تتربع الكتب المصورة على قائمة أكثر أنواع الكتب المحببة إلى الأطفال، لما تتمتع به من تصاميم جذابة وألوان لافتة تشد انتباههم، لكنها لا تعد مجرد وسيلة للترفيه أو لتسلية وقت الطفل بل تعد واحدة من أهم أدوات التكوين الوجداني والمعرفي في سنواته الأولى، ومن هنا تبرز أهمية التغذية البصرية التي تقدمها الكتب المصورة ودورها في تشكيل وعي الطفل وإدراكه للعالم من حوله.
الأهمية التربوية للكتب المصورة
قالت المرشدة النفسية وأخصائية تعديل السلوك سالي أسامة في حديثها لـ"الشروق"، إن الكتب المصورة تسهم في دعم العملية التعليمية لدى الطفل، حيث تساعده على تعلم المفاهيم الأساسية مثل الأشكال والألوان والأرقام والكلمات الأولى بطريقة ممتعة وبسيطة، بالإضافة إلى أنها تتيح مساحة واسعة لتنمية خيال الطفل وتدفعه إلى تخيل الأحداث واستكمال القصة وربط الصور بالنص، وهو ما يعزز قدرته على الإبداع والتفكير وتنمية مهارات التركيز والانتباه، وتوسيع مداركه وتشجيع الطفل على طرح الأسئلة والاكتشاف.
كما أكدت دورها التربوي في غرس القيم والسلوكيات الإيجابية بطريقة غير مباشرة وسلسة من خلال الصور والقصص البسيطة، مما يجعلها أداة تعليمية فعالة تكمل دور الأسرة والمدرسة في بناء شخصية الطفل منذ سنواته الأولى.
رسام كتب الأطفال وتأثيره
وأشارت رسامة كتب الأطفال ندى رضوان في حديثها لـ"الشروق، إلى أن رسام كتب الأطفال هو فنان شامل في المقام الأول، يمتلك أدوات فنية أكاديمية مثل التشريح، وتصميم الشخصيات والإخراج البصري. لكن ما يميزه حقا عن أي رسام آخر هو قدرته على التأثير في الطفل نفسيا ووجدانيا، فالرسم هنا لا يمكن اعتباره مجرد ترجمة حرفية للنص بل إعادة صياغة له بصريا بحيث ينقل ما كتب وما لم يكتب.
كما أضافت أن الرسام عادة ما يواجه تحديا حقيقيا عند تقديم مفاهيم معقدة مثل الفقد أو قلق الانفصال إذ يجب أن تصل الرسالة للطفل بطريقة بصرية آمنة وغير صادمة، بما يسمح للطفل بالفهم دون خوف أو نفور ويمنحه مساحة للتعاطف والتخيل.
لكل مرحلة عمرية لغتها البصرية
وأوضحت رضوان، أن التغذية البصرية لا يمكن أن تكون واحدة لكل الأطفال، فلكل مرحلة عمرية خصائصها. ففي كتب اليافعين على سبيل المثال يميل الرسم إلى الواقعية خاصة أن أبطال القصص غالبا ما يكونون مراهقين، وتصبح النسب الجسدية والمنطق البصري عاملا حاسما لأن القارئ في هذه المرحلة يرفض المبالغات الكرتونية ولا يحب أن يعامل كطفل صغير.
أما طفل ما قبل المدرسة، فيميل إلى التجريد والوضوح أكثر من اهتمامه بالتفاصيل المعقدة كالظل والنور، وما يهمه هو التعرف على العنصر الأساسي كأن تكون للقطة أذنان وشارب وعينان مميزتان تفرقها شكليا عن أي حيوان آخر، كما تستخدم غالبا الخلفيات البسيطة أو السادة حتى لا يتشتت انتباه الطفل عن بطل القصة. كما يجب أن تصمم الشخصية بشكل بسيط ومحبب يسمح للطفل بتقليده ورسمه بنفسه دون شعور بالإحباط، وهو ما يعزز ثقته بنفسه وقدرته على التعبير.
هوية الفنان وربط الطفل بثقافته المحلية
ووصفت ندى رضوان الرسام بأنه هوية تمشي على قدمين، مؤكدة أن بصمته تفرض نفسها على أعماله مهما اختلفت القصة أو البيئة الثقافية وهو ما يسهم في ربط الطفل بالبيئة المحيطة به. فالفنان الصادق لا يستطيع الانسلاخ عن روحه بل يطوع العناصر البصرية لخدمة أسلوبه الخاص. ويعد الفنان الراحل إيهاب شاكر رائد رسوم كتب الأطفال في مصر مثالا واضحا على ذلك فعندما رسم خارج مصر وتحديدا شخصية "دانة" الفتاة الخليجية، حافظ على بصمته المصرية التي تجلت في العيون اللوزية والملامح المتأثرة بالفن الشعبي دون الإخلال بالهوية المحلية للشخصية. وهو ما يبرز قدرة القصص المصورة على تناول معالم ثقافية واضحة من خلال العمارة والبيوت والأزياء وهو ما يسمح للفنان بمساحة للإبداع ويمكنه من التعبير عن هويته ونقلها إلى الطفل بسلاسة.