التمهيد لحرب أهلية عربية أخرى - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 13 يوليه 2024 4:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

التمهيد لحرب أهلية عربية أخرى

نشر فى : الأربعاء 29 مايو 2024 - 8:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 مايو 2024 - 8:30 م

فيما وصلت الحرب الدائرة فى غزة إلى طريق مسدود مميت، يبدو أن إدارة بايدن تتحدّث مجدّدًا عن «اليوم التالى» لهذا الصراع. فقد صرّح وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن فى 12 مايو، بأن واشنطن تعمل منذ أسابيع كثيرة على وضع خطط موثوقة للأمن والحكم وإعادة الإعمار فى غزة. وهذه المرّة، تحثّ الإدارة الأمريكية كلًّا من مصر والإمارات العربية المتحدة والمغرب على نشر قوة عربية مشتركة لحفظ السلام فى قطاع غزة عند توقّف القتال، تتولّى صون الأمن فيه إلى حين إرساء حضور أمنى فلسطينى موثوق هناك. فى المقابل، اقترح الوزير فى مجلس الحرب الإسرائيلى، بينى جانتس، إنشاء إدارة أمريكية وأوروبية وعربية وفلسطينية تدير الشئون المدنية فى غزة إلى حين تشكيل حكومة جديدة، على أن تحافظ إسرائيل فى غضون ذلك على درجة من السيطرة الأمنية.

تُصوِّر إدارة بايدن وكذلك جانتس مقترحَيهما على أنهما مؤقّتان، لكن سيثبت أنهما غير محدّدَى المدّة ما دام أن الاستقلال الفلسطينى ليس هو الهدف النهائى على نحو لا لبس فيه. ومع ذلك، لا تزال إدارة بايدن متردّدة فى ممارسة الضغط اللازم لإرغام رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو على المشاركة حتى فى أبسط مقترحاتها. فهى إذ حذّرت من اجتياح رفح من دون خطّة مناسبة لحماية مئات آلاف الفلسطينيين الذين لا يزالون هناك، أبلغت الكونجرس بعزمها إرسال مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى إسرائيل حتى بعد بدء الهجوم البرّى الإسرائيلى من دون هكذا خطّة. إن كانت الإدارة تراهن على جانتس لإطاحة نتنياهو، فعجزها عن ممارسة أيّ ضغط مُجدٍ على رئيس الوزراء لن يؤدّى إلّا إلى تعزيز وضعه فى الداخل وتقويض جانتس.

لكن هذا كلّه أبسط الأمور، إذ طالما لا توجد رؤية واضحة بشأن الدولة الفلسطينية، وخارطة طريق لإقامتها، لن تكون القوات المؤقّتة المزعومة والإدارة الانتقالية فى غزة إلّا دائمتَين. والأسوأ أن احتمال دخول قوات حفظ السلام فى صدامٍ مباشر مع السكان الذين يُفترَض بها ضبط أمنهم، إن لم يكن حمايتهم، سيزداد كلّما طالَ أمد الإبقاء على هذه الترتيبات من دون أفق سياسى جليّ.

هذا، ومن شأن حتى أبسط مهمة معقولة لحفظ السلام - لضمان مرحلة استقرار أوّلية إلى حين إرساء ترتيبات محلية جديدة للحكم الفلسطينى- أن تطرح تحدّيات كبرى. فهل من المفترض أن تعمل قوة حفظ السلام على نزع سلاح عناصر حماس وغيرهم من المقاتلين، أو اعتقالهم، أو تفكيك منظماتهم؟ وهل ستتولّى تمشيط قطاع غزة برمّته منزلًا منزلًا أم أنها ستأمل بصورة عمياء أن يستمرّ المواطنون المحليون بالترحيب بعناصرها وحمايتهم، حتى لو أصبحت آفاق الاستقلال أبعد من أى وقت مضى؟ سينتهى المطاف بقوات حفظ السلام إلى التسبّب بالمزيد من الخسائر فى صفوف أهالى نالوا نصيبهم من الأذى، ناهيك عن تكبّد تلك القوات الخسائر أيضًا.

أما دمج قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية فى قوة حفظ السلام المقترحة لغزة، أو إيكال المهمّة إليها بعد مرحلة أوّلية يُصار فيها إلى تحقيق الاستقرار، فلن يضمن نتيجةً أفضل. بل على العكس تمامًا، من شأن نشر قواتٍ من السلطة الفلسطينية موالية لحركة فتح، سواء كانت من الضفة الغربية أم غزة، أن يزيد احتمال تصفية الحسابات بالعنف مع حماس، التى بينها وبين فتح تنافسٌ طويل ومرير. يتذكّر الكثيرون أعمال العنف والاقتتال الداخلى التى سبقت وأعقبت سيطرة حماس على قطاع غزة فى عام 2007. لكن السابقة أُرسيَت بمقتل أربعة عشر متظاهرًا أعزل من حماس على أيدى عناصر فتح فى شرطة السلطة الفلسطينية فى نوفمبر 1994، بعد أشهر قليلة على إنشاء هذه السلطة وأجهزتها الأمنية.
• • •
إن الانتشار المتنازع عليه لقوات عربية أو قوات تابعة للسلطة الفلسطينية سيؤدّى، على نحو شبه مؤكّد، إلى مفاقمة الانقسام السياسى والتدهور الاجتماعى فى غزة، ناهيك عن تداعيات محتملة قد تطال الفلسطينيين فى الضفة الغربية. وقد ظهرت بالفعل لمحات من عنف العصابات والعشائر فى غزة نتيجة الضعف الذى أصاب شرطة حماس وتراجع سيطرتها الأمنية العامة. الواقع أن غزة قد تتحوّل إلى هاييتى البحر المتوسط، إذا ما اتُّبِع النهج الذى تنادى به إدارة بايدن. ومن المرجّح جدًّا أن يمتدّ النزاع أيضًا إلى مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين فى لبنان، التى تشهد منذ سنوات صراعًا ثلاثيًا تنخرط فيه حماس وفصائل إسلامية أخرى والجناحان المتنافسان فى فتح، المواليان لكل من دحلان ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
• • •
زِد على ذلك أن وضع غزة تحت أيّ سيطرةٍ عسكريةٍ أجنبيةٍ فى ظلّ غياب خارطة طريق واضحة لإقامة دولة فلسطينية سيُمكّن إسرائيل من ترسيخ استعمارها الاستيطانى للضفة الغربية بمزيدٍ من الحصانة. لقد أظهرت إدارة بايدن والدول الحليفة، مثل المملكة المتحدة والحكومات الأوروبية الرئيسة، سواء بأفعالها أو بتقاعسها، أنها لن تتّخذ إلّا أكثر الإجراءات رمزيةً لمواجهة الدور المكشوف للحكومة الإسرائيلية والجيش فى مساعدة وتشجيع المستوطنين المسلّحين، بمَن فيهم وحدات ميليشيات المستوطنين الرسمية وكتيبة المستوطنين المُنشأة رسميًا فى القوات المسلحة الإسرائيلية، الذين ساهموا فى قتل ما يقرب من 500 فلسطينى فى الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر. من شأن المزيد من الاعتداءات فى الضفة الغربية أن يؤجّج التوتّرات فى غزة إلى درجة الغليان، وهو ما سيفترض بقوة حفظ السلام العربية أو الدولية أن تعمل على كبحه.
لا يمكن تنفيذ عملية عسكرية «احتوائية» فى غزة فى ظلّ هذه الظروف، كما بات الجيش الإسرائيلى نفسه يدرك، فما بالك بتحقيق حفظ السلام بشكل موثوق. لقد كانت السلطة الفلسطينية عقلانية فى رفضها الانجرار إلى حفظ أمن غزة من دون الحصول على ضمانات بإطلاق مسار دبلوماسى مُجدٍ يفضى إلى إقامة الدولة الفلسطينية.

سيكون من الحكمة أن تصرّ الدول العربية التى يُطلَب منها المشاركة فى قوات حفظ السلام فى غزة على إطلاق مسارٍ مباشرٍ يؤدّى إلى إقامة الدولة الفلسطينية، كضمانة أساسية لمصالحها السياسية والأمنية. وقد مهّدت أيرلندا والنرويج وإسبانيا الطريق لذلك عبر الاعتراف بدولة فلسطينية تتمتّع بكامل الحقوق والواجبات التى تتمتّع بها الدول المستقلّة. فما لم تكن هذه المقاربة جزءًا لا يتجزّأ من تفويض قوة حفظ السلام، يجب أن ترفض الدول العربية الاضطلاع بدورٍ فى حفظ السلام بوساطة أمريكية. وسيكون من الأجدى لهذه الدول أيضًا أن تصرّ على عدم نشر أيٍّ من قواتها ما لم تنشر الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية الكبرى التى تروّج لفكرة حفظ السلام فيما ترفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية، جنودَها على الأرض أيضًا. ثم على الأمريكيين والأوروبيين أن يقدّموا تعهّدات صارمة بعدم سحب قواتهم من دون موافقة شركائهم العرب فى مهمة حفظ السلام. هذا درس لا نزال نتذكّره جيّدًا بعد الانسحاب السريع لقوة حفظ السلام متعدّدة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، التى نُشِرَت فى لبنان فى عام 1982، وتلا الانسحاب ارتكاب مجزرة مخيّمَى صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين فى بيروت.

إن توسّط إدارة بايدن فى نشر قوات على الأرض وفقًا للشروط التى تقترحها يجعلها مذنبةً فى تعريض حلفائها وأصدقائها للخطر عمدًا. وطالما أن عنف المستوطنين الإسرائيليين المتطرّف برعاية الدولة يتواصل فى الضفة الغربية بلا رادع، لن يخدم هذا التدبير برمّته سوى نتيجة واحدة، وهى تفكيك فلسطين بالكامل. صحيحٌ أن الولايات المتحدة لم تكن يومًا وسيطًا نزيهًا فى هذا الصراع، إلّا أن بايدن سيحوّل بذلك دورها إلى دور قتالى مباشر فى المعركة المستمرة منذ عقود لمنع إنشاء دولة فلسطينية.

إن لم تُوفَّر الظروف اللازمة لمنح الفلسطينيين دولتهم، فعلى الولايات المتحدة والدول الغربية الحليفة التى تنادى بحفظ السلام فى غزة وتمنع فى الوقت نفسه إقامة الدولة الفلسطينية، أن تتحمّل بالكامل مسئولية فكرتها هذه، كما مسئولية التعامل مع العواقب المترتّبة عنها.

يزيد صايغ
مدونة ديوان التابعة لمركز كارنيجى

النص الأصلى
https://rb.gy/qsi3p0

التعليقات