محيى الدين اللباد.. صانع الكتب الذى علمنا كيف نتذوق الجمال ونرفض القبح - بوابة الشروق
الجمعة 6 مارس 2026 4:45 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

محيى الدين اللباد.. صانع الكتب الذى علمنا كيف نتذوق الجمال ونرفض القبح

شيماء شناوى
نشر في: الأربعاء 21 يناير 2026 - 10:17 م | آخر تحديث: الأربعاء 21 يناير 2026 - 10:17 م

• «الرسم للأطفال» ليس ترفًا ولا مجرد تزيين للنصوص بل بوابة أولى للوعى


وسط لحظة تستعيد فيها الثقافة المصرية والعربية أحد أنبل رموزها البصرية، يختار معرض القاهرة للكتاب فى دورته السابعة والخمسين الفنان الكبير محيى الدين اللباد شخصيةً للمعرض، بوصفه واحدًا من أبرز رواد فنون الصورة وصناعة الكتاب فى العالم العربى، وصاحب المعادلة النادرة التى جمعت بين «العمق الثقافى» و«البساطة البصرية»، تلك المعادلة التى جعلت أعماله قادرة على مخاطبة الطفل والمثقف معًا، دون أن تفقد دهشتها أو صدقها.
ويأتى تكريم اللباد انتصارًا لفكرة طالما ناضل هو من أجلها: أن «الرسم للأطفال» ليس ترفًا ولا مجرد تزيين للنصوص، بل هو بوابة أولى للوعى، ومدخل أساسى لتشكيل الذائقة الجمالية والإنسانية منذ الطفولة. فقد آمن الراحل بأن الطفل «شريك فى المعرفة» لا مجرد متلقٍ سلبى، فقدم له أعمالًا تحترم عقله، وتوسع خياله، وتمنحه أدوات النظر والتأمل، مؤسسًا بذلك مدرسة فنية شكلت وجدان أجيال كاملة فى مصر والعالم العربى.
ويتضمن برنامج الاحتفاء بـ«فيلسوف الصورة» سلسلة من الندوات المتخصصة التى تفكك شفرات تجربته الإبداعية، ومعرضًا يضم أعماله الأصلية النادرة، إلى جانب أنشطة تفاعلية للأطفال تستلهم روحه وفلسفته، تتوج بإعادة طباعة عدد من أيقوناته الفنية، وإصدار «كتاب تذكارى» شامل يوثق مسيرته الفنية والفكرية التى علمتنا كيف نقرأ الصورة بقدر ما نقرأ الكلمة.
وفى التقرير التالى تروى «الشروق» بعضًا من مسيرة الفنان الكبير محيى اللباد التى روايات فى كتابه واحدة من أكثر كلماته شاعرية وصدقًا، يحكى اللباد عن طفولته، قائلًا: «عندما كنت صغيرًا، كنا نسكن بقرب جامع السلطان حسن، وكان الترام الذى يمر فى الشارع الكبير ــ عندما يدور بجوار الجامع - يصدر صوتًا عظيمًا. وكان سائق الترام عندى أعظم وأهم رجل فى العالم، لأنه يقود هذا الوحش العملاق المهيب، وظللت أتمنى أن أصبح سائق ترام عندما أكبر. وكبرت ولكنى لم أتمكن من أن أكون سائق ترام، بل ولم أستطع حتى أن أتعلم قيادة السيارات، لكنى تعلمت الرسم، وأصبحت مجرد رسام».
كلمات تلخص ببساطة مسار فنان آمن بأن الرسم قد يكون قدرًا، لا مجرد مهنة.
كان محيى الدين اللباد، الرسام المصرى والفنان التشكيلى وأحد رموز فن تصميم الأغلفة وصناعة الكتاب فى العالم العربى، يحب أن يُلقب بـ«صانع الكتب»، ويقول عنه إنه «أمنيته وحلمه الكبير».
وُلد عام 1940 بالقاهرة، ونبغ فى الرسم منذ صغره، واحترف الكاريكاتير فى المرحلة الثانوية، ثم تخرج فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. عمل رسامًا للكاريكاتير فى مجلتى «روزاليوسف» و«صباح الخير»، ونُشرت أعماله فى كبرى الصحف والمجلات، كما عمل مؤلفًا لكتب الأطفال فى مؤسسة «دار المعارف»، وشارك فى تأسيس عدد من المجلات المتخصصة، وأصبح مديرًا فنيًا لمجلة «سمير»، وأسهم فى تأسيس عدد من دور النشر، من بينها دار «الفتى العربى» عام 1974.
وعبر سنوات حياته، وبمجموعة من الكتب التى اختلفت شكلًا وموضوعًا مثل: «كشكول الرسام»، «لغة بدون كلمات»، «حكايات الخطاطين»، «حكاية الكتاب»، «أصل الحكاية»، «مائة رسم وأكتر»، وغيرها، سعى اللباد إلى تعليم الناس الفن البصرى، وتكوين جبهة من الرأى العام معادية للقبح والعشوائيات البصرية وكل ما يجرح العين ويؤذى الذائقة. فأسس ما يشبه أكاديمية غير تقليدية، فصولها من ورق الصحف والمجلات والكتب، وتلاميذها آلاف من المريدين والمحبين للفن على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الفكرية والتعليمية. معظم هذه الكتب صدرت عن «دار الشروق».
وجاءت أصالة وتفرد أعمال اللباد من أصالة وتفرد بيئتها؛ فهو الفنان الذى سعى طوال مسيرته إلى خلق محتوى عربى يناسب الطفل العربى، وينسجم مع هويته الثقافية، ويغنيه عن «حكايات الخواجات» كما كان يسميها.
تجلى هذا الحلم فى رسوماته لمجلات «سندباد» و«كروان»، ثم فى مشروع دار نشر متخصصة فى كتب الأطفال هى «الفتى العربي»، فضلًا عن محاولاته الدائمة لتغيير شكل الكتاب المدرسى، واستبدال رسومه الركيكة بأخرى شيقة، وألوان مبهجة، وذوق يتربى عليه الطفل ليصبح أفضل.
ومن أبرز ما قدمه صانع الكتب خلال مسيرته باب «نظر» الذى نشره عبر صفحات مجلة «صباح الخير» تحت شعار:
«إن عشقنا فعذرنا.. إن فى وجهنا نظر»،
وهو الشعار المقتبس من شعر بشارة الخورى وغناء موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.
كما نجح محى الدين اللباد فى تقديم ملاحظات ذكية وموضوعات لافتة عن تفاصيل الحياة اليومية، من الإعلانات والملابس والماركات، إلى أنواع الخطوط العربية والملصقات وغيرها، ليحول العادى والمألوف إلى مادة للتأمل الفنى والمعرفى.
وبإبداعه الأصيل فى صناعة الكتاب، نال اللباد عددًا من الجوائز المحلية والعربية والدولية، منها جائزة التفاحة الذهبية فى بينالى براتسلافا عام 1989، وجائزة الأكتوجون الفرنسية عام 1994، كما كُرّم فى كثير من معارض كتب الأطفال، ونُشرت مؤلفاته وتُرجمت إلى لغات عدة كالإنجليزية والإسبانية والفرنسية والألمانية والهولندية وغيرها، وشارك عضوًا فى لجان تحكيم عدد من المسابقات المحلية والدولية.
ولم يغب الواقع العربى وسؤال الهوية عن مجمل أعماله، ولعل أبرز مثال على ذلك ما رسمه لكتاب «البيت» تأليف القاص السورى زكريا تامر، حيث تناول القضية الفلسطينية بلغة بسيطة وموجعة فى آن، جاعلًا من «البيت» رمزًا للحق المسلوب والوجود المنتهك، فى نص ظل واحدًا من أكثر أعمال أدب الطفل العربى جرأة وعمقًا.
وربما تبقى الصورة الأدق لحياة محيى الدين اللباد الذى رحل عن عالمنا فى ٤ سبتمبر ٢٠١٠ هى ما قاله عنه الفنان التشكيلى حلمى التونى بعد رحيله:
«كان أفضلنا وأطهرنا، لذلك مات قبلنا لأن الأكثر حساسية هو الذى يموت أولًا، ففى السنوات العشر الأخيرة كان محيى الدين اللباد يائسًا وغاضبًا، وأعتقد أنه راح ضحية حزنه وإحساسه بأنه غير قادر على تحقيق ما أنفق حياته فيه. لقد كان سابقًا لعصره، كان يقدس إتقان العمل، بينما كان يرى المجتمع من حوله لا يتمتع بأدنى قدر من الدقة أو الإتقان، بل كان مجتمعًا رافضًا للإتقان، لذلك كانت معظم نشاطاته خارج مصر فى الفترة الأخيرة، لأنه وجد التقدير هناك، بينما فى بلده الناس لا تعرفه».
تكريم محيى الدين اللباد اليوم، فى معرض القاهرة للكتاب، ليس فقط احتفاءً بفنان كبير بل استعادة لقيمة غائبة: قيمة الإتقان، والرهان على الجمال بوصفه فعل مقاومة فى زمن القبح.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك