على أومليل والأفكار المهاجرة من الغرب إلى الشرق - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 23 فبراير 2026 1:38 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

على أومليل والأفكار المهاجرة من الغرب إلى الشرق

نشر فى : السبت 21 فبراير 2026 - 5:15 م | آخر تحديث : السبت 21 فبراير 2026 - 5:15 م

إشكالية التفاعل الحضارى بين الأمم والشعوب لا تزال فى مقدمة الإشكاليات المعلقة والمؤجلة فى الفكر العربى المعاصر والحديث منذ بدايات عصر النهضة إلى الآن، فهل يشكل اقتباس حضارة الآخر وأفكاره السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية إسهاما فى حركة التقدم والتحديث من أجل مواكبة التطور الإنساني، أم إنه كناية عن غزو ثقافى يؤول إلى تدمير التراث والإجهاز على قيمه لمصلحة ثقافة الآخر؟ هل الأفكار الواردة هى إنجازات إنسانية شاملة يجب تبنيها والأخذ بها أم إنها لصيقة بالبيئة التى أنتجتها، وتندرج فى سياق خدمة هذه البيئة ومصالحها الخصوصية؟


على خلفية هذه المقدمات والأسئلة يطرح المفكر المغربى على أومليل هذه الإشكالية من جديد فى كتابه «أفكار مهاجرة من الغرب إلى الشرق» ــ الصادر فى طبعته الثانية (2025) عن مركز دراسات الوحدة العربية. فالأفكار فى رأيه تهاجر كالبشر، تتحول كما يتحولون بفعل الهجرة، تتلون ببيئة الاستقبال، فتقرأ قراءة أخرى وتضفى عليها معانى ومقاصد غير تلك التى كانت لها فى بيئتها الأصلية، حتى إذا ما نقلت إلى حقل دلالى آخر قرئت قراءة لا تعيد بالضرورة إنتاج معناها الأصلى المطابق.


الأفكار المهاجرة التى يعرض لها الكتاب هاجرت فى القديم، كما فى العصر الحديث، من الغرب إلى الشرق. هاجرت من اليونان قديمًا، كما هاجرت من أوروبا فى العصر الحديث، غير أن الأفكار الأوروبية الحديثة هاجرت فى ركاب الغزو الأوروبى لبلدان الشرق. لا بد من التسليم بتفوقها لأن ثمة قناعة عند متلقيها بأنها هى التى مكنت الغرب من التفوق العسكرى والسياسى والاقتصادى، الأمر الذى أورث ازدواجية فى الموقف من الغرب، إذ هو من وجه عراب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن وجهة أخرى غرب الاستعمار الذى نهب المستعمرات وأخرج أهاليها من أهلية استحقاق الحرية والحقوق الإنسانية.


أفكار الغرب الواردة من موقع تفوقه ليست ظاهرة حديثة، وفق المؤلف، فقد استقبلت فلسفة اليونان وعلومهم من موقع التسليم بالتفوق الفلسفى والعلمى لأصحابها. لكن الفكر اليونانى نقل مجردًا من سياقه التاريخى. فكتابات أفلاطون وأرسطو السياسية تحيل إلى أحداث من تاريخ المدن اليونانية، وفلاسفتنا القدامى لم يكونوا يعرفون هذا التاريخ، لأن كتب المؤرخين اليونان لم تترجم إلى العربية مثلما ترجمت كتب الفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعيات والفلك وغيرها. لذلك فإن ما عرفوه من فكر سياسى يونانى تحدثوا عنه منتزعًا من أصالته التاريخية والسياسية، فآلت سياسة فلاسفتنا إلى فلسفة سياسية ميتافيزيقية لا علاقة لها بالفكر السياسى ولا بعلم السياسة.


• • •
بالمقارنة بين استقبال أفكار الغرب فى شرقنا نحن، واستقبالها فى الشرق البعيد لدى الصينيين واليابانيين، رأى المؤلف أن ثمة تماثلات لدينا ولديهم، لجهة تعدد المواقف من الغرب بين الرفض والقبول والتوفيق، لكن ثمة اختلافات بيننا وبينهم، أولها موقع الدين، الذى هو جوهرى عندنا، بينما هو عندهم تعاليم أخلاقية. أما الإصلاح فحضارى وليس مناطه المسألة الدينية كما هو عندنا. فضلا عن ذلك فإن الدولة عريقة هناك، ولديهم وعى بوحدة الأمة وتطابقها والدولة، الأمر الذى لم يحصل فى أغلب البلدان العربية حيث الأمة أوسع من أية دولة قائمة.


وإذ عرض المؤلف لفكرة الفردانية التى هاجرت إلينا من الغرب، رأى أن ثمة مرجعية تاريخية وثقافية معينة لبزوغ مفهوم «الفرد» فى الغرب الحديث، فهو عنوان الحداثة السياسية ومبدأ المساواة المواطنية عندهم. بينما استقبل عندنا استقبالا ملتبسا، إذ إن الإنسان فى مجتمعاتنا التقليدية ليس له وجود كفرد، بل هويته الطائفية أو الدينية أو العرقية متقدمة على وجوده الفردى.


ومن الأفكار التى هاجرت إلينا من الغرب فكرة «التقدم» التى هى إطار فكرى لتصور مسار الزمان، وأنه يسير نحو التقدم، وهى تفكير بثنائية التقدم/ التأخر أو التمدن/ الانحطاط بحسب اصطلاح مفكرى النهضة. وفى ركاب هذا التفكير فى ثنائية التقدم والتأخر، تكونت الحاجة إلى اختزال الزمان لتدارك الزمن الضائع لإنجاز التقدم، وأن هذه العملية لا بد لها من مستبد مستنير.


هذه الفكرة التى وردت إلينا من عصر الأنوار، ولو أنها تخالف مبادئه فى الحرية وسيادة الأمة، أخذ بها بعض مفكرينا الإصلاحيين مثل جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده ورشيد رضا، فقد انتظروا ظهور «المستبد العادل» لتحقيق الإصلاح الشامل وطى التأخر والفوات الحضارى.


كما عقد المؤلف فصلًا عن نظرة الغرب إلى ذاته، فأحل نفسه فى مركز التاريخ، معتدًا بامتيازه التاريخى، وتقدمه الشامل، وبأنه مبتكر الديمقراطية والدستور المكتوب والعلم بمعناه الدقيق. وقد نظر ماكس فيبر لهذه الصورة التى عبرت عن واقع الغرب فى عصره؛ حيث كان يستعمر معظم بلدان إفريقيا وآسيا، ويتحكم فى التجارة العالمية وطرق المواصلات، ويمتلك وحده الثقافة المتقدمة والسلاح.


فكرة الشعب من أين أتت؟


لكن الغرب اليوم لم يعد مطمئنًا إلى حاضره، ولا واثقا من مستقبله، وأضحى قلقًا من نهاية قيادته للعالم، مع أن من الغربيين من لا يزال على قناعة بتفوق ثقافته وقيمها. ومن الأفكار التى هاجرت إلينا من الغرب فكرة «الشعب» ككتلة موحدة وكفاعل سياسى كلى. صورة الشعب هذه نجدها عند روسو ولامرتين، ولكن حين يصبح الشعب معترفًا له بالسيادة يتغير موقف نخبنا منه، إذ ينكشف الشعب الواحد المريد عن شتات متعدد تتصارع مذاهبه وطوائفه وقبائله وعشائره. فالنخب التى كانت تحسن الظن به، لا يلبث أن يخيب ظنها وهى ترى صناديق الاقتراع تفرز أغلبية لا تعنيها قيم النخبة ولا شعاراتها الحداثية كالحرية والكرامة والدولة المدنية، وما ذلك إلا لأن «الشعبوية» وهم معرفى وحاضنة استبداد محتمل، وهى تخلط بين الشعب كبطل جماعى وبين الشعب كواقع سوسيولوجى. أما أساس الإشكال ففى أن التعددية الديمقراطية بمفهومها الحديث، هى تعددية سياسية وليست دينية. وليس من الموضوعى ولا التاريخى رد المفاهيم الحديثة إلى التراث، إذ ثمة اختلافات جوهرية بينها وبينه. فلا أحد يستطيع أن يثبت أن الحريات السياسية والمدنية قد أقرت فى يوم من أيام تاريخنا قانونا وممارسة. فلا بد من تشريع الديمقراطية فى الدساتير والقوانين وترسيخها فى التربية والعقليات.


وهكذا فإن الديمقراطية التى يمكن إحلالها فى مقدمة الأفكار التى هاجرت إلينا من الغرب قد أخضعت للتأويل وأعيدت قراءتها بشبكة ذهنية وبمقاصد أخرى غير التى لها فى الأصل، وهى لا ترادف الشورى فى تراثنا. فالشورى أمر إلهى للحاكم بأن يستشير أهل الحل والعقد، أما الديمقراطية بمعناها الغربى فلا تفترض حاكمًا ومحكومين، وتعتبر الانتخاب استشارة عامة يتساوى الجميع فى القيام بها فى مواقيت محددة.


لا يمكن أخيرا إلا أن نثنى على جهود المؤلف وتتبعه الرصين لتفاعل الفكر العربى مع أفكار الغرب وحضورها فى تراث هذا الفكر، القديم منه والحديث، وكيفية تلقى مفكرينا وفلاسفتنا لهذه الأفكار واستيعابهم لها. وقد برهن المؤلف على اطلاع واسع على فكر الغرب وثقافته فقدمهما إلى القارئ العربى بدقة ووضوح أحوج ما تكون إليهما ثقافتنا العربية التى تعانى من اختلاط المفاهيم والتباسها. إلا أننا فى المقابل نأخذ عليه قصور ومحدودية اطلاعه على فكرنا النهضوى وقراءته المتسرعة أو المجتزأة لهذا الفكر. من ذلك قوله: «لم تكن لمفكرينا النهضويين والإصلاحيين معرفة كافية بعصر الأنوار، بل من الصعب افتراض اطلاع هؤلاء على قيم هذا العصر وأفكاره، أو تتبع قنوات انتقالها إليهم». فلو كان الباحث على معرفة دقيقة بفكرنا النهضوى أو أقله بالدراسات الكلاسيكية المتداولة فى هذا الفكر، لكان قد تجنب مثل هذا الاستنتاج المتسرع؛ إذ إن انفتاح العرب على الحضارة الغربية يرجع إلى ما قبل عصر النهضة العربية.


كان هناك عدد كبير من الرحالة والمفكرين العرب الذين عاينوا حضارة الغرب عن كثب، من هؤلاء فرح أنطون وجبرائيل دلال ورزق الله حسون ومريانا مراش ثم شبلى الشميل وأمين الريحانى وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وكانوا يتقنون لغة أو أكثر من لغات الغرب. وقد قامت المدارس والجامعات التى أسسها المرسلون الأجانب واللبنانيون فى بيروت وحلب بدور كبير فى استيعاب فكر الغرب وقيمه؛ فمدرسة بطرس البستانى 1863 فى بيروت كانت تدرس عددًا من اللغات الأوروبية. فضلا عن ذلك أقامت فى بيروت وحلب جاليات غربية فى أحياء المسيحيين وتفاعلت معهم وكان لها أثر كبير فى توجههم الثقافى نحو الغرب. أما قول المؤلف إن المفكرين الإصلاحيين العرب لم يذهبوا فى نقدهم للظاهرة الدينية إلى المدى الذى ذهب إليه الأنواريون، فليس مطابقا للواقع؛ ذلك أن بعض المفكرين الإصلاحيين العرب كجبرائيل دلال ذهب فى نقده للفكر الدينى إلى حد الاستشهاد، وبعضهم كشبلى الشميل الداروينى بلغ حد الإلحاد التام. أما فرنسيس المراش فقد لاذ إلى الحماية الفرنسية اتقاء للهلاك لتصادمه الحاد مع الفكر الدوغماتى الدينى فى تفسير بعض الظاهرات العلمية بما يتناقض مع التفسير اللاهوتى. وليس صحيحا أيضا قول المؤلف، باستثناء إشارات لدى طه حسين، لا نجد من بين مفكرينا من كانت له رؤية متكاملة لفكر الأنوار. فقد تبنى فرنسيس المراش (1836 ــ 1874) هذا الفكر وأعاد صوغه على نحو عبقرى فى الفكر العربى الحديث، قبل طه حسين بما يقرب من نصف قرن.


كرم الحلو
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://bitly.cx/7lkVH

التعليقات