سمير فؤاد يكتب: إبراهيم شهدة.. الفنان المغترب - بوابة الشروق
الإثنين 23 نوفمبر 2020 8:47 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

سمير فؤاد يكتب: إبراهيم شهدة.. الفنان المغترب

سمير فؤاد
سمير فؤاد

نشر في: الجمعة 20 نوفمبر 2020 - 7:34 م | آخر تحديث: الجمعة 20 نوفمبر 2020 - 7:34 م

أول مرة أدخل مرسم الفنان حسن سليمان فى مطلع الثمانينيات رأيت لوحة صغيرة معلقة فوق المدخل بحيث تكون آخر ما يشاهده الزائر وهو فى طريقه لمغادرة المرسم.. كانت اللوحة لمراكب على النيل يغلب عليها اللونين الأخضر والأسود.. سألته عنها فقال إنها لصديقه إبراهيم شهدة ( 1929 ــ 1991 ).. رفيقه فى كلية الفنون وزميله فى التلمذة على يد الفنان الفرنسى المتمصر بيبى مارتان.. أعجبته اللوحة فأهداها له شهدة عربونا على الصداقة.. وعرفت منه أيضا أن شهدة ترك مصر بعد التخرج بفترة وجيزة واستقر فى فرنسا ولم يزد حسن سليمان على هذا برغم محاولاتى معرفة المزيد بدعوى أن أخبار شهدة قد انقطعت.
أعجبتنى اللوحة بمصريتها وقوتها التعبيرية.. وكون أن حسن سليمان المعروف عنه تحفظه الشديد فى إطراء فن معاصريه قد وضع هذه اللوحة فى هذا المكان المميز فلابد أنه يضع فن شهدة فى مكان أثير.
بعد فترة فى منزل صديقى الدكتور سعيد دراز رأيت لوحتين من لوحات إبراهيم شهدة.. وجه لسيدة مرسوم بالباستيل ومنظر طبيعى يغلب عليه الأسود والأزرق.. كانت القوة التعبيرية وأستاذية المعالجة تشير إلى فنان ذى وزن كبير.. وعلمت منه أنه قابل إبراهيم شهدة فى معرضه الأخير بفرنسا واقتنى منه هذه اللوحات.. وعندما رأى الدكتور سعيد مدى حماسى للوحاته أهدانى ملصق وكتالوج معرض شهدة وظلا معى بالمرسم حتى اليوم أراهما كل حين وأنا أبحث عن شىء فى طيات الأوراق المكدسة.
المعلومات المتاحة عن شهدة شحيحة.. نعلم أنه تخرج فى كلية الفنون عام 1952 وترك مصر إلى فرنسا عام 1955.. والتحق بقسم الدراسات الحرة بالبوزار بباريس ثم استقر فى جنوب فرنسا ولكنه كان يزور باريس بين الحين والآخر.. لا نعلم لماذا ترك مصر ولماذا لم يستقر فى باريس بؤرة الفن وملتقى فنانى العالم الباحثين عن الفن والمجد.. وهل كان لطبيعة الطقس والضوء سبب قراره بالاستقرار فى الجنوب مثلما فعل فان جوخ وسيزان وماتيس من قبل.
أول معارضه كان عام 1958 ثم تعددت معارضه وبعد حين أصيب بالداء الذى يصيب معظم الفنانين الجادين وهو عدم الرضا عن أعماله.. فبدأ يزور بلاد العالم الغربى ويزور متاحفها فزار إيطاليا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا ولكن حدث صاعقا زلزل كيانه وقلب حياته رأسا على عقب فى عام 1975 عندما علم أنه مصاب بالسرطان.. وبدأ شهدة يعمل وسيف القدر مسلط على رأسه.. وعندما أمهله القدر عدة سنوات تعافى فيها من المرض، أخذ يرسم كالمحموم لوحات طبيعة صامتة ومناظر طبيعية محملة بالصراع الذى يعيش فيه ووجوه لأصدقائه المقربين كأنما يسجل من خلالهم الدفء الذى يحيطونه به.. وكان يقول «لا بد أن تقتنص العمل من بين أنياب الزمن».
ولكن المرض عاوده فى عام 1985 وأخذت حالته الصحية تتدهور.. وبرغم معاناة المرض أخذ يرسم فى مرحلته الأخيرة وجوها لرجال ونساء والعديد من الصور الشخصية لنفسه مقتديا أثر فان جوخ ورمبراندت.. كلها وجوه ممسوخة شاحبة ومفزوعة.
تقف لوحته هذه التى رسمها لنفسه فى مرحلته الأخيرة مثالا على أسلوبه الذى كان ينضح بما كان يعانيه فى سنواته الأخيرة.. لا نرى أى تفاصيل فاللوحة كأنها شحنة من الانفعالات فجرها شهدة بفرشاته على سطح اللوحة.. رسمها بألوان سائلة وكأنه يسكب روحه وكيانه كله عليها.. وبضربات فرشاة عنيفة تترك آثارها ندوبا شريطية متوازية ومتقاطعة وكأنه مبارز يضرب بسيفه يمينا ويسارا محاولا أن يقهر شبح إله الموت الذى يقترب مشهرا منجله البتار الذى لم ولن ينجو منه مخلوق مها كان.. ولكن إله الموت الماكر الغادر يتلقف هذه الطعنات ويردها إلى جسد الفنان لتمزقه إربا.
على خلفية من لون نحاسى قاتم يسيطر جسد الفنان على اللوحة بألوان داكنة من البنيات والأزرقات ببناء هرمى كأنه جبل بركانى نبت من قاعدة اللوحة.. وعلى قمته تنفجر كتلة الرأس بألوان ذهبية وكأنها مرسومة بنحاس مصهور لتبدد ظلام اللوحة بهذه البقع المضيئة على الجبهة والوجنة والأنف.. وتبلغ المأساة ذروتها فى هذا التعبير المريع الذى نراه على وجه شهدة بعينيه الغائرتين ونظرته المملوءة بالخوف والوجل.. وهنا تتفجر ضربات الفرشاة بطاقة عنيفة تشوه كل الملامح وتحيل الوجه إلى عجينة منصهرة تتناثر أطرافها فى شرائط سائلة.
نرى فى لوحات شهدة خاصة المرحلة الأخيرة كيف أثرت جولاته فى متاحف أوروبا على فنه.. وكيف امتص فى داخله قبسا من الجذوة التى تركها لنا عباقرة فن التصوير.. فترى فى هذه اللوحة طيف رمبراندت وروح جويا وعنفوان حاييم سوتين وقسوة فرانسيس بيكون.. ولكن شهدة صهر كل هذا فى بوتقة فنه وخرج منها بشعلة ذاتية مضيئة عبر من خلالها عن وحدة الإنسان ومحنتة فى صراعه مع سيف القدر البتار والذى يعلم علم اليقين أنه فى نهاية المطاف سيناله لا محالة فى مقتل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك