قيس وليلى - محمود قاسم - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 12:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

قيس وليلى

نشر فى : الجمعة 29 مايو 2020 - 6:35 م | آخر تحديث : الجمعة 29 مايو 2020 - 6:35 م

هذا الفيلم ليس موجودا على اليوتيوب، وقد دبره لى أحد اصدقائى، وهو من ضمن الأفلام التى كانت تمتلكها مجموعة «أصدقاء للأبد»، بما يعنى أننا فى انتظار أن تظهر أفلام كانت موجودة ثم اختفت، وأذكر منها بإلحاح شديد «رسالة إلى الله»، فيلم اليوم من أخراج ابراهيم لاما عام 1939، وبطولة أخيه بدر لاما، وبالطبع فإن هناك فيلما ثانيا بالاسم نفسه قدمه أحمد ضياء الدين بعد ثلاثين عاما بالضبط، كما ان السينما التونسية قدمت فيلما باسم « جنون ليلى» اخراج الطيب الوحيشى، بعد ثلاثين سنة أخرى، ومن المعروف أنه فى العام 1940 قدم محمد عبدالوهاب جزءا غنائيا من المسرحية الشعرية «مجنون ليلى» تأليف أحمد شوقى فى فيلم «يوم سعيد»، وكنا قدمنا حديثا وافيا فى هذه الصفحة منذ أسابيع عن فيلم «ليلى العامرية» اخراج نيازى مصطفى 1948، بطولة كوكا ويحيى شاهين.
ما يهمنى هنا، هو البحث عن اجابة تؤرق البعض: هل كان قدوم الفتح الدينى إلى مصر بمثابة فتح إسلامى فقط أم صبغ ثقافتنا بكل ما هو عربى، تلك الثقافة التى جعلتنا نحتفل بكل ما هو صحراوى سواء مايقترب من العقيدة أم جميع مظاهر الحياة، فقد احتفينا بهذه الثقافة وأبطالها ومنهم عنترة العبسى، والزير سالم، وكم قدمت السينما الشخصيات العربية كبطل مغوار، كما اننا احتفينا بالقصص الرومانسية الصحراوية ومنها قصة «مجنون ليلى»، وكل ذلك ليس له علاقة يالعقيدة فى الوقت الذى تجاهلنا فيه بقوة أبطال وعباقرة تاريخنا، فليس لدينا أبدا فيلما قرعونيا واحدا، أو حتى فيلم عن الحياة فى مصر فى القرون القبطية، وليس فى هذا أى تقليل من الثقافة التى جاءت الينا، لكن من حقتا أن نشاهد أيضا حكاياتنا التى غطاها التراب عددا كبيرا من القرون وصارت فيما بعد مفخرة لنا، ومنها مثلا مارواه نجيب محفوظ عن أحمس الأول فى « كفاح طيبة» ثم تركنا للسينما الأمريكية أن تدشن تاريخنا كما تشاء لها من رؤية ونحن بالغى السلبية.
اذا كانت الروايات الفرعونية التى كتبها نجيب محفوظ قد تم تجاهلها عن عمد فى السينما المصرية، فإن هناك شيئا مهما يجب الاشارة اليه، فلا أعتقد أن التكاليف الانتاجية هى التى حالت دون انتاج رواية من طراز «رادوبيس» بادعاء ارتفاع ميزانيات الإنتاج، لأن هناك تشابها ملحوظا بين موضوع الرواية، وبين الأوبرا العالمية «تريستان وايزولت» لفاجنر، التى تنتمى إلى عدة أساطير عالمية، وأرجعها محفوظ إلى الحضارة الفرعونية، أما نيازى مصطفى فانه عندما حول النص إلى السينما، فلم يرجع إلى محفوظ، لكنه قدم لنا عالمه المألوف فى صحراء عربية غير محددة فى فيلمه» أميرة العرب» عام 1963، وأعتقد أن الوقت حان لقراءة السبب الحقيقى للاعجاب الشديد بثقافة الصحراء بمثل هذا الحماس عند المخرج، ترى هل كانت كوكا هى السبب؟ لاأعتقد فالفيلم المذكور من بطولة وردة الجزائرية.
فيلم «قيس وليلى» كتبه ابراهيم لاما، وهو واحد من أفلام قليلة له، بل لعله الوحيد الذى يمكن مشاهدته، لقد شغف الرجل الفلسطينى القادم من أمريكا اللاتينية بالثقافة الصحراوية، أو البدوية، قبل نيازى مصطفى بسنوات طويلة، فكان فيلمه الأول» قبلة فى الصحراء» عام 1927، واهتم بتاريخ مصر والتاريخ العربى، فقدم فيلما عن الملكة كليوباترة جسدته أمينة رزق التى قامت هنا بدور ليلى، وهو أول من قدم شخصية صلاح الدين الأيوبى فى السينما عام 1941، وكان أخوه بدر لاما بطل أفلامه، وأهمية فيلم اليوم انه عن غراميات شاعر عربى من الجزيرة العربية ,يذكر اسم ومحاسن حبيبته فى قصائده، وقد استوحى السيد زيادة كاتب السناريو والحوار اشعار العاشق، واستغتى بها عن الحوار العادى، وبالتالى وجد الحل المناسب لمسألة اللغة فى الفيلم، فبالنسبة لنيازى مصطفى فان الكثير من أفلامه تدور فى الصحروات المصرية، وأبطالها من البدو، وتنتقل الأحداث بين الحياة المدنية المعاصرة والبدوية، ومنها «رابحة» و«سمراء سيناء»، أما «قيس وليلى» قانه يعتمد على اللغة القصحى ما يعكس ثقافة ابراهيم لاما وهو يسبق جميع المحاولات فى تقديم مسرحية شكسبير «روميو وجولييت» بلغة الشاعر، كلا العملين يدور حول الحب المستحيل
نعم، جاء الوقت علينا أن ذهبنا بقوة إلى التاريخ الصحراوى واعتبرناه تاريخنا، وقدمنا حكاياته واشخاصه بلغاته، وكان من المعجبين به الأخوين لاما، ونيازى مصطفى الذى تفانى فى تقديم الشخصيات، ورسمها بوجه زوجته، ابتداء برابحة، وعنترة، ورابعة العدوية، سمراء سيناء، وكنوز، ما شجع مخرجين آخرين على دخول التجربة ومنهم صلاح أبو سيف، وابراهيم عمارة، ويوسف شاهين,
القصة معروفة سلفا، وهى أقل دموية من حكاية «روميو وجولييت»، فالعم يصدم أن ابن اخيه قيس قال فى الابنة ليلى شعر الغزل، بمعنى أنه فضحها بين القبائل، لذا حرم عليه الزواج منها، ومنحها إلى شاب متزن من أهل القبيلة يحب الفتاة من طرف واحد، ماأصاب الشاعر العاشق بجنون الحب، وراح يقول المزيد من الشعر فيها، وتتحول حالة العشق إلى الشعور بالرثاء، هو جنون وليس عشقا، إلى أن يضمر العاشق ويموت من شدة الوله والحب، انه العشق المستحيل، وهنا نرى إبراهيم لاما قد منح الشخصية للممثلة أمينة رزق التى جسدت أيضا دور الملكة كليوباترة مع الفريق نفسه.
لقد حفظ التراث القصة بكل ما بها من نبل العاشقين، وحسب وقائع الفيلم فان ليلى أيضا تقول الشعر، وتعرف مكانته، كما انها تغنى فى مواقع كثيرة من الفيلم. أما النبيل الحقيقى فهو ورد، الشاب الراقى الثرى، الذى وافق أن يتزوج من ليلى، رغم ان سيرتها ملوثة بالفضائح الشعرية اذا جاز التعبير، وقد احترم ورد مشاعر عروسه، فلم يدخل بها، وظل محتفظا بوجودها معه، بل انه سمح لها أن تقابل حبيبها قيس فى داره. وقد جاء الشر من شخصية عابر، الذى يحب ليلى من طرف واحد، وأراد أن يبعدها عن قيس، أكثر، فاستدعى شاعرا ينظم القصائد بالاسلوب نفسه الذى يتسم به شعر قيس، وأضاف بعض الألفاظ التى توحى أن قيس قام بتقبيل واحتضان ليلى، ما جعل الأب يصر على عدم تزويج ابنته لابن عمها، وفيما بعد تكتشف ليلى الحقيقة فيعود لها تفانيها فى حب قيس، لكنها تظل على عصمة ورد حتى يصيبها المرض وتموت.
أشرنا أن أحمد ضياء الدين أعاد اخراج القصة نفسها بعد عشرين عاما فى فيلم بطولة ماجدةو شكرى سرحان بالألوان الطبيعية، ورغم مكانة فيلم «ليلى العامرية» لنيازى مصطفى 1948، فان ابراهيم لاما وضع نهايته المبتكرة الطليعية، وهى الأفضل، حيث دبت الحياة فى المخيلة لدى العاشقين المدفونين فى مقبرتين متجاورتين، وقاما فى صحوة، وتعانقا ثم صعدا إلى السماء، ولعل هذا يذكرنا بالنهاية التى صور بها نيازى مصطفى نهاية رابعة العدوية التى ماتت امرأة ذابلة، فلما جاءها الرحيل دبت الحياة فى جسدها وانبعثت روحا تغنى تحوطها ملائكة وهى متوجهة إلى السماء.
لعلى استغل هذه الفرصة من أجل رفع الغبن عن اسرة فنية عرفت باجتهادها ودورها الأساسى فى ميلاد السينما المصرية، فبعيدا عن الشوفينية، فانهما أول من قدما فيلما روائيا طويلا تم عرضه فى الاسكندرية قبل خمسة اشهر من عرض فيلم «ليلى» لعزيزة أمير التى عرض فيلمها «ليلى» فى القاهرة، وذلك فقط لأنهما غير مصريين أماالنقطة الثانية فان الكثير من النقاد والمؤرخين تعاملا مع الأخوين لاما على أنهما من اليهود، وربما الصهاينة، ومن ثم حاول هؤلاء الصاق بعض التهم الوطنية بهما، وهذا ليس صحيحا، فالأفلام تنضح بالوطنية، وعندى الثائق الخاصة بالنعى المنشور بعد وفاة المخرج، والى جواره الصليب، كما ان عدم وجود فيلم واحد من أخراج ابراهيم لاما وانتاجه غير متوافرة فى المصادر، خاصة اليوتيوب، الفيلم الوحيد لدينا من اخراج نيازى مصطفى وهو «رابحة»، بطولة كوكا، فهل اختفاء الأفلام مرتبط بنظرية مؤامرة، تستكمل الاتهام أن الاسرة يهودية، وعليه فان أكثر من خمسة عشر فيلما لم نشاهدها، وهذه خسارة كبيرة للغاية، بالاضافة إلى تفاصيل النهاية المأسوية التى لحقت بالمخرج الذى مات عام 1953 منتحرا باطلاق الرصاص على نفسه، بعد أن قتل زوجته التى رفضت العودة اليه يسبب سوء معاملته لها وهى الشابة الصغيرة التى تزوجها.

التعليقات