الإغلاق فى التاسعة يغير قواعد اللعبة.. هل تتأقلم السينما أم تتراجع؟ - خالد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2026 1:28 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

الإغلاق فى التاسعة يغير قواعد اللعبة.. هل تتأقلم السينما أم تتراجع؟

نشر فى : الإثنين 30 مارس 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2026 - 6:45 م

تتأثر صناعة السينما، بوصفها واحدة من أكثر الصناعات ارتباطًا بحركة الجمهور اليومية، بأى قرارات تنظيمية تمس إيقاع الحياة العامة. ويأتى قرار الإغلاق فى التاسعة مساء ليضع هذا القطاع أمام واقع جديد يفرض تحديات واضحة، ويطرح فى الوقت نفسه تساؤلات حول قدرة الصناعة على التكيف دون أن تفقد جزءًا من حيويتها الاقتصادية والثقافية.


لطالما شكلت الفترة المسائية المتأخرة ذروة النشاط السينمائى؛ حيث يزداد الإقبال بعد انتهاء يوم العمل والدراسة. ومع تقليص هذه النافذة الزمنية، تتراجع عدد الحفلات اليومية، ما يؤدى إلى انخفاض الطاقة الاستيعابية لدور العرض. ولا يقتصر الأمر على الأعداد فقط، بل يمتد إلى طبيعة الجمهور نفسه، إذ تصبح فئات واسعة أقل قدرة على حضور العروض فى توقيتات مبكرة، خاصة فى المدن ذات الإيقاع السريع.


هذا التغير ينعكس بشكل مباشر على الإيرادات، وهو ما يمثل عنصرًا حاسمًا فى صناعة تعتمد بدرجة كبيرة على شباك التذاكر. فالمعادلة الاقتصادية التى يقوم عليها الإنتاج السينمائى تفترض دورة عرض مستقرة تسمح باسترداد التكاليف وتحقيق هامش ربح. ومع تراجع العوائد، قد يلجأ المنتجون إلى تقليص الميزانيات أو تأجيل بعض المشاريع، خصوصًا تلك التى تعتمد على استثمارات كبيرة.


فى السياق ذاته، تواجه دور العرض تحديًا إضافيًا يتمثل فى إعادة ترتيب أولوياتها. ففى ظل وقت عرض محدود، يصبح التركيز أكبر على الأفلام ذات الجماهيرية الواسعة، القادرة على تحقيق إيرادات سريعة، ما قد يقلل من فرص عرض الأعمال المستقلة أو التجريبية. ويؤدى ذلك إلى تضييق مساحة التنوع الفنى، وهو عنصر أساسى فى تطور الصناعة واستدامتها.


على جانب آخر، يتغير سلوك الجمهور تدريجيًا. فمع تقلص الخيارات الزمنية، قد يتجه جزء من المشاهدين إلى المنصات الرقمية التى توفر مرونة أكبر فى اختيار وقت المشاهدة. ورغم أن هذا التحول يعكس تطورًا فى أنماط الاستهلاك، فإنه يضع دور العرض أمام منافسة أكثر تعقيدًا، خاصة إذا لم تتمكن من تقديم تجربة متميزة تدفع الجمهور إلى الخروج من منازلهم.


ومع ذلك، لا يعنى هذا المشهد بالضرورة تراجعًا حتميًا، بل يمكن النظر إليه كحافز لإعادة التفكير فى آليات العمل داخل القطاع. فالتكيف مع الإغلاق المبكر قد يفتح الباب أمام حلول مبتكرة تعيد توزيع النشاط السينمائى وتحدّ من الخسائر المحتملة.


من بين هذه الحلول، إعادة هيكلة جداول العرض بما يحقق أقصى استفادة من الساعات المتاحة، من خلال تكثيف العروض النهارية والمسائية المبكرة. ويمكن دعم ذلك عبر سياسات تسعير مرنة، مثل تقديم تخفيضات فى أوقات الذروة البديلة، أو إطلاق عروض مخصصة لفئات بعينها كالعائلات والطلاب.


كما تبرز أهمية تطوير تجربة المشاهدة داخل دور العرض، بحيث تصبح أكثر جذبًا مقارنة بالبدائل المنزلية. ويشمل ذلك تحسين جودة العرض والصوت، وتقديم خدمات إضافية تعزز من القيمة الترفيهية، بما يجعل الذهاب إلى السينما تجربة متكاملة لا تقتصر على مشاهدة الفيلم فقط.


ومن التوصيات المهمة أيضا، تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بالصناعة، سواء من خلال الغرف التجارية أو النقابات، بهدف وضع آليات دعم مرحلية تساعد على امتصاص الصدمة الاقتصادية. وقد تتضمن هذه الآليات حوافز ضريبية مؤقتة، أو تسهيلات تشغيلية لدور العرض، بما يضمن استمرارها فى ظل الظروف الجديدة.


إلى جانب ذلك، يمكن استكشاف نماذج عرض بديلة، مثل تنظيم فعاليات سينمائية خاصة أو عروض مرتبطة بنقاشات ولقاءات مع صناع الأفلام، وهو ما يخلق قيمة مضافة ويعزز من ارتباط الجمهور بالسينما كفضاء ثقافى حى.


كما يظل من المهم دراسة إمكانية تطبيق قدر من المرونة فى تنفيذ القرار بالنسبة لبعض الأنشطة الثقافية، وفق ضوابط محددة، بما يحقق التوازن بين أهداف التنظيم وخصوصية هذا القطاع الحيوى.


فى النهاية، يفرض الإغلاق فى التاسعة مساءً واقعًا جديدًا يعيد تشكيل قواعد اللعبة داخل صناعة السينما. وبين احتمالات التراجع وفرص التكيف، تبقى قدرة الأطراف المعنية على الابتكار والتعاون هى العامل الحاسم فى تحديد المسار. فالسينما، التى اعتادت مواجهة التحديات عبر تاريخها، قد تجد فى هذا الظرف دافعًا لإعادة تعريف نفسها، بما يضمن استمرارها كصناعة وكقيمة ثقافية فى آن واحد.


أن استدامة صناعة السينما تتطلب حوارًا مستمرًا بين صناع القرار وأطراف الصناعة، من أجل الوصول إلى حلول عملية تضمن استمرار هذا القطاع الحيوى. وبين التحدى والفرصة، تبقى القدرة على التكيف والابتكار هى العامل الحاسم فى تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات