ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في تغيير ملامح العالم، بما فيها الممارسات والقرارات السياسية، التي لم تعد تُمارس في أروقة المباني والمجالس والقصور وقاعات البرلمانات فقط، بل على ساحة رقمية تصل لملايين البشر حول العالم بضغطة زر واحدة من خلال شاشة هاتف صغير في قبضة اليد.
وبالرغم من أن قرار الحرب يظل من أخطر القرارات التي تتخذها الدول، فإن طريقة إعلانه تعتبر جزءً من المشهد السياسي وليست مجرد تفصيل شكلي، لذا نستعرض خلال سطور هذا التقرير كيف تغيرت طريقة إعلان الحرب في عصر السوشيال ميديا وتحول الهاتف إلى منصة سياسية.
الانطلاقة كانت من منبر رسمي
بحسب موقع "الأرشيف الوطني" التابع لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، أعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في عام 1941 دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بخطاب رسمي أمام جلسة مشتركة للكونجرس؛ حيث شنت اليابان في السابع من ديسمبر هجوما مفاجئا على القاعدة البحرية الأمريكية في جزيرة أواهو، هاواي، دُمر خلاله جزء كبير من الأسطول الأمريكي وقُتل أو جُرح أكثر من 3500 جندي، وهذا الهجوم صدم الشعب الأمريكي وأثار غضبا واسعا، رغم استمرار بعض العلاقات الدبلوماسية مع اليابان.
وفي اليوم التالي، ألقى روزفلت خطابا عرف باسم "يوم العار" أمام الكونجرس والأمة عبر الإذاعة، والتي أصبحت لاحقا من أشهر الخطب السياسية في التاريخ، معبرا فيه عن صدمة الولايات المتحدة وعزمها على الرد.
وبعد الخطاب أقر الكونجرس إعلان الحرب على اليابان، لتدخل الولايات المتحدة رسميا الحرب العالمية الثانية.
ترامب يعلن الحرب بطريقته الخاصة
أما في الوقت المعاصر، فقد أصبح بإمكان رئيس الدولة أن يخاطب شعبه والعالم بضغطة زر، كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ الذي نشر مقطع فيديو يوم السبت الماضي عبر منصة "تروث سوشيال" في ساعة متأخرة من الليل، معلنا بدء عملية عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، في واقعة أثارت جدلا واسعا.
وتحدث ترامب في الفيديو عما وصفه بتهديدات مباشرة تمثلها إيران للولايات المتحدة وحلفائها، مستعرضا وقائع تاريخية مثل أزمة الرهائن وتفجيرات استهدفت قوات أمريكية، ومؤكدا أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي، وأن العملية تهدف إلى حماية الأمن القومي الأمريكي.
وهذا الإعلان تم عبر رسالة مباشرة من خلال وسائل التواصل، تابعها الملايين في هواتفهم المحمولة، وبدون تصويت فوري في الكونجرس أو خطاب رسمي من البيت الأبيض.
إعلان الحرب بين الماضي والحاضر
وبالتالي نجد أن السوشيال ميديا ساعدت على تغير شكل الممارسة السياسية وسرعتها؛ ففي عهد ترامب والميديا تغير إعلان الحرب بعد أن كان فعلا مؤسسيا يخاطب فيه الرئيس الكونجرس ويطلب تفويضا، ومن ثم يُبث الخطاب عبر الإذاعة أو التلفزيون، إلى أن أصبح حديثا مباشرا إلى الجمهور دون وسيط وبدون الحاجة إلى انتظار جلسة رسمية أو بيان مطول، حيث يتم إعلان القرار من خلال فيديو أو عبر منشور.
وهو ما تؤكده دراسة علمية حديثة حول "تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الخطاب السياسي" للدكتورة نانديني بوري، والمنشورة في المجلة الدولية للنشر والمراجعات البحثية، والتي توضح أن العصر الرقمي ساعد في تغيير طريقة الحوار السياسي.
وأصبحت الرسالة الإعلامية نفسها جزءً من المعركة، وأصبحت رسالة ردع وأداة للضغط النفسي ووسيلة لحشد التأييد الداخلي، وأحيانا لاختبار رد الفعل الدولي.