يمثل تناول سيرة حياة النبي محمد منطقة تبدو شائكة بعض الشيء؛ فالدين الذي يملك ملايين المعتنقين حول العالم يضفي قداسة من نوع خاص على شخصية الرسول، وتنعكس تلك النظرة على محطات حياته المختلفة.
مع ذلك، هنالك الكثير من الكتابات التي تناولت السيرة النبوية، والتي تعرضت تقريبا لمعظم حياة الرسول، وتنوعت بين كتابات شرقية وأخرى غربية، وتصدى للسيرة كتاب عرب ومسلمون، وآخرون لا ينتمون إلى الديانة الإسلامية.
ينبع هذا الاهتمام العالمي بنبي الإسلام من كونه أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في التاريخ الإنساني، وكونه شخصية مقدسة عند الملايين، وهو ما يفرض أن يكون الاقتراب من سيرته مشوبًا بشيء من الحذر.
هنالك الكثير من المراجع التي اهتمت بالسيرة الحياتية للنبي محمد، لكننا في الكتابات المعاصرة قلما نجد مرجعا يتناول المحطة الأخيرة في حياة الرسول.
ومن هذه النقطة تؤسس الكاتبة والباحثة التونسية هالة الوردي لكتابها «آخر أيام محمد»، الذي صدرت ترجمته العربية عن دار منشورات الجمل، بترجمة نضال حمدان.
منذ بداية الكتاب تحاول الباحثة أن ترسم صورة إنسانية للنبي محمد، وتريد أن تخبرنا، بشكل أو بآخر، أن هدفها هو صناعة سردية بشرية خالية من التقديس، تتعامل مع الرسول من منطلق الإنسان، وذلك بمنهجية بحثية لا تحكمها الأهواء أو التحيزات. ولكننا مع المضي قدما في صفحات الكتاب سنلحظ أنه لا يخلو من وجهة النظر ومن هوى صاحبته.
بداية الحقبة التي تحاول هالة الوردي تناولها هي غزوة مؤتة، وهي تعد واحدة من أشهر المعارك التي خاضها المسلمون، والتي قُتل فيها القادة الثلاثة الذين وضعهم النبي على رأس القيادة، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، ثم تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش وانسحب به، وهو ما أكسبه لقب "سيف الله المسلول".
لم يكن تناول الكاتبة لهذه الغزوة مماثلا لما ورد في كثير من الكتب والمراجع التاريخية، بل قدمتها باعتبارها فشلا عسكريا ذريعا، وهي، بشكل ما، أصابت جانبا من الصواب في وصفها العسكري للمعركة.
بعد ذلك يتناول الكتاب غزوة تبوك، حيث يرينا أن تلك الغزوة كانت من العتاد والعدد ما فاق كل سابقاتها، إلا أن الباحثة تقدم قراءة تجعلها أقرب إلى رحلة تجارية، مستعينة بالأخبار التي تفيد أن الصحابة في تلك الغزوة كانوا يشترون ويبيعون.
جاء تناول هالة الوردي للغزوتين في سياق عسكري وسياسي بعيدا عن القالب الديني المعهود، محاولة عرض رؤيتها الخاصة لدوافع تلك الغزوات وطبيعتها.
وما يمكن أن نأخذه على الباحثة في هذه الفرضية أنها حاكمت شكل المعارك والحملات العسكرية في هذه الحقبة من التاريخ الوسيط بمعايير الحروب في عصرنا المعاصر، رغم أن ما لا يسمح به الآن كان من العادات المألوفة في أزمنة سابقة.
تتناول صفحات الكتاب فيما بعد حادثة العقبة التي سمتها الكاتبة "المؤامرة"، وهي المحاولة التي قام بها المنافقون أثناء عودة النبي من غزوة تبوك محاولين اغتياله.
وترى هالة الوردي أن هذه المحاولة، التي أنقذ فيها الله نبيه بالوحي من الموت، كانت من تدبير أقربين الرسول. وفي حين تعزو المصادر الإسلامية المنفذين إلى فئة المنافقين، تذهب الوردي إلى أن الضالعين في المحاولة كانوا من الدائرة القريبة من النبي.
وتعرج بنا الوردي بعد ذلك على محطة مهمة في الأيام الأخيرة للرسول، وهي حجة الوداع، التي ترى فيها أن النبي أعلن أن وظيفته ورسالته قد اكتملتا، وأنها كانت، بشكل ما، بداية النهاية.
وتحاول الباحثة الموازنة بين سرديات المصادر السنية والشيعية؛ فهي تميل، كما سنلاحظ، إلى أن الرسول قد عقد الأمر أو البيعة إلى ابن عمه وصهره علي بن أبي طالب، وهو ما تذهب إليه المصادر الشيعية، كما ترى أن التلميح إلى ذلك لا يخلو منه عدد من المصادر السنية المعتبرة.
كما تذهب إلى الحديث عن محاولة أخرى لاغتيال النبي محمد عند عودته من حجة الوداع، وهي، وفقا للرواية الشيعية، نوع من الاحتجاج من الرافضين لعقد الأمر لعلي بن أبي طالب. وهنا، من جديد، تميل الكاتبة إلى اتهام البطانة الأقرب إلى النبي بالضلوع في تلك المحاولة.
وتفسر الكاتبة أن الموصوفين بالمنافقين كانوا من صحابة الرسول، وتدلل على ذلك بأنه لم يشر إليهم أو يعاقبهم بسبب قربهم منه وما كانت لهم من حظوة في الإسلام.
وبالطبع لا نجد في الروايات السنية سندا لمحاولة الاغتيال تلك، لكن الكاتبة منذ البداية تفاضل بين الروايات السنية والشيعية وفقا لما يتوافق مع رؤيتها.
وعندما يدخل الكتاب إلى مرحلة احتضار الرسول، يقدم وصفا دقيقا قلما نجده في مرجع حديث أو معاصر للأيام الأخيرة في حياة النبي محمد. إن الجرأة في وصف أيام الرسول الأخيرة وسكرات الموت التي تعرض لها تلقي الضوء على لحظة شديدة المفصلية في التاريخ الإسلامي.
أما الذهاب بعد ذلك إلى وصف غسل الرسول ودفنه والصلاة عليه، وتناول الروايات المختلفة حول تلك الأحداث، فهو أيضا جرأة تحسب للباحثة، لأن هذه النقطة شديدة الالتباس، وهي، بشكل ما، تأسيسية لما سيحدث لاحقا في سقيفة بني ساعدة، وفي قضية الخلافة بعد وفاة النبي.
لكن الكاتبة تذهب إلى رسم صورة تراجيدية لمشهد وفاة الرسول، إذ تضفي عليه طابعا دنيويا يحول النبي من زعيم ديني، كما هو متعارف عليه، إلى قائد سياسي. وهو طرح لا يخلو من الشوائب، لأنه يضعه في صورة الرجل الذي بدأ حكمه يتصدع، وشرع أعوانه في التفكير بخيانته، فنشعر أنها تصبغ هذه الفترة كلها بصبغة الفساد.
كما جاء تناول الشخصيات المقربة من الرسول متأرجحا في بعض المواضع، وربما يمكننا القول إن الرأي الشخصي للباحثة بدا حاضرا بوضوح، خاصة في رؤيتها أن جميع المقربين من النبي محمد كانوا طامعين في الملك بشكل أو بآخر.
ومرة أخرى، حاسبت هالة الوردي الشخصيات التي تتناولها، والمنتمية إلى عصر وسيط مضى عليه قرون، في مجتمع قبلي صحراوي، بمعايير عصرنا الحديث، وهي مقارنة لا تستقيم. كما أن الرأي الشخصي طغى أحيانا على المنهج البحثي، خصوصا في تصوير الفساد وكأنه مستشر في بطانة الرسول الأقرب، وهو ما يتعارض مع الموضوعية التي يفترض أن يتحلى بها الباحث.
وينتهي الكتاب بمحاولة للإجابة عن سؤال: ماذا بقى من نبي الإسلام؟ أو بمعنى آخر، كيف رأى المسلمون نبيهم في الكتابات التاريخية التي تناولت سيرته؟ وتطرح الكاتبة أسئلة شديدة الجرأة والإشكالية حول تدوين السيرة النبوية، الذي تم بعد عقود من وفاة الرسول، كما تتعرض للمصادر الغربية التي تأخرت هي الأخرى في ذكر النبي محمد، لتضعنا أمام سؤال مهم عن طبيعة التاريخ نفسه: ماذا يبقى منه؟ وكيف يُروى، خاصة عندما لا يُدون في زمن وقوعه؟
في النهاية يمكننا القول إن هالة الوردي قدمت عملا بحثيا طموحا وممتعا وشديد الجرأة في طرحه، أرادت من خلاله أن ترى الجانب البشري في شخصية النبي محمد بعيدا عن هالة التقديس التي تحيط به في زمننا.
ورغم هذه المحاولة الطموحة، فإن الآراء الشخصية والرؤى العصرية طغت على كثير من أجزاء الكتاب، فضلا عن تغليب بعض الروايات على غيرها بدافع إضفاء الطابع الجدلي على الدراسة البحثية. ولعل الوصف الأقرب لكتاب «آخر أيام محمد» أنه قراءة تائهة للأيام الأخيرة في حياة النبي محمد.