ضرورة بناء قدرات محلية - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الأربعاء 18 مارس 2026 10:55 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

ضرورة بناء قدرات محلية

نشر فى : الثلاثاء 17 مارس 2026 - 6:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 17 مارس 2026 - 6:00 م


تدفعنا الحوادث الكبرى، التى تؤثر علينا بصورة مباشرة وغير مباشرة على المدى القصير والمتوسط والبعيد، إلى إعادة التفكير فى وضعنا فى مصر، وفى تفاصيل عديدة فيه تؤثر على حياة كل إنسان يعيش على هذه الأرض الطيبة. قبل أزمة حرب إيران، كنت أحضر منذ أسابيع قليلة مؤتمرًا (هكذا تم الإعلان عن الحدث) يتناول مستقبل الطاقة فى مصر، وتنظمه بعثة الاتحاد الأوروبى. كان المؤتمر يشتمل على عدة جلسات، بين كل جلسة وأخرى توقف صغير للراحة، ثم توقف للغداء.
كان مكان «المؤتمر» رائعًا فى حديقة قصر محمد علي، كما كان الطعام بمستوى ممتاز فى الحقيقة، لكن لم يكن هناك فى أى جلسة حضرتها (حضرت ثلاث جلسات عدا الجلسة الافتتاحية) وقت مخصص للنقاش والأسئلة، خاصة أن ما كان يُعرض علينا يتطلب الكثير من النقاش. بدا لى بوضوح أن «المؤتمر» ما هو إلا ترويج للمشروعات والشركات التى يدعمها الاتحاد الأوروبى، والتى تصب أساسًا فى مصلحته، ولا تلتفت بالقدر الكافى إلى المصلحة المصرية (أو هكذا بدا لى)، ولا بالطبع إلى إشراك المؤسسات البحثية المصرية، خاصة ونحن نتحدث عن الطاقة المتجددة، وهو حقل يستند أساسًا إلى الابتكارات الحديثة.
من الطبيعى أن تهتم أوروبا بمصلحتها، خاصة أنها تنفق الكثير من الأموال، وهناك من سيسألها عن أوجه الإنفاق. لكن ماذا عنا؟ ولماذا يكتفى المسئولون لدينا باتباع ما تقوم به «الدول المتقدمة»، حتى وإن لم يصب فى مصلحتنا عندما نقوم بتحليل ذلك برؤية وحكمة؟ ليست لدى إجابة واضحة لهذا السؤال، وأتمنى فى الحقيقة أن تجمعنا نحن المهتمين بمستقبل مستدام لمصر والمسئولين المصريين لنناقش بصراحة مخاوفنا ومقترحاتنا أيضًا. فى النهاية، ولأن اليوم كان محبطًا لى، بالرغم مما تبعثه رؤية الأشجار والنباتات الرائعة فى الحديقة، اضطررت إلى المغادرة قبل الجلسة الأخيرة.
• • •
أقوم منذ عدة سنوات بمجهودات فى إطار ما أسميه «المختبر الافتراضى للبحث والتجريب»، لبناء سرديات محلية تسمح لنا بفهم الوضع المحلى فى مناطق مختلفة من مصر بصورة أفضل، تمكننا من البناء عليها لتطوير استجابات منخفضة التكلفة ومنخفضة التقنية لكارثتى التغير المناخى وتدهور التنوع الطبيعي، وذلك باستخدام الموارد المتاحة حتى تكون تلك الاستجابات مستدامة. أصدرنا العام الماضى كتاب «سردية ميت رهينة»، وخلال هذا الشهر سنصدر كتاب «سردية برج رشيد»، ونتمنى أن نقوم فى بداية العام القادم بإصدار الكتاب الثالث عن «سردية القصير».
تمكننا تلك السرديات المحلية من فهم أهمية المكان كمنظومة اجتماعية-أيكولوجية، ترتبط فيها حياة الناس بجودة البيئة الطبيعية وحياتها، وتظهر بوضوح أهمية القيام بتحرك عاجل للتحول من تلك المنظومة الهشة والمعرضة للخطر إلى منظومة متجددة تسمح لكل سكان المكان، من بشر وكائنات أخرى، بالبقاء فيه لعقود أخرى قادمة، لأنه ببساطة لا يوجد مكان يفرّون إليه. وربما تذكرنا حادثة غرق مركب المهاجرين بطريقة غير رسمية، التى انطلقت من برج رشيد فى سبتمبر 2016، بهذا الواقع.
تذكرنا تلك السرديات أيضًا بالفجوة الكبيرة بين ما هو قائم ومتاح، وما هو مطلوب فى أقرب وقت ممكن؛ وهو ما يتطلب البناء عليها وتحويلها إلى فعل، عبر العديد من الابتكارات التى ليست تقنية فقط، بل لها جانب اجتماعى مهم، ومن المهم تمكيننا من تجربتها حتى نتمكن من الاختبار والتعميم فى أقرب وقت. ويتطلب هذا أن تتوافر رؤية لا ينبغى لها أن تكون فردية أو خاصة بمجموعة من الخبراء، بل أن تتبناها تلك المجتمعات نفسها، وهو ما يتطلب نقاشًا عامًا، كما يتطلب شجاعة وفهمًا لا مفر منهما.
إن بناء السرديات المحلية التى تعتمد على المعارف المركبة، سواء الإنسانية أو العلمية المتقدمة، تمكننا من الارتباط بعالمنا الطبيعى المباشر بصورة أفضل، وهو المفتاح الأهم لمواجهة التحديات والكوارث العديدة التى تواجهنا. كما أنها تمثل أحد طرق مواجهة انتشار الاستهلاك الكثيف للموارد الطبيعية المحدودة، التى بلغت من الخطورة درجة تهدد وجودنا ذاته. ومن المهم أيضًا أنها تمكننا من التضامن بصورة عملية وواقعية مع المجتمعات المحلية الأخرى التى تواجه تحديات كبرى الآن وفى المستقبل، لتوفير حياة طيبة للجميع.
• • •
تكشف الأزمات والكوارث مدى حاجتنا إلى قدرات تمكننا من الخطو فى هذا الأفق المليء بالضباب، الذى لا نكاد نرى معه أين نسير أو أين نضع خطواتنا التالية، وتأخذ بأيدينا إلى طريق النجاة والبقاء؛ وأحد الأركان الرئيسية لبناء هذه القدرات هو دعم القدرة على الابتكار.
فى ورقة صدرت منذ سنوات قليلة من معهد التخطيط القومى، كتبها د. هشام هدارة بعنوان «سياسات التكنولوجيا والابتكار فى مصر»، خلصت الورقة إلى أن مصر «ليس لديها سياسة وطنية للابتكار والتكنولوجيا». ويشير الكاتب إلى أن اكتمال «دورة الابتكار بتحويل مخرجات البحث والتطوير إلى منتجات أو خدمات تمثل قيمة مضافة للاقتصاد فى مصر يحتاج إلى تعديل بعض السياسات واستحداث أخرى جديدة، حتى لا تضيع مخرجات البحث والتطوير فيما يسمى وادى الموت، الذى يعبر عن المرحلة ما بين البحث والتطوير وبين اكتمال عملية الابتكار بنجاح، بخروج منتجات مبنية على نتائج البحث والتطوير إلى السوق».
تقترح الورقة وضع آليات للتعاون والتكامل بين المعامل البحثية فى الجامعات وبين المراكز البحثية الحكومية، فى إطار خارطة طريق وخطط واضحة ومعلنة للبحث العلمى فى مصر. كما تطالب بزيادة حجم التمويل للبحث العلمي، والتركيز على المشروعات المشتركة مع الصناعة فى إطار خطة الدولة. وللتصدى لنزيف العقول المصرية تقترح الدراسة: دعم وتمويل عودة الخبرات المصرية من الخارج للعمل بالشركات والجامعات والمعاهد البحثية المصرية، ولو لفترات قصيرة. وللورقة مقترحات جادة أخرى لتشجيع البحث والباحثين أيضًا فى الشركات الصناعية.

وتختتم الورقة بتوصية هامة:
«يجب إعادة تعريف دور الجامعات والمراكز البحثية لتصبح مراكز لنقل العلم والمعرفة والتكنولوجيا إلى المجتمع وقطاعات الإنتاج والخدمات والشركات التكنولوجية الناشئة. فالجامعات ومراكز البحوث والعاملون بها يمثلون جيش المعرفة الذى يخوض معركة الابتكار جنبًا إلى جنب مع الصناعة، ولذا يجب إعادة النظر فى القوانين المنظمة للجامعات والمراكز البحثية وقواعد ترقيات الباحثين وأعضاء هيئات التدريس، بحيث تعمل على تعبئة وتوجيه وتهيئة هذا الجيش. كما يتعين محاسبة إدارات هذه المؤسسات والعاملين بها على مدى نجاحهم فى نقل العلم والتكنولوجيا إلى المجتمع، فى صورة رخص براءات اختراع وتكنولوجيات جديدة، وعلى الأثر التنموى الناتج عن ذلك».
• • •
نحتاج أيضًا إلى التعلم من الدول القريبة من ظروفنا مثل الهند، خاصة فى مجال الزراعة المتجددة. ومع كامل احترامى لمجهودات منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة (والتى نحتاج بالتأكيد إلى مناقشة دورها، هى والعديد من المنظمات الدولية المهتمة بالطعام والعاملة فى مصر)، فإننا نحتاج إلى التعلم من تجارب الهند أكثر لإعادة بناء التربة الزراعية بصورة تمكنها من أن يكون لها محتوى أكبر من المواد العضوية، وتقليل استخدام الأسمدة، ودمج النباتات البرية فى الزراعة، وهو ما يقوم به حوالى مليون مزارع هندى فى إطار هذا التحول الهام.
أعرف أيضًا وأسمع عن المخاوف التى تثيرها تلك القدرات الناشئة والابتكارات على أعمال الشركات المستأثرة بالأعمال الحالية، سواء فى معالجة الصرف أو توليد الطاقة، لكن يجب علينا التعامل مع ذلك فى إطار المصلحة العامة والاحتياجات الطارئة والضرورية، وتبنى روح جديدة للتعاون بين الجديد المبتكر وبين القائم، والذى لا أشك أنه فى النهاية سيكون فى مصلحة الجميع.

أستاذ العمارة بجامعة القاهرة

التعليقات