«البردية الأولى لآدم» لماجد شيحة.. مغامرة البحث عن اللغة الأولى بين الحقيقة والكذب وتأويل الحكايات - بوابة الشروق
السبت 3 أكتوبر 2026 1:32 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

«البردية الأولى لآدم» لماجد شيحة.. مغامرة البحث عن اللغة الأولى بين الحقيقة والكذب وتأويل الحكايات

قراءة - شيماء شناوى
نشر في: الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:09 م | آخر تحديث: الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:09 م

تنطلق رواية «البردية الأولى لآدم» لماجد شيحة، الصادرة عن دار الشروق، من حكاية إدريس مالى، طالب الأزهر القادم من مالى، الذى يحمل شغفًا باللغات القديمة والحديثة والأبجديات وتاريخ الكلمات والكتب القديمة، وينظر إلى اللغة باعتبارها أثرًا حيًا تختزن طبقاته تاريخ البشر، مؤمنًا بإمكان وجود لغة أولى توحد الإنسان قبل تشعب اللغات وتعددها.

ومن هذا الشغف تقوده المصادفة إلى بردية غريبة معروضة فى واجهة أحد المحال بشارع طلعت حرب بوسط البلد، تبدو حروفها عربية، بينما تحمل كلماتها خليطًا لغويًا يصعب تحديد أصله، فيقرر شراءها والبحث فى أسرارها، لتبدأ مغامرة تتجاوز فك شفرة نص غامض إلى محاولة الوصول إلى حكاية الإنسان الذى كتبه.

كلما تقدم إدريس فى قراءة البردية اتسعت الأسئلة حول أصل اللغة وكاتب النص والرحلة التى أوصلته إليه، حتى يكتشف أن الكلمات الغريبة تخفى وراءها حياة كاملة، وأن البحث عن اللغة الأولى يقوده إلى رجل اسمه نوفل وامرأة اسمها دوريان.

ومن هنا يتغير مسار الرواية من سؤال «ما هذه اللغة؟» إلى أسئلة أكثر التباسًا: من كتبها؟ ولماذا؟ ولمن كانت موجهة؟ وما الذى جرى بين صاحبها والمرأة التى كتب من أجلها؟

خلف الأوراق تظهر شخصية ميمون عبد النبى «مانو»، الخطاط وفنان البرديات الذى يمتلك موهبة استثنائية فى الرسم والخط، فيما يعانى التلعثم، فيجد فى الكتابة مساحة للتعبير عن نفسه بعيدًا عن قيود الكلام. وتكشف علاقته بأبيه، الرجل السلطوى المرتبط بالسجن، عن طفولة قاسية دفعته إلى الاحتماء بعالمه الخاص. وهناك، أثناء اختبائه فوق خزانة ملابس والديه، يعثر على حقيبة أبيه وأوراق غامضة، فتبدأ علاقته باللغة التى ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من حكايته.

داخل الأوراق يظهر عالم «الفصحاء»، الجماعة التى تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا لغويًا له قوانينه وكلماته الخاصة، إذ يحصل كل عضو على كلمة تخصه، ثم يتضح تدريجيًا أن اللغة فى هذا العالم تمتلك سلطة تتجاوز الكلام، ولكل مخالفة ثمن وعقوبة. يدخل نوفل هذا العالم بحثًا عن إجابة تخصه، فيما تتشابك تجربته اللغوية مع حياته الشخصية بعد وفاة ابنته فى حادث سير، ودخول زوجته دوريان فى حزن عميق.

يحاول نوفل الاقتراب من دوريان عبر الكلام والتحليل والتفسير، كأن الرجل الذى يؤمن بقدرة اللغة على تنظيم العالم يظن أن الكلمات قادرة أيضًا على ترتيب الحزن، لكن محاولاته تزيد المسافة بينهما، ويتحول الحب إلى مساحة من الشك والذنب والعجز، حتى تنتهى العلاقة بالانفصال. وفى المقابل يظل نوفل عالقًا فى عالم «الفصحاء»، باحثًا عن إجابة تخص مصيره، بينما تفتح أفكار نادر حول حدود العقل وقدرته على تنظيم الأفكار طبقة فلسفية فى الرواية، فالعقل الذى يريد ترتيب الحكاية يجد نفسه أمام مادة تتفلت من كل ترتيب.

ومع ظهور أثينا نعمان داخل عالم «الفصحاء» تتعدد التفسيرات والأساطير، ويقدم أحد الأساتذة تصورًا للجماعة باعتبارها مشروعًا يستهدف الدين والتقاليد والنظام الاجتماعى، لكن الرواية تترك هذا التصور فى موضعه بوصفه رواية شخصية، فلا تمنح القارئ حقيقة نهائية، وإنما تضع أمامه أصواتًا متعددة، لكل منها تفسيرها واحتمالها.

ويأتى «خالص النعم» باعتباره أحد مفاتيح هذا العالم، بما يحمله من حديث عن أشكال لغوية جرى محوها، وصيغ بقيت وتحولت إلى «لغة السيف»، وروايات جعلت الآخرين يعتقدون أن أصحابها عبدوا امرأة. وبين الروايات المتعارضة تظهر العبارة التى تختصر منطق الرواية: «ألف كذبة تحاصر حقيقة واحدة». فالحقيقة موجودة، لكن الوصول إليها يمر عبر طبقات من الحذف والتحوير وسوء الفهم.

هنا يصبح «مانو» أكثر أهمية، لأن الرواية التى تتحدث عن لغة تحاصرها التأويلات تقدم لنا شخصية تحكى بالطريقة نفسها. مانو لا يمنح بكر “صانع البردي” رواية مستقرة عن الأوراق، وكلما اقتربنا من قصة العثور عليها تبدل زمنها أو مكانها أو سببها، حتى نصل إلى المكان الأكثر إقناعًا، المساحة فوق خزانة ملابس والديه، حيث كان يختبئ منهما. ومع ذلك يظل السؤال قائمًا: كم جزءًا من هذه الرواية يمكن الوثوق به؟

اكتشف مانو خلال الأوراق أن اللغة المكتوبة بها تمنحه ما عجزت عنه لغته اليومية، فهو الذى يتلعثم ويجد صعوبة فى القراءة يستطيع نطق كلمات الأوراق من دون تلعثم، وكأن اللغة المجهولة صنعت له مساحة يستطيع فيها أن يكون شخصًا آخر. يبدأ فى نسخ الأوراق وحفظها وإعادة إنتاجها، فيصبح السؤال عن علاقته على قدر أهمية سؤال من مصدرها.

لكن مانو يزداد غموضًا حين يتحول الكذب عنده من وسيلة دفاع إلى طريقة لبناء الواقع. بدأ ذلك فى طفولته حين احتاج إلى الاحتماء من أبيه، ثم امتد معه حتى أصبح قادرًا على اختراع رواية كاملة عن نفسه وأسرته والأوراق، مع ترك تفاصيل صغيرة تسمح دائمًا بإعادة فتح الرواية.

ويصبح بكر هنا أكثر من مجرد صديق، فهو القارئ الداخلى لمانو، يتعامل مع كلامه كما يتعامل إدريس مع البردية: يفكك ويقارن ويبحث عن العلامة التى تقود إلى معنى آخر. وحين تتعارض رواية مانو مع ما يعرفه بكر من الآخرين، تظهر صورة جديدة للأسرة والطفولة والأب والأم، ويتحول مانو نفسه إلى نص يحتاج إلى ترجمة.

وتلعب الرواية على فكرة قلب الأشياء، فتظهر مقابلات بين الملح والسكر، والفسيخ والحلويات الشرقية، والسجان والسجين، وزوجة السجان ودوريان، والكتب المصادرة ومعجم «خالص النعم». ومع كل مقابلة يبدو أن تفسيرًا ما يقترب، ثم يتضح أن التفسير نفسه يحتاج إلى قلب جديد.

لهذا يصبح كذب مانو صفة تأسيسية فى الشخصية وفى بناء الرواية معًا. كل كذبة قد تخفى حقيقة، وقد تكون حقيقة مشوهة، وقد تكون جزءًا من لعبة واعية، وقد تكون الطريقة التى استطاع بها رجل يعانى التلعثم ويعيش تحت سلطة أب قاس أن يصنع لنفسه حياة يمكن احتمالها. وعندما يختفى مانو كما اختفى قبله إدريس مالى، تتضاعف الاحتمالات، واختفائهما على خلاف طريقته إلى لغز جديد لا تمنح الرواية له إجابة حاسمة.

أما نوفل فتظل حكايته معلقة فى اتجاه آخر، فهو الرجل الذى كتب لدوريان محاولًا الوصول إليها باللغة بعد أن عجز عن الوصول إليها فى الحياة. ويظل مصير كلماته، كما يظل مصير الأوراق، مفتوحًا على الأسئلة: هل وصلت إليها؟ هل قرأتها؟ هل فهمت ما أراد قوله أم أن الحكاية بقيت معلقة بين ما كتبه نوفل وما احتفظ به مانو وما أعاد إدريس قراءته؟

وفى النهاية يعود كل خيط إلى السؤال الأول؛ فإدريس يغامر بنفسه مدفوعًا بشغفه بالبحث عن أصل اللغة، ونوفل يبحث عن طريق يصل به إلى دوريان، بينما يخدع مانو الجميع حتى يخفى سر اللغة التى منحته ثقة افتقدها فى الكلام، ويواصل بكر البحث عن الحقيقة خلف أكاذيب صديقه، فى الوقت الذى يحاول فيه الراوى جمع هذه الشظايا وترتيبها داخل حكاية واحدة. غير أن الرواية تقاوم هذا الترتيب، وتترك شخصياتها معلقة بين ما حدث فعلًا وما يمكن أن يكون قد حدث.

بهذا المعنى تصبح «البردية الأولى لآدم» رواية عن اللغة والحكاية بقدر ما هى رواية عن البردية، فالكلمات هنا وسيلة للبحث عن الأصل، وأداة للحب، ومساحة للهروب، وطريقة لإعادة اختراع الذات، وفى الوقت نفسه مصدر دائم للالتباس. وكلما اقترب القارئ من الحقيقة اتسعت الحكاية، وكلما حاول إغلاق تأويل فُتح بابًا جديدًا، حتى يصبح الغموض جزءًا من حقيقة الرواية نفسها، وتتحول الرحلة من البحث عن إجابة واحدة إلى اختبار لقدرة القارئ على العيش مع احتمالات متعددة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك