الاتحاد الأوروبى والشرق الأوسط: أوقات عصيبة! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الجمعة 28 فبراير 2020 8:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الاتحاد الأوروبى والشرق الأوسط: أوقات عصيبة!

نشر فى : السبت 28 مايو 2016 - 10:05 م | آخر تحديث : السبت 28 مايو 2016 - 10:05 م
خلال الأسبوع الماضى كنت ضيفا فى برلين فى مؤتمر نظمته عدة مؤسسات أكاديمية بالتعاون مع عدة منظمات وشركات وبمشاركة ممثلين عن المجتمع المدنى والاتحاد الأوروبى وعدد من الساسة الألمان والأوروبيين فضلا عن ممثلين عن المجتمع الأكاديمى فى أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط والصين. على مدى ثلاثة أيام ناقش الأوروبيون علاقاتهم البينية فضلا عن سياستهم الخارجية تجاه الصين وروسيا والولايات المتحدة، فضلا عن الشرق الأوسط.

كانت معظم مجموعات العمل والنقاشات المستديرة تدار بواسطة متحدثين أوروبيين بالأساس مع بعض المشاركات الأجنبية من الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا. فى حين لم يكن هناك متحدثون عرب باستثناء ثلاثة مصريين منهم كاتب هذه السطور والسيد نبيل فهمى وزير الخارجية السابق والدكتور أحمد بدوى الباحث الرئيسى بجامعة برلين الحرة.

***

فيما يلى مجموعة ملاحظات مبدئية على هامش هذا الملتقى الهام:

أولا: كان الجدل الأكبر والاهتمام الطاغى للمؤتمر هو العلاقات الأوروبية الأوروبية وخصوصا فى ظل عقبات رئيسية تواجه دول الاتحاد الأوروبى، لعل أهمها الاستفتاء المزمع عقده فى المملكة البريطانية بخصوص البقاء فى الاتحاد الأوروبى من عدمه فى ظل مخاوف كبيرة من تأثير نتيجة الاستفتاء ــ لو قرر البريطانيون المغادرة ــ على تماسك الاتحاد ومستقبل سياساته الخارجية والأوروبية البينية. كانت هناك مخاوف كبيرة أيضا من تصاعد جديد للأحزاب اليمينية المتطرفة فى أوروبا كرد فعل شعبى على المشكلات الأمنية والهوياتية المتعلقة بمشاكل اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط تحديدا.

ثانيا: كان هناك مزيد من السخط المرتبط بالمشكلات التنسيقية بين دول الاتحاد الأوروبى فى ظل فشل واضح فى تنسيق السياسات الخارجية لدول الاتحاد فى ظل وجود ما يقترب من ٢٨ توجها خارجيا مختلفا فى إشارة للثمانية والعشرين عضوا فى دول الاتحاد وعدم قدرتهم على الاتفاق على حد أدنى من المعايير المؤسسية أو حتى القيمية فيما يتعلق بالسياسات الخارجية فى ظل غلبة الديناميات المحلية لكل دولة على قيم الاتحاد التى تم الاتفاق عليها مسبقا كأساس لتحرك دول الاتحاد الأوروبى خارجيا.

ثالثا: كان هناك تشاحن أوروبى أوروبى واضح حول مسئولية غياب «خطة أوروبية موحدة» تجاه القضايا الخارجية ولا سيما الشرق الأوسط، وفضَّل الكثير من الحضور استخدام عبارة «اللافعل» تعبيرا عن خيبة الأمل من ضبابية الرؤية وتضارب المصالح بين ممثلى السياسة الأوروبية الخارجية، وهو ما أدى إلى طرح أكثر جدلية يتعلق بمناقشة فاعلية بل وفائدة وجود الاتحاد من الأصل، وخصوصا لو قرر البريطانيون المغادرة وما قد يستتبعه ذلك من احتمالية مغادرة آخرين فى المستقبل.

رابعا: كان الأمن طاغيا على السياسة فى معظم الجلسات، فى ظل شعور واضح بتهديد الهوية الأوروبية والأمن الأوروبى بسبب مشكلات المهاجرين فضلا عن اللاجئين، وخصوصا بعد تكرار الهجمات الإرهابية فى فرنسا وبلجيكا، وقد تعالت أصوات واضحة تطالب بفرض مزيد من الصرامة بخصوص قبول لاجئين جدد وتجاوز الحديث عن المعايير «الإنسانية» أو «الحقوقية» بخصوص حق اللجوء فى ظل التأثيرات السلبية اقتصاديا وأمنيا لهذه الموجات اللامنتهية من اللاجئين التى أصبح عدد كبير من الأوروبيين يشعرون بخطورتها وعدم القدرة على مواجهة تداعيتها السلبية.

خامسا: كانت العلاقات مع تركيا حاضرة بقوة، وخصوصا فى ظل تصاعد إجراءات أردوغان القمعية وانفراده بالسلطة مع استمرار حاجة أوروبا الملحة للتنسيق مع تركيا بل والتعويل عليها باعتبارها أحد أهم الحلول لمواجهة أزمة اللاجئين. كان الجدل ببساطة هل يلتزم الاتحاد الأوروبى بمعاييره القيمية ويعاقبه أو على الأقل بتجاهل أردوغان بسبب سياساته القمعية أم يستمر فى التعاون والتنسيق معه بل وربما حتى محاباته بسياسات تمييزية لتركيا والأتراك مقابل تحمله الثمن الأكبر فى حل مشكلات اللاجئين! كان الاتجاه الغالب أنه لا يمكن بأى حال تجاهل أردوغان فضلا عن عقابه وتبدو الدول الأوروبية عاجزة وليس أمامها سوى استمرار التعاون مع تركيا بحثا عن حلول أمنية واقتصادية لمشكلات أوروبا المستمرة.

سادسا: كانت مصر حاضرة على هامش النقاشات، وخصوصا ما يتعلق بملف حقوق الإنسان والحريات، والنقاش العام بخصوص مصر كان يشبه النقاش بخصوص تركيا مع اختلاف درجة الأهمية والإلحاح للملف التركى مقارنة بنظيره المصرى، لكن مرة أخرى كان هناك تباين واضح بين الساسة الأوروبيين من ناحية والأكاديميين وناشطى المجتمع المدنى والأمريكان من ناحية أخرى، فبينما كانت الفئة الأخيرة مشغولة بما يمكن فعله للدفاع عن الحريات فى مصر، كانت الفئة الأولى مشغولة «باحتواء» مصر فى ظل نقاش عام متفق عليه حول تراجع الدور المصرى والأهمية الاستراتيجية لمصر فى مقابل دول أخرى كسوريا وليبيا والسعودية.

سابعا: فيما يتعلق بالمنطقة العربية، فقد تركز النقاش ايضا حول الأوضاع فى سوريا، وكان واضحا أن هناك يأسا عاما من إمكانية التوصل إلى حل سياسى للصراع السورى، وأن أقصى ما يمكن عمله هو الإبقاء على حد أدنى من الحوار بين الأطراف المتناحرة فى سوريا لترشيد المآسى الإنسانية، ولم يتطرق الحوار أو النقاش بأية حال إلى إمكانية عزل بشار أو التخلص منه، فالسؤال الأكبر كان ولا يزال، كيف يمكن تقليل الخسائر واحتواء التاثيرات السلبية لها على أوروبا كما كان حاضرا وبقوة السردية المتعلقة باليأس من تغيير الأوضاع فى المنطقة العربية والتسليم بفشل الثورات فى إحراز أى تقدم يتعلق بقضايا الديمقراطية والتعامل مع الحالة التونسية باعتبارها استثناء هشا يؤكد القاعدة ولا ينفيها.

ثامنا وأخيرا، كانت هناك نقاشات حول تعثر نموذج الديمقراطية الليبرالية حتى فى الدول الأوروبية وخصوصا مع تصاعد ظاهرة «ترامب» فى الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن تصاعد جديد للأحزاب اليمينية فى أوروبا، مع مغازلة نموذج «الرجل القوى المغامر» للشعوب الأوروبية فضلا عن الشعوب غير الأوروبية أو الغربية، مع تراجع أهمية الأدوات التقليدية للديمقراطية «البرامج السياسية للأحزاب، المعايير المؤسسية، معايير الرشادة»، فى نماذج مثل بوتين، أردوغان، السيسى، ترامب، لى كه تشاينج وربما آخرون فى المستقبل، وهو ما يعنى العودة لنماذج ما قبل التحول الديمقراطى فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع التأكيد على ضرورة البحث عن نماذج جديدة أو مختلفة للحوكمة فى ظل صراعات القوى وهمينة الصراعات العالمية.

***

لم يكن مجرد مؤتمرا للنقاش والجدل، ولكنه كان عصفا ذهنيا للنقاشات الجادة بخصوص قضايا عالمية من وجهة نظر أوروبية، أكد على أن العالم بالفعل يشهد عصر تحولات سياسية ومعرفية هامة، وأن ما كان صحيحا ومقبولا سياسيا واقتصاديا وقيميا فى الفترة من ١٩٤٥ وحتى ١٩٩٠، ثم من ١٩٩٠ وحتى ٢٠١١، أصبح محل جدل، وأصبح من الضرورى التعامل مع تلك التحولات بأجندات جديدة بحثية وأكاديمية لتغيير المعرفة والفهم للسياسة والتاريخ، والتعامل بآليات مختلفة مع قضايا القانون الدولى والعلاقات الدولية.

إذا ما سحبنا هذه الاستخلاصات، بفرض صحة قراءتى لها، على الحالة المصرية، فإن التخوفات هنا يجب أن تتخطى، وإن كانت تشمل، غياب نماذج للحوكمة والديمقراطية والإصلاح السياسى، ولكن يجب أن تشمل تخوفاتنا أيضا أن حضورنا على الأجندات الدولية أصبح أكثر خفوتا، وأن مستوى النقاشات العامة المصرية فى معظمها أصبح رجعيا ولا يرقى للمستويات الدولية، فالقضايا التى تشغلنا أصبحت قضايا قديمة وغير معاصرة، فإذا ما أخذنا فى الاعتبار تراجع مستويات الإسهام المصرية فى مجال المعرفة والتكنولوجية والتصنيع، فتصبح القضية هنا ليست أن مصر يتم التآمر عليها أم لا، ولكن تصبح القضية أن مصر يتم تخطيها الآن دوليا وإقليميا على مستويات المنافسات الدولية سياسيا واقتصاديا، بل وثقافيا ومعرفيا، وهو ما يستدعى تغييرا جذريا لطريقة فهمنا لنفسنا ولمحيطنا الإقليمى وللعالم.
أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر