تصفيق وبكاء.. هكذا انتهى عرض فيلم «طبيب أمريكي» (American Doctor) في قاعة سينما زاوية، التي تعرض مجموعة من أفلام مهرجان الجونة السينمائي، من بينها هذا الفيلم، الذي تدور أحداثه بين قطاع غزة وعدد من الولايات الأمريكية، وهو من إخراج بوه سي تينغ.
يتتبع الفيلم التسجيلي، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان ساندانس السينمائي عام 2026، حياة ثلاثة أطباء أمريكيين: الدكتور مارك بيرلموتر، جراح العظام الأمريكي اليهودي من ولاية كارولاينا الشمالية؛ والدكتور ثائر أحمد، طبيب الطوارئ الأمريكي من أصل فلسطيني، والمقيم في شيكاغو؛ والدكتور فيروز سيدوا، جراح الإصابات من ولاية كاليفورنيا، المنحدر من أصول باكستانية.
يتطوع الأطباء الثلاثة في قطاع غزة، ويعملون في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس. ويتتبع فيلم بوه سي تينغ زياراتهم الميدانية قبل وقف إطلاق النار عام 2025 وبعده، كما يرصد عودتهم إلى الولايات المتحدة، حيث يسعون إلى نشر الوعي والدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة والأرض.
البداية المؤلمة
تختار مخرجة الفيلم أن تضع المشاهد أمام صدمة أولى وسؤال إشكالي يتعلق بحق الضحايا في إظهار صورهم أو إخفائها. يبدأ الفيلم بمشهد لبوه سي تينغ وهي تتحدث مع جراح العظام مارك بيرلموتر في منزله بولاية كارولاينا الشمالية، حيث يعرض عليها صورة لستة أطفال فلسطينيين رضع، مصطفين في صف واحد، قُتلوا جميعًا جراء القصف. ويدور بينهما حوار حول ما إذا كان ينبغي إظهار وجوه الأطفال في الفيلم أو طمسها قبل عرض الصورة.
تقول المخرجة: «يجب علينا أن نبكسل الصور المفزعة حتى لا نسلب الضحايا كرامتهم»، فيرد الطبيب: «أي كرامة! إسرائيل سلبت كرامته».
من هذه النقطة، ينطلق الفيلم لسرد حكاية ثلاثة أطباء يحملون الجنسية الأمريكية، يحاولون دخول غزة للتطوع والعمل الطبي، لكن أحدهم يفشل في ذلك بسبب أصوله الفلسطينية.
أنسنة القصة
تنحاز بوه سي تينغ، منذ البداية، إلى تقديم الحكاية من منظور إنساني، لا يخلو من لقطات تسجيلية لمشاهد القصف والضحايا، لكن مركز السرد يظل قائمًا على تفاعل الشخصيات بعضها مع بعض، وتداخل حكاياتها وتجاربها. لذلك، تبني المخرجة فيلمها دراميًا عبر التنقل بين المناطق التي تتعرض للقصف، والمنازل الدافئة للأطباء في الولايات المتحدة، والمستشفيات في غزة؛ بين شيكاغو وشمال كارولاينا وخان يونس وكاليفورنيا.
ويستند جانب من البناء الدرامي إلى تفاصيل مغادرة كل طبيب وعودته، وتفاعله مع أسرته: كيف ذهب؟ وكيف عاد؟ وماذا تغير بين الحالتين؟ فما يشاهده الأطباء في غزة يصعب نسيانه. وعلى العكس من أن تكون المغادرة نهاية لتجربتهم، تمنحهم العودة إلى حياتهم السابقة مساحة للتعبير عن شعورهم بالذنب إزاء قرار مغادرة غزة، وعن أهمية البقاء إلى جانب المصابين. وكأنهم يحملون غزة فوق رؤوسهم، أو، بمعنى أدق، داخل قلوبهم بعد مغادرتها.
ومن أكثر المشاهد التي تكشف اهتمام المخرجة بأبطالها تلك التي تدور في منزل ثائر أحمد، الطبيب الأمريكي من أصل فلسطيني. تتجمع اللقطات في هذا المكان كأنها فسيفساء ترسم ملامح فلسطين التي لم يزرها ثائر، ولم تزرها طفلتاها أو زوجته، لكنها حاضرة في تفاصيل حياتهم. تظهر هذه الملامح في البرواز المعلق على الحائط، الذي يحمل خريطة فلسطين وإلى جوارها مفتاح، وفي الأعلام الفلسطينية التي تزين أركان المنزل، والديكورات المستوحاة من التراث الفلسطيني.
تعبر هذه المشاهد تحديدًا عن الذاكرة المتوارثة عبر الأجيال، وعن رغبة الفلسطيني في الحفاظ على تاريخه ومقاومة النسيان، حتى حين تفصله المسافات عن أرضه.
السؤال الرئيسي
لا يكفي أن يتناول الفيلم التسجيلي قضية كبرى حتى يكتسب قيمته الفنية؛ فالسؤال الأهم يتعلق بكيفية تناول القضية ونقلها إلى الشاشة. وينجح فيلم «طبيب أمريكي» في تركيز سؤاله الرئيسي حول العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وانعكاسات هذه العلاقة على المدنيين الذين يُقتلون في ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل.
لهذا، يتنقل الفيلم بين ما يحدث على الأرض في غزة، وما يرويه الأطباء بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة، خلال المؤتمرات واللقاءات التلفزيونية والندوات.
وتكمن أهمية هذا الاختيار في أن المخرجة لا تفصل بين ما يحدث داخل غزة وما يجري خارجها، وإنما تجعل المسافة الجغرافية بين المكانين جزءًا من بنية الفيلم ومعناه. فالمستشفى الذي يستقبل المصابين، والمنزل الذي يعود إليه الطبيب، والاستوديو التلفزيوني الذي يتحدث منه عن تجربته، ليست أماكن منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة تكشف التناقض بين معاينة آثار الحرب مباشرة، ومحاولة نقل هذه المشاهدة إلى مجتمع يظل كثير من أفراده بعيدين عن حجم المأساة.
هنا تتحول عودة الأطباء إلى الولايات المتحدة من نهاية لرحلتهم الميدانية إلى بداية رحلة أخرى، يخوضونها بالكلمات والشهادات، في محاولة لمواجهة الروايات التي تتجاهل معاناة الفلسطينيين أو تبرر استمرار الحرب.
ولا يكتفي الفيلم بتقديم شهاداتهم بوصفها استعادة لما حدث، بل يضعها في سياق سياسي أوسع، يتساءل عن مسؤولية الدولة التي يحملون جنسيتها، وعن الفجوة بين القيم الإنسانية التي يُفترض أن يدافع عنها الطب، والسياسات التي تسمح باستمرار معاناة المدنيين.
الصورة بوصفها شهادة
من أهم ما يميز الفيلم التسجيلي قدرته على بناء علاقة بين الصورة والواقع، لا باعتبار الصورة مجرد وسيلة لتوضيح ما يقوله أصحاب الشهادات، وإنما بوصفها شهادة مستقلة تفرض على المشاهد مواجهة ما قد تعجز الكلمات عن نقله.
وفي «طبيب أمريكي»، لا تنفصل المشاهد المسجلة في غزة عن الحوارات التي تدور حولها في الولايات المتحدة. فالصورة التي يراها الطبيب بعينيه تظل حاضرة في ذاكرته بعد عودته، بينما يحاول المشاهد الأمريكي، الذي لم يعاين الحرب بنفسه، أن يفهمها من خلال ما يراه على الشاشة وما يسمعه من شهادات.
لكن الفيلم لا يطرح هذه العلاقة باعتبارها مسألة جمالية فحسب، وإنما يضعها منذ بدايته في إطار أخلاقي. فالحوار حول إظهار وجوه الأطفال القتلى أو إخفائها يكشف عن مأزق يواجه صناع الأفلام التسجيلية والصحفيين عند توثيق الحروب: كيف يمكن إظهار حجم العنف من دون تحويل الضحايا إلى صور مجردة من إنسانيتهم؟ وهل يؤدي إخفاء الوجوه إلى حماية كرامة أصحابها، أم قد يسهم، في بعض الحالات، في إبعاد المشاهد عن إدراك حقيقة ما حدث لهم؟
لا يقدم هذا النقاش إجابة سهلة، لكنه يكشف وعي المخرجة بأن التصوير ليس فعلًا محايدًا، وأن لكل اختيار بصري تبعات تتجاوز حدود الشاشة. فإظهار الصورة أو إخفاؤها، وتحديد مدة بقائها، ووضعها في سياقها، كلها قرارات تسهم في تشكيل علاقتنا بالضحايا.
ومن هنا تأتي أهمية المشهد الافتتاحي، الذي لا يضع المشاهد أمام مأساة الأطفال وحدها، بل يضعه أيضًا أمام مسؤوليته في النظر إلى هذه المأساة وفهمها.
الذاكرة بوصفها مقاومة للنسيان
تبدو مشاهد منزل ثائر أحمد من أكثر لحظات الفيلم قدرة على توسيع معنى الحكاية. فالخريطة والمفتاح والأعلام الفلسطينية والتفاصيل المستوحاة من التراث لا تؤدي وظيفة تزيينية، وإنما تكشف عن حضور وطن غائب جغرافيًا، لكنه يظل حاضرًا في الذاكرة والهوية والحياة اليومية.
وتمنح هذه المشاهد الفيلم بعدًا يتجاوز توثيق الحرب في لحظتها الراهنة؛ فالقضية الفلسطينية لا تظهر فقط من خلال الدمار والإصابات والمستشفيات، وإنما أيضًا من خلال ما يحمله الفلسطينيون من ذاكرة وما يسعون إلى نقله إلى أبنائهم. وتصبح الأشياء الصغيرة، التي قد تمر في أفلام أخرى بوصفها تفاصيل عابرة، شواهد على علاقة الإنسان بالمكان وعلى مقاومته فقدان الصلة به.
كما أن وجود هذه التفاصيل داخل منزل في الولايات المتحدة يخلق علاقة بين الغياب والحضور؛ ففلسطين التي لم يزرها ثائر أو طفلته ليست غائبة تمامًا، بل يُعاد تشكيل حضورها داخل البيت من خلال الأشياء والحكايات والرموز.
وهنا تظهر إحدى الإمكانات المهمة للفيلم التسجيلي: أن يجعل الأشياء والأماكن والتفاصيل اليومية تحمل معنى تاريخيًا وسياسيًا، وأن يتيح للمشاهد اكتشاف هذا المعنى من خلال الملاحظة، بدلًا من الاكتفاء بتلقيه في صورة معلومات مباشرة.
بوه بين الانحياز وعدم التخلي
عملت بوه سي تينغ في مجال الإعلام لسنوات، قبل أن تستقيل وتتجه إلى صناعة فيلمها التسجيلي الطويل الأول «طبيب أمريكي»، متأثرة بشدة بما يجري في غزة. وقد صرحت قائلة: «بعد مرور عام على الإبادة الجماعية، لم أعد أملك الكلمات». وعلى إثر ذلك، استقالت من وظيفتها، وأنفقت ما يقارب 150 ألف دولار من مدخراتها الوحيدة لتمويل إنتاج الفيلم.
وفي بيانها بصفتها مخرجة الفيلم، كتبت: «بصفتي أمريكية، كان عليّ أن أتحدث. نحن متواطئون بشكل كبير في هذه الحرب، إنها ليست حرب إسرائيل على غزة فحسب، بل هي حرب أمريكا أيضًا، حيث تُستخدم مليارات الدولارات من الأسلحة الأمريكية لقتل الأطفال والأبرياء... هذا الفيلم هو طريقتنا لتكريم من فقدناهم، والدفاع عن الأحياء. إنه يتعلق بالشهادة، ومواجهة السلطة بالحق، ورفض غض الطرف».
لا يبدو الفيلم منفصلًا عن التحول الشخصي الذي مرت به بوه سي تينغ قبل إخراجه؛ فالمخرجة التي أمضت سنوات في العمل الإعلامي، ثم وجدت نفسها عاجزة عن مواصلة عملها بالكلمات وحدها، تنقل هذا الشعور بالعجز إلى سؤال سينمائي: ماذا يمكن أن تفعل الصورة حين تصبح الكلمات غير كافية؟
من هنا، لا يبدو الفيلم مجرد محاولة لتوثيق تجربة ثلاثة أطباء أمريكيين تطوعوا في غزة، بل يتحول إلى وسيلة للمواجهة والشهادة، اختارتها المخرجة للتعبير عن موقفها من الحرب ومسؤولية الولايات المتحدة عنها.
ويظهر هذا الموقف بوضوح في النهاية، حين تختار المخرجة عرض مجموعة من المشاهد التي تجمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مستعرضة الدعم القوي الذي يتلقاه نتنياهو. وبالتوازي مع هذه المشاهد، ينتقل الفيلم إلى لحظة قصف عمال الإغاثة، في بناء بصري يوحي بأن اليد التي نفذت القصف ليست يد الجنود الإسرائيليين وحدهم، وإنما تقف وراءها قوة أكبر، حاضرة أمام العالم.
ومن ثم، لا تنتهي الحكاية بانتهاء مهمة الأطباء في المستشفى، بل تبدأ مرحلة أخرى من الصراع، يحاولون خلالها نقل ما شاهدوه إلى جمهور لم يعاين الحرب بنفسه.
وهنا يتقاطع مسار الأطباء مع تجربة المخرجة؛ فكلاهما يغادر موقعه الأول ليتخذ من الشهادة وسيلة لمواجهة ما يراه إخفاقًا أو تواطؤًا. وإذا كان الأطباء يستخدمون خبرتهم الطبية وشهاداتهم الميدانية، فإن بوه تستخدم أدوات السينما لتجعل هذه الشهادات قابلة للرؤية والاستماع، وتضعها في سياق سياسي يتجاوز حدود التجربة الفردية.