نشر موقع درج مقالا للكاتبة هلا نهاد نصرالدين، تشير فيه إلى أن صعود الصين كلاعب يتبنى خطاب «القانون الدولى» ليس من منطلق قيمى أو حقوقى، بل كأداة استراتيجية لملء الفراغ الناتج عن الانكفاء الأمريكى والعجز الأوروبى. بالتالى تتساءل الكاتبة إذا كان العالم أمام تحول حقيقى فى قيادة النظام الدولى، أم أننا مجرد شهود على جولة جديدة من صراع القوى الكبرى تُستخدم فيها الشعارات القانونية لتغطية المصالح الجيوسياسية؟.. نعرض من المقال ما يلى:
منذ حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة ولبنان، والحرب الروسية على أوكرانيا، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من انسحاب من اتفاقيات المناخ والصحة، وتجميد تمويل «الأونروا» وتقليص لبرامج المساعدات حول العالم، وجد العالم نفسه أمام قوة أحادية عدوانية لا تتردّد فى الدوس على قواعد وقيم كثيرة روّجت هى نفسها لها لعقود.
فى المقابل، كانت أوروبا، التى قدّمت نفسها طويلًا كحامية للقانون الدولى وحقوق الإنسان، تغرق تدريجيًا فى العجز، إلى أن وصلت أخيراً إلى ما يشبه الشلل السياسى والأخلاقى. «الحضيض» الأوروبى أتاح لقوة كالولايات المتحدة الأمريكية السيطرة والتصرف بعنجهية، ضاربة بعرض الحائط الاتفاقيات والقوانين الدولية إلى الحدّ الذى قال فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب صراحة إنه لا يحتاج إلى القانون الدولى، وإن ما يقيّده فقط هو «أخلاقه».
فى هذا المشهد، تظهر الصين، الدولة التى تجنبت لعقود الانخراط فى معارك عسكرية خارج حدودها، كأحد أعلى الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وتدين انتهاك سيادة الدول، وتدعو إلى وقف فورى لإطلاق النار والعودة إلى التفاوض. فهل بات على العالم أن يراهن على بكين عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن القانون الدولى؟
تزامن الموقف الصينى «المسالم» مع إعلان بكين خفض هدف نموها إلى ما بين 4.5 و5 فى المائة، وهو أدنى نطاق نمو تستهدفه منذ عقود. فالصين، أكبر مستورد للنفط فى العالم، تشترى أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا من الخام، يأتى نحو نصفها من الشرق الأوسط، أى فى حدود 4.5 ــ 5 ملايين برميل تمرّ بمعظمها عبر مضيق هرمز. كما تعدّ الصين أكبر مستورد عالمى للغاز الطبيعى المسال، ويأتى نحو ثلث وارداتها تقريبًا من الشرق الأوسط، من قطر والإمارات خصوصًا، عبر المسار نفسه. فى عالم كهذا، يبدو أن استقرار أسواق الطاقة وخطوط التجارة أهم للصين من خوض حروب، حتى عندما ترفع شعار الدفاع عن القانون الدولى.
سجل الصين الحافل
على الرغم من أن الصين ترفع اليوم شعار التمسّك بالقانون الدولى، لا يجب أن ننسى أن الصين من أسوأ الدول فيما يتعلق بحرية الصحافة، والديمقراطية، وحقوق الأقليات. هذا السجل الحقوقى الثقيل لا يتيح لها أن تقدّم نفسها بجدّية كمدافع عن حقوق الإنسان، مهما علا خطابها القانونى فى المحافل الدولية.
فمثلًا فى عام 2025 تراجع مؤشر حرية الصحافة فى الصين بشكل ملحوظ إلى 14.8 نقطة. بحيث أتت الصين فى آخر الترتيب، فى المرتبة 178 بعد إيران وسوريا من أصل 180 دولة مشمولة فى المؤشر.
من جهة أخرى، تحصل الصين على درجة 2.3 من 10 فى مؤشر «الأمان من تعسّف الدولة»، ما يعنى أن عددًا كبيرًا من الناس غير آمنين من واحد أو أكثر من الانتهاكات التالية: الاعتقال التعسفى، التعذيب وسوء المعاملة، الإخفاء القسرى، عقوبة الإعدام أو القتل خارج نطاق القانون. وتحصل الصين على درجة 1.9 من 10 فى مؤشر «التمكين»، ما يشير إلى أن عددًا كبيرًا من السكان لا يتمتعون بحرياتهم المدنية والسياسية، بما فى ذلك حرية التعبير، وحرية التجمّع وتكوين الجمعيات، والحقوق الديمقراطية، وحرية الدين والمعتقد، بحسب Human Rights Measurement Initiative (HRMI).
ومع ذلك، فإن بكين، بخلاف واشنطن، تجنّبت حتى اليوم خوض حروب كبرى خارج محيطها، وفضّلت توظيف قوتها الاقتصادية والدبلوماسية بدل العسكرية. هذه «السلمية النسبية» تمنح خطابها عن احترام السيادة ورفض الحروب الخارجية بعض الجاذبية. علمًا أنّ الصين، حتى اليوم، وفى أشدّ أزماتها الإقليمية مثل نزاع بحر الصين الجنوبى، لم تذهب إلى حرب مفتوحة، بخلاف ما توقّعه كثر من المحلّلين خلال السنوات الماضية. اكتفت بكين بالاصطدامات المحدودة مع فيتنام والفيليبين، ولكن من دون تجاوز عتبة الصدام العسكرى الشامل أو الاشتباك المباشر مع القوات الأمريكية المنتشرة فى المنطقة.
إذا استندنا إلى المدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية، فهناك تفسير أقل رومانسية لهذا المشهد. فالقانون الدولى، فى نظر الواقعيين، ليس منظومة قيمية محايدة، بل انعكاسا لتوازنات القوة بين الدول الكبرى، وأداة فى يد الأقوى لتعزيز مصالحه أو تقييد خصومه حين يلزم. بهذا المعنى، لا تصبح الصين «ضمير» القانون الدولى، بل قوة صاعدة توظّف لغة القانون والميثاق الأممى فى صراعها البارد مع واشنطن، مستفيدة من عجز أوروبا.
هكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة كبيرة: فى عالم يتراجع فيه وزن أوروبا، وتستنزف فيه الولايات المتحدة فائض قوتها، تبدو بكين، بكل تناقضاتها وعيوبها، أكثر قدرة على رفع صوتها باسم القانون الدولى وسيادة الدول، لا لأنها أكثر عدلًا، بل لأنها أشدّ حاجة إلى استقرار نظام تريد إعادة تشكيله بما يخدم مصالحها. فهل نحن فعلًا أمام لحظة تتحوّل فيها بكين إلى «بوصلة» للقانون الدولى، أم أمام مشهد جديد تُستَخدم فيه اللغة القانونية كسلاح إضافى فى منافسة القوى الكبرى، لا أكثر؟
ترامب كرمز لتآكل منظومة القيم
اليوم، فى الحرب الإسرائيلية ــ الأمريكية على إيران، وبغضّ النظر عن موقفنا من أىٍّ من الطرفين، يبقى أن الاعتداء العسكرى جاء من الجانب الإسرائيلى، الذى أقرّ بأنه نسّق مع الولايات المتحدة وخطّط مسبقًا لبدء الهجوم، ضاربًا بعرض الحائط مسار المفاوضات الذى كان يبدو حتى عشيّة الضربات الإسرائيلية على إيران أنّه يسير فى اتجاه إيجابى ولو بشكل محدود.
مع صعود ترامب، لم يعد الأمر يتعلق برئيس مختلف فى الأسلوب فقط، بل بنسف منهجى لجزء من البنية التى قامت عليها «المنظومة الليبرالية» الغربية. فرض ترامب ضرائب ورسومًا جمركية عقابية، انسحب من اتفاقية باريس للمناخ ومن منظمة الصحة العالمية، قلص برامج المساعدات، وانسحب من «الأونروا» وغيرها.
فى مواجهة هذه التحوّلات، بدت أوروبا أضعف من أن تفرض رؤيتها أو حتى أن تحمى خطابها عن القانون الدولى. ومع تراجع وزنها العسكرى، انحصر الردّ الأوروبى فى بيانات «القلق» و«الإدانة» و«الدعوة إلى ضبط النفس». فى هذا السياق، يمكن قراءة تحوّل خطاب الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، من الدفاع عن «السيادة الأوروبية» فى دافوس فى وجه ابتزاز الرسوم والهيمنة ورفض ما سمّاه «الاستعمار الجديد»، إلى حديث أكثر صراحة عن تطوير القدرات النووية بدون التصريح عنها كلغة وحيدة يفهمها عالم تحكمه اليوم عقلية دونالد ترامب. أما الخطاب الأكثر حدّة فى دافوس فكان لرئيس الوزراء الكندى مارك كارنى، حين قال إننا «لا نعيش مرحلة انتقال بل لحظة انكسار»، وإن «النوستالجيا ليست استراتيجية»، مؤكّدًا أن «النظام القائم على التكامل» تحوّل إلى أداة تبعية، وأن القوى المتوسطة إن لم تكن «على الطاولة» فستجد نفسها «على قائمة الطعام».