إن الخطوة التى يروّجها جادى أيزنكوت فى هذه الأيام تنضم إلى تقليد سياسى إسرائيلى قديم، إذ ينهض فى كل دورة انتخابية سياسى ما ليقترح تحالفًا كبيرًا يقدمه على أنه دواء سحرى. يجب أن نقول بصدق إن لهذه الخطوة سحرًا حقيقيًا، وهى لا تؤثر فقط فى أيزنكوت، أو فى أصحاب المبادرة، بل فى المنظومة كلها: فى المحللين والناشطين، وأساسًا فى جمهور متعب يبحث عن طريق مختصر. الفكرة البسيطة القائلة إنه «لو اتحدوا فقط، فسيبدو كل شىء مختلفًا»، تخلق شعورًا زائفًا بالارتياح، ووهمًا بأن قيام إطار كبير واحد سيدفع الجمهور إلى الخروج بأعداد هائلة للتصويت له، وكأن الحجم بحد ذاته سيحلّ محلّ الحاجة إلى عمل سياسى شاق، وإلى الإقناع وقيادة فكرة واضحة. لكن السياسة الإسرائيلية أثبتت، مرارًا، أن هذا السحر، مهما كان مغريًا، يتبدد عند لحظة الحقيقة.
الفكرة مغرية: حزب كبير، قوة انتخابية مركّزة، وإحساس بالزخم، لكن تاريخنا السياسى يعلّمنا، المرة تلو الأخرى، أن التحالفات الكبيرة لا تنتج بالضرورة نتائج كبيرة، ففى كثير من الأحيان، تنتج انفجارات كبيرة، والحجة المركزية المؤيدة للوحدة هى الرغبة فى أن نكون الحزب الأكبر، لكن هذا الهدف تكتيكى فقط، وليس استراتيجيًا. لقد شاهدنا هذا الفيلم سابقًا مع حزب «أزرق أبيض»، حين جرى تسويقه لنا على أنه اتحاد مهيب على الورق، لكنه كان يفتقر إلى عمق أيديولوجى مشترك، فتفككَ بضجيج كبير، وقاد إلى شلل سياسى وجولات انتخابات متكررة؛ الاستنتاج واضح: «الحجم ليس بديلًا من الاستقرار، ولا من الصدقية، ولا من اتجاه فكرى واضح».
من خلال خبرتى الطويلة فى السياسة، أستطيع القول إن التحالفات يمكن أن تنجح، لكن أساسًا عندما تكون بين أحزاب صغيرة تخشى اجتياز نسبة الحسم. هناك يكون التحالف أداة بقاء؛ أمّا التحالفات الواسعة بين كيانات كبيرة، مختلفة فى طابعها وجماهيرها، فهى تحمل فى داخلها بذور التفكك بشكل دائم تقريبًا، وكلما كان الاتحاد أكبر، كان الانفجار أكبر.
بهذا المعنى، يُعتبر التحالف المقترح اليوم تركيبًا سياسيًا شفافًا ومحاولة لصناعة القوة عبر الحسابات العددية، لا عبر الفكرة؛ عمليًا، هذا التحالف يمكن أن يُضعف المعسكر، بدلًا من أن يقويه؛ فهو يطمس الهويات، ويُبعد ناخبين محتمَلين، والأهم من ذلك، أنه يصرف المعارضة عن المعركة الأهم فعلًا، وهى المعركة على الخطاب العام.
لماذا لا يزال نتنياهو يحدد جدول الأعمال؟
هنا يكمن الفشل الاستراتيجى الأعمق للمعارضة: إنها لا تنجح فى منع بنيامين نتنياهو من الاستمرار فى قيادة جدول الأعمال، حتى عندما يُفترض أن يكون فى موقع دفاعى، وحتى عندما يُفترض أن تطارده الوقائع نفسها، يبقى هو مَن يحدد ما يجب الحديث عنه، وهو مَن يفرض جدول الأعمال، وهو مَن يجبر المعارضة على الرد، بدلًا من القيادة.
فالمشكلة ليست نقصًا فى القضايا، بل فى الانضباط والمثابرة. هناك مواضيع أكثر إيلامًا وخطورةً وإضعافًا لنتنياهو، وعلى المعارضة أن تثبت النقاش بشأنها، من دون تراجُع، أو انجراف وراء تشتيت الانتباه: تشكيل لجنة تحقيق رسمية فى أحداث 7 أكتوبر، قانون الإعفاء من التجنيد، كلّ موضوع من هذه المواضيع يمسّ بجوهر المسئولية والأخلاق والحكم الرشيد، وتشكل مجتمعةً صورة قاتمة لقيادة الدولة.
لكن هناك شرطًا أساسيًا للنجاح، وهو حاسم: الخطاب، فمهما كان حادًا حيال نتنياهو، يجب أن يحترم ناخبى اليمين والتقاليد وهويتهم. المعارضة التى تتحدث بازدراء، أو بتعالٍ، أو باحتقار، تجاه جمهور كامل، فهى تدفعه مجددًا إلى أحضان الائتلاف، ليس بدافع القناعة، بل بدافع الدفاع عن النفس، ومحاولة لتغطية العيوب.
إن المعركة ليست ضد اليمين، بل على اليمين الليبرالى، وعلى الجمهور الذى يؤمن بأمنٍ قوى، وبالتقاليد اليهودية، لكنه يشعر بالاشمئزاز من الفوضى، ومن الإعفاء من التجنيد، ومن طمس المعايير الأخلاقية، ومن التهرب من تحمّل المسئولية، هذا الجمهور لا يُقنَع بالكراهية، بل بمدّ اليد؛ ولا بإنكار هويته، بل بالاعتراف بها.
هنا يكمن الفارق بين معارضة عادلة ومعارضة منتصرة. المعركة الحقيقية ليست صراعًا شرسًا داخل المعسكر، بل على أربعة أو سبعة مقاعد موجودة فى الجهة الأُخرى - يمين ليبرالى، علمانى، وأجزاء من الصهيونية الدينية الليبرالية على غرار ما كانت عليه فى الماضى. فهذه الأصوات لا يمكن الحصول عليها عبر تحالفات تقنية، ولا عبر شعارات فارغة، بل من خلال قيادة خطاب شجاع، مركّز، ثابت، ومحترم. تفشل المعارضة لأنها تسمح لنتنياهو بقيادة الخطاب، وفى الوقت نفسه، لا تخاطب الجمهور الذى يجب أن تقنعه. وما دامت هذه المعارضة تجرى وراء التحالفات، بدلًا من السيطرة على جدول الأعمال العام، وتتخلى عن خطاب يمدّ يدًا صادقة، فإنها ستواصل الخسارة، حتى عندما تصرخ الوقائع نفسها، مطالِبة بالتغيير.
إيتان كابل
قناة N12
مؤسسة الدراسات الفلسطينية