كشفت دراسة علمية حديثة، عن مؤشرات واعدة تشير إلى أن الكوكب الخارجي LHS 1140b قد يمتلك غلافًا جويًا وهو ما يعزز فرص اعتباره أحد أبرز الكواكب المرشحة لاحتضان ظروف ملائمة للحياة خارج المجموعة الشمسية.
ويقع الكوكب على بعد نحو 49 سنة ضوئية من الأرض، وتبلغ كتلته قرابة خمسة أضعاف كتلة كوكبنا، ما يضعه ضمن فئة "الأرض الفائقة"، كما يدور حول نجمه داخل المنطقة الصالحة للسكن، المعروفة باسم "منطقة جولديلوكس"، وهي المنطقة التي تسمح درجات حرارتها، نظريًا، بوجود الماء في حالته السائلة على السطح.
وقال عالم الكواكب كولين شيروبيم الباحث الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية Science خلال يوليو الماضي، إن البيانات الخاصة بكتلة الكوكب ونصف قطره تشير إلى أنه كوكب صخري في الأساس، موضحًا أن كثافته توحي بتركيب داخلي يشبه الأرض، يضم نواة حديدية ووشاحًا من السيليكات، إلى جانب مكون منخفض الكثافة يُرجح أنه يحتوي على الماء.
وأضاف أن المؤشرات الجديدة تدل أيضًا على امتلاك الكوكب غلافًا جويًا، وهو ما يمثل خطوة مهمة في دراسة العوالم الصخرية الواقعة خارج المجموعة الشمسية.
- خطوة جديدة في دراسة الكواكب الخارجية
ومنذ اكتشاف أول كوكب خارج المجموعة الشمسية في تسعينيات القرن الماضي، تمكن علماء الفلك من رصد أكثر من 6200 كوك، وكان تلسكوب هابل الفضائي قد سجل عام 2001 أول دليل على وجود غلاف جوي لكوكب غازي خارج المجموعة الشمسية.
وفي حال أكدت الدراسات المستقبلية النتائج الحالية، فسيصبح LHS 1140b أول كوكب صخري معروف يمتلك غلافا جويا ويدور داخل المنطقة الصالحة للسكن حول نجم آخر.
- لماذا يثير هذا الكوكب اهتمام العلماء؟
تمثل دراسة الأغلفة الجوية للكواكب الصخرية تحديًا كبيرًا بسبب صغر حجمها ورقة أغلفتها الجوية؛ لذلك يعتمد العلماء على مراقبة مرور الكوكب أمام نجمه، إذ يخترق ضوء النجم الغلاف الجوي للكوكب، ما يسمح بتحليل البصمة الكيميائية للغازات الموجودة فيه.
ورغم عدم وجود دليل مباشر حتى الآن على وجود حياة أو حتى غلاف جوي صالح للحياة، يرى شيروبيم أن LHS 1140b يعد من أفضل الأهداف الحالية للبحث عن مؤشرات بيولوجية خارج النظام الشمسي؛ نظرًا لأنه يجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية هي: الطبيعة الصخرية، ودرجات الحرارة المناسبة للماء السائل، ووجود غلاف جوي.
- كيف توصل الباحثون إلى هذه النتائج؟
اعتمد فريق البحث على نموذج يفترض أن كثيرًا من الكواكب تتشكل في البداية بأغلفة جوية غنية بالهيدروجين والهيليوم، ثم تفقد معظم الهيدروجين مع تطورها، بينما تحتفظ بجزء من الهيليوم.
وبناءً على هذا النموذج، اختار الباحثون، عددًا من الكواكب التي تتوافق خصائصها الفيزيائية مع هذه الفرضية، قبل البحث عن آثار غاز الهيليوم في أغلفتها الجوية.
وفي سبتمبر 2024، نجح العلماء باستخدام تلسكوب ماجلان كلاي في مرصد لاس كامباناس بتشيلي في رصد هيليوم يتسرب من LHS 1140b، وهو ما اعتُبر دليلًا قويًا على وجود غلاف جوي.
وأوضح شيروبيم، أن الكوكب يبدو في مرحلة انتقالية، فقد خسر معظم الهيدروجين بينما لا يزال يحتفظ بالهيليوم الذي يتسرب تدريجيًا إلى الفضاء.
وأشار إلى أن الهيليوم لا يعد مؤشرًا على وجود حياة، إلا أن الفريق يأمل في اكتشاف غازات أخرى مثل الأكسجين خلال عمليات الرصد المقبلة.
- تحديات تفرضها طبيعة النجم
ويدور الكوكب حول نجم من نوع "القزم الأحمر"، وهي النجوم الأكثر انتشارًا في الكون، ورغم أن صغر حجمها يجعل دراسة الكواكب المحيطة بها أكثر سهولة، فإنها تتميز بنشاط إشعاعي مرتفع، إذ تطلق كميات كبيرة من الأشعة السينية وفوق البنفسجية، ما قد يؤدي إلى تآكل الأغلفة الجوية للكواكب.
ويرى الباحثون، أن إثبات قدرة كوكب صخري يدور حول قزم أحمر على الاحتفاظ بغلافه الجوي سيكون إنجازًا علميًا مهمًا، لأنه يجيب عن تساؤل طالما شغل علماء الفلك بشأن إمكانية بقاء الأغلفة الجوية في مثل هذه البيئات القاسية.
- لغز اختفاء الهيليوم
ورغم النجاح الأول في رصد الهيليوم، لم يتمكن الفريق خلال عام كامل من المتابعة في 2025 من اكتشاف الإشارة نفسها مرة أخرى.
وترجح الدراسة، أن يكون معدل تسرب الهيليوم قد انخفض إلى مستوى لا تستطيع الأجهزة الحالية رصده، إلا أن شيروبيم وصف الأمر بأنه لغز لا يزال بحاجة إلى تفسير.
ويستعد الفريق لإجراء جولة جديدة من المراقبة خلال الخريف باستخدام أجهزة أكثر حساسية، إلى جانب مشاركة تلسكوب جيمس ويب الفضائي وتلسكوب هابل وعدد من الفرق البحثية الدولية.
وأكد جايسون ديتمان، الذي قاد فريق اكتشاف الكوكب عام 2017، أن العثور على دليل إيجابي لوجود غلاف جوي حول كوكب صخري يمثل تطورًا بالغ الأهمية، خاصة بعد مخاوف سابقة من أن مثل هذه الأغلفة قد تكون نادرة حول الأقزام الحمراء.
- الحاجة إلى مزيد من الأدلة
ورغم أهمية النتائج، شدد عدد من العلماء، على ضرورة إجراء ملاحظات إضافية قبل اعتماد استنتاجات نهائية.
واعتبرت آنا جليدن الباحثة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن الدراسة تقدم أقوى دليل حتى الآن على وجود غلاف جوي حول كوكب صخري داخل المنطقة الصالحة للسكن، لكنها أكدت أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الرصد لتفسير ظهور الهيليوم في مرة واختفائه في أخرى.
ومن جانبه، دعا مدير الأبحاث في وحدة أبحاث الأحياء الفلكية بجامعة لييج البلجيكية ميشيل جيون، إلى توخي الحذر، موضحًا أن إشارة الهيليوم رُصدت مرة واحدة فقط، ولم تتكرر في عمليات المتابعة، وهو ما يستدعي التأكد أولًا من ارتباطها بالكوكب.
وأشار إلى أن تأكيد وجود الهيليوم ستكون له آثار علمية كبيرة، إذ سيدعم فرضية قدرة بعض الكواكب الصخرية الواقعة في المنطقة الصالحة للسكن حول الأقزام الحمراء على الاحتفاظ بأغلفتها الجوية لمليارات السنين، ما يزيد من احتمالات العثور على عوالم قريبة قد تكون قابلة للحياة، ويجعل LHS 1140b هدفًا رئيسيًا لتلسكوب جيمس ويب والمراصد المستقبلية.