات، وتم سحبها وهى موجودة ربما فى جزيرة كريت قرب اليونان. وهناك تقارير تقول إن مسيرة سعرها لا يزيد عن خمسة آلاف دولار هى التى أصابت حاملة الطائرات مما قد يكلفها نحو ٩٦ مليون دولار للإصلاح والترميم.
خطورة سلاح الصواريخ هى التى دفعت الولايات المتحدة إلى الإصرار على تقليص مدى الصواريخ الإيرانية إلى ما دون ٣٠٠ كيلومتر قبل نشوب الحرب أى أن واشنطن تريد ألا تتجاوز الصواريخ الإيرانية العاصمة العراقية بغداد، والآن تتحدث واشنطن عن السماح بألف كيلو متر، أى أن المهم ألا تصل هذه الصواريخ إلى إسرائيل أبدًا.
هذا البند الغريب يحتاج إلى نقاش مفصَّل، لكن العبرة التى تهمنا نحن العرب من هذا الموضوع هو ضرورة أن تسعى كل دولة عربية إلى امتلاك أكبر قدر من الصواريخ بكل أنواعها، خصوصا تلك التى يمكن أن تؤلم إسرائيل وتوجعها أو تؤلم أى عدو غيرها، وتجعلهم يفكرون ألف مرة قبل مهاجمة أى دولة عربية، سلاح الصورايخ والمسيرات وحسن استخدام التكنولوجيا وبقية الأسلحة هى التى ستردع إسرائيل عن إعادة رسم المنطقة وتأسيس «إسرائيل الكبرى».
فإذا كانت الصواريخ الإيرانية تمثل مشكلة للجيش الأمريكى وهو أقوى جيش فى العالم، فمن المؤكد أن أى برنامج صاروخى عربى يمكنه أن يردع إسرائيل إلى حد ما، وأى عدو غيرها يهدد الأمن القومى العربى.