طباخو السكر ماتوا - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 16 سبتمبر 2019 7:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



طباخو السكر ماتوا

نشر فى : السبت 31 ديسمبر 2016 - 10:30 م | آخر تحديث : السبت 31 ديسمبر 2016 - 10:30 م

فى القرون الوسطى، كان للسكر دار فى الفسطاط، يقال لها بيت الكند. وهو ما يعكس اهتمام الحكام بتحقيق الاكتفاء المحلى والتصدير، منذ ولاية عمرو بن العاص وفى العصور التالية أيام الدولة الطولونية والأيوبية والفاطمية والمملوكية. وحتى مع تحول طرق التجارة فى القرن الخامس عشر إلى رأس الرجاء الصالح، استمرت مصر القديمة فى تصدير السكر والمنسوجات إلى إقليم البحر المتوسط والبحر الأحمر وإفريقيا، فقد تحول السكر من سلعة ترفيهية باهظة الثمن، يصعب الحصول عليها قبل القرن السادس عشر إلى مادة أساسية تحتل مكانها على موائد الناس جميعا. وظل الوضع على هذا النحو حتى نهاية القرن الثامن عشر، إذ تأثرت بعدها صادرات مصر بمنافسة السكر المنتج فى الأمريكيتين وتخلف أدوات الإنتاج.
وكلما قرأت فى الصحف عن أزمة السكر الحالية ووجود فجوة قدرها 900 ألف طن، بين إنتاجنا من سكر القصب والبنجر الذى بلغ هذا العام 2.2 مليون طن وبين الاستهلاك المحلى الذى يقدر بنحو 3.1 مليون طن، أسترجع تاريخ بيت الكند وسيرة طباخى السكر الذين عرفت بهم الفسطاط. أتخيل سوق الحلاويين بالقاهرة القديمة، الملاصق مباشرة لبوابة المتولى، وكيف كان السكريون يصنعون الحلوى على هيئة الحيوانات والطيور ويصبغونها بالألوان الطبيعية الزاهية ويعلقونها بالخيوط على أبواب محالهم لجذب الأطفال، لذا كانت تسمى هذه التماثيل بالعلاليق وأطلق فيما بعد على الحارة «السكرية»، حيث دارت أحداث ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة.

***

كتب المقريزى وابن دقماق وابن إياس وابن المتوج والقلقشندى تصف مطابخ السكر أو العاملين فى مصانعه، وتعدد بعضها أسماء التجار وكبار الملاك والسلاطين الذين اهتموا بقصب السكر فى مراحل إنتاجه المختلفة، بما يفيد بوجود نظام كامل وخطة اقتصادية شاملة وضعت من قبل الدولة التى أرادت تعظيم الفائدة لتعم على الجميع، فحققت اكتفاء ذاتيا وصدرت للخارج وفرضت الضرائب التى كانت تتغير وفقا للوضع العام، بل واستخدمت دخل السكر لشراء الأسلحة وتحصين الحدود.
بيت الكند شكل بالنسبة لى تجسيدا لهذا النظام المتكامل الذى يشمل مراحل الزراعة والتصنيع والتجارة، رمزا أخذت أنسج الخيوط من حوله، ففيه كانت تتم الصفقات والمعاملات التجارية الخاصة ببيع المحصول، على مستوى البلاد، والخاصة بوصوله إلى المعاصر والمصافى وإخضاعه لعمليات التكرير والطبخ التى أصبحت صنعة العديد من الأطباء والبقالين لأنها مربحة. كان يقع غربى دار البركة، وعرف باسم «الكند» أو«القند» نسبة لبلورات العسل التى كانت تخرج من قصب السكر فتسكب فى أوانٍ فخارية دون تكرير، فالقصب كان المصدر الأساسى للسكر وكان يزرع فى أماكن متفرقة من البلاد مثل الصعيد والفيوم وبولاق وفوه والفسطاط التى شملت أيضا نحو سبعين مطبخا للسكر عام 1325 ميلاديا. ومن فرط اهتمام الدولة بقصب السكر أفردت له فندقا بالفسطاط كذلك، إلى جوار دار الرومان، ليكون مخزنا ومركزا للبيع، يأتى إليه المزارعون وتجار القطاعى وأصحاب المعاصر، من كل حدب وصوب، لتبادل المنافع والخبرات.
***

بدأ أمراء المماليك يسيطرون أكثر فأكثر على مفاصل صناعة السكر ومنهم عز الدين أيبك وبشتاك. بالغوا فى فرض الضرائب وفى مظاهر الاحتكار، كما تعاظمت المنافسة والضغوطات، ما دفع المشتغلين بالسكر إلى الهرب. اعتلت السياسة فأغلقت مطابخ السكر بالفسطاط حتى تناقص العدد فى نهاية القرن الرابع عشر، إلى 19 بدلا من 70، وترك الكثير من اليهود صناعة شراب السكر والعصائر التى اشتهروا بها. وهذا طبيعى وينطلى على كل العصور: سوء إدارة وسياسة متخبطة تؤدى إلى هبوط فى معدلات الإنتاج وهروب المزارعين والصناع، حتى لو كان الموضوع يتعلق بالسكر النبات. دار الكند لم تعد موجودة، ولم يعد لها أثر ولا أطلال نبكى عليها ونتمنى أن يرجع بنا الزمن إلى العصور الوسطى، فقد كان الوضع أفضل مما هو عليه. لم تعد هناك الشراب خانة التى كانت تحفظ فيها أدوات الشراب النفيسة والحلوى والسكر والفواكه والأدوية والعقاقير الطبية، والتى ألحق بها بيت للأزيار وبالوعة ورفوف ومخازن مغلقة، بل سرقت المخازن عبر العصور، وصرنا ندور فى دوائر مغلقة.

التعليقات