د. حامد عبدالرحيم عيد يكتب: المناعة الثقافية - قلب مصر ينبض.. لكن الدم لا يصل! - بوابة الشروق
الثلاثاء 9 يونيو 2026 12:59 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

د. حامد عبدالرحيم عيد يكتب: المناعة الثقافية - قلب مصر ينبض.. لكن الدم لا يصل!


نشر في: الإثنين 8 يونيو 2026 - 7:11 م | آخر تحديث: الإثنين 8 يونيو 2026 - 7:11 م

بعد رحلة طويلة من التفكير والقراءة ومحاولة فهم ما يحدث لعقولنا ومؤسساتنا ووعينا الجمعي، انتهيت مؤخراً من مراجعة كتابي الجديد «المناعة الثقافية»، وهو محاولة للإجابة عن سؤال يؤرقني منذ سنوات: لماذا تبدو بعض المجتمعات قادرة على حماية هويتها وتجديد نفسها، بينما تتآكل مجتمعات أخرى من الداخل رغم امتلاكها تاريخاً عظيماً ومؤسسات عريقة؟ وفي هذا الكتاب، لم أبدأ بالحلول، لأنني أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة ليس المرض نفسه، بل التشخيص الخاطئ للمرض. لذلك اخترت أن أشارك هذا الفصل تحديداً، لأنه يمثل في نظري لحظة المواجهة الصادقة مع الذات؛ لحظة الإنصات إلى نبض الجسد الثقافي المصري قبل الحديث عن أي دواء أو مشروع إنقاذ.

إنه فصل عن “التشخيص”… عن القلب الذي لا يزال ينبض، وعن الدم الذي لم يعد يصل كما ينبغي.

في الطب، لا يبدأ الطبيب بوصف الدواء، بل بالإنصات. يضع أذنه على صدر المريض، يتأمل النبض، يراقب ارتعاش العين، ثم يسأل السؤال الأخطر: أين يكمن المرض فعلاً؟ فليس كل ألم في الرأس سببه الرأس، وليس كل جسد واقف على قدميه جسداً سليماً. أحياناً يكون القلب نابضاً… لكن الدم لا يصل.
وهذا بالضبط ما يحدث في مصر اليوم. لقد أمضينا سنوات طويلة نحارب الأعراض ونترك المرض الحقيقي يتغلغل في العمق.

ظننا أن أزمتنا الثقافية سببها نقص الكتب فقط، فملأنا المكتبات بآلاف العناوين . وظننا أن الحل في زيادة الميزانيات، فضخخنا الأموال في مؤسسات فقدت القدرة على الحياة، فابتلعت البيروقراطية الجهد قبل أن يصل إلى الناس. ثم أقنعنا أنفسنا أن الخطر كله يأتي من الخارج، فرفعنا الأسوار وصرخنا ضد المؤامرات، بينما كان التآكل الحقيقي يبدأ من الداخل: تعليم يقتل الفضول بدلاً من أن يوقظه، وإعلام يخدر الوعي بدلاً من أن يحرره، ومؤسسات تخاف السؤال أكثر مما تخاف الجهل نفسه.

لهذا كان لابد من لحظة تشخيص قاسية. لحظة نقف فيها أمام المرآة بلا شعارات، بلا خطب، بلا تجميل. لأن الطبيب الذي يخفي الحقيقة عن مريضه لا ينقذه… بل يقتله ببطء.
في أحد أبحاثي اخترت عينة من طلاب الدكتوراه في الكيمياء بجامعة القاهرة. لم نقل إنهم يمثلون مصر كلها، لكنهم يمثلون شيئاً أخطر: المستقبل نفسه. هؤلاء الشباب سيكونون بعد سنوات قليلة أساتذة الجامعات، وقادة المعامل، وصناع المعرفة، وربما حراس العقل المصري في زمن شديد الاضطراب. وما وجدناه كان مذهلاً ومؤلماً في الوقت ذاته.

وجدنا شباباً يحب وطنه بصدق. أكثر من 96% قالوا إنهم تعلموا الكثير داخل جامعتهم، وقرابة 89% تحدثوا بتفاؤل عن مستقبلهم وعن وضوح رؤيتهم المهنية. حين قرأت هذه الأرقام شعرت أن قلب مصر لا يزال ينبض بقوة، وأن هذا الوطن لم يفقد بعد قدرته العجيبة على إنتاج الأمل حتى في أصعب الظروف.

لكن الصورة لم تتوقف هنا. وفي اللحظة نفسها التي أعلن فيها هؤلاء الشباب حبهم للعلم وللوطن، كشفوا عن جروح عميقة في الجسد كله. أكثر من 62% أكدوا أن الرسوم الدراسية تثقل كاهلهم، وأكثر من نصفهم قالوا إن المال يمثل عائقاً حقيقياً في حياتهم، بينما اعترف 44.8% بأنهم لا يستطيعون ادخار أي شيء بعد تغطية احتياجاتهم الأساسية.

عندها أدركت الحقيقة كاملة: القلب ينبض… لكن الدم لا يصل..!

لدينا طاقة بشرية هائلة، لكن الشرايين مسدودة. لدينا شباب يريد أن يصنع المستقبل، لكن البيئة المحيطة تستنزفه قبل أن يكتمل نضجه. لدينا إرادة للحياة، لكن أجهزة كثيرة في الجسد الثقافي فقدت قدرتها على نقل الأكسجين إلى الخلايا.
ثم ظهرت المفارقة الأكثر إيلاماً. الطلاب لديهم ارتباط عاطفي قوي بجامعتهم، لكن ما يقرب من نصفهم لا يستطيعون الحديث بحرية مع أساتذتهم عن مشاكلهم الشخصية أو الأكاديمية. إنهم يحبون المؤسسة… لكن المؤسسة لا تسمعهم. يبحثون عن الإرشاد فلا يجدون إلا اللوائح، ويحتاجون إلى من يمنحهم الثقة فلا يجدون إلا التعليمات. إنها علاقة عاطفية من طرف واحد، كأن الطالب يمد يده دائماً بينما تبقى المؤسسة جامدة خلف الزجاج. وهنا يظهر ما أسميه في هذا الكتاب “العجز المناعي الثقافي المكتسب”.

الطالب المصري يدخل الجامعة وهو يحمل مناعة فطرية قوية: حب الوطن، والرغبة في النجاح، والطموح الشخصي. لكن المؤسسة كثيراً ما تفشل في منحه المناعة التكيفية التي يحتاجها العصر: التفكير النقدي، والقدرة على التمييز، والشجاعة على السؤال، والقدرة على الابتكار. وهذا هو الخطر الحقيقي.

الخطر ليس في أغنية عابرة، ولا في مسلسل أجنبي، ولا حتى في تطبيق جديد. الخطر يبدأ عندما يفقد الإنسان جهازه المناعي الثقافي، عندما يصبح عاجزاً عن التفرقة بين المعرفة والضجيج، بين الحرية والفوضى، بين الانفتاح والذوبان. عندها فقط يصبح فريسة سهلة لأي فيروس فكري أو استهلاكي أو متطرف، لأن العقل الذي لم يتعلم كيف يفكر سيتحول بالضرورة إلى عقل يُقاد.

وليس التعليم وحده هو المريض. الإعلام مريض، والمكتبات مريضة، وقصور الثقافة مريضة، والنقابات أيضاً. كم من جائزة تُمنح اليوم لأسماء لا يعرفها الشباب؟ وكم من ندوة تقام في قاعات فارغة؟ وكم من مؤسسة عريقة تتحرك بجسد ضخم وروح منهكة؟ لدينا تاريخ عظيم، نعم، لكن التاريخ وحده لا يصنع المناعة. المناعة تُصنع كل يوم، بالثقة، بالحوار، بالمعرفة الحية، وبالقدرة على إنتاج معنى يشعر به الناس لا شعارات يرددونها.

قد يبدو هذا الكلام قاسياً، لكنه ليس قسوة اليائس، بل قسوة الطبيب الذي يرفض أن يجامل المرض. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يمرض، بل أن يتعايش مع المرض حتى يظنه طبيعياً.

ومع ذلك، ورغم كل شيء، لا أكتب هذه الكلمات بروح الهزيمة. بل على العكس، أكتبها لأنني ما زلت أؤمن أن هذا الجسد قادر على الشفاء. حين يقول 48.3% من هؤلاء الطلاب إن المال ليس عائقاً يمنعهم من الاستمرار، رغم كل الضغوط، فأنا لا أرى مجرد رقم إحصائي، بل أرى إرادة حياة مذهلة. أرى شباباً يواصلون البحث والحلم والعمل بينما كان يمكن لكل الظروف أن تدفعهم إلى الانكسار. هؤلاء هم الأجسام المضادة الحقيقية لمصر. هؤلاء هم الخلايا السليمة التي لا تزال تقاوم داخل الجسد. هؤلاء هم الدليل على أن مصر، مهما أثقلتها الأزمات، لم تفقد بعد قدرتها على التجدد.

لقد انتهى زمن إنكار المرض. الجراح أصبحت مكشوفة، والأسباب باتت واضحة، والسؤال الآن لم يعد: هل نعاني أزمة ثقافية؟ بل: هل نملك الشجاعة الكافية لنبدأ العلاج قبل أن يصبح النزيف قدراً دائماً؟

الكاتب: أستاذ بكلية العلوم بجامعة القاهرة، مستشار ثقافي سابق بالمغرب، حاصل على جائزة الدولة للتفوق وجائزة جامعة القاهرة للرواد في العلوم الاجتماعية. عضو المجلس الاعلى للثقافة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك