كيف صنعت المخاوف الاجتماعية أساطير»مصّاصى الدماء والموتى «الأحياء فى كتاب جديد - بوابة الشروق
الأربعاء 28 يناير 2026 7:15 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

كيف صنعت المخاوف الاجتماعية أساطير»مصّاصى الدماء والموتى «الأحياء فى كتاب جديد

منى غنيم:
نشر في: الجمعة 26 ديسمبر 2025 - 8:18 م | آخر تحديث: الجمعة 26 ديسمبر 2025 - 8:18 م

ظهرت كلمة «مصاص دماء» للمرة الأولى فى اللغة الإنجليزية فى أوائل القرن الثامن عشر، فى سياق تقارير مثيرة عن موجة هلع اجتاحت صربيا بسبب ما عُرف آنذاك بـ «العائدين من الموت»، وكانت إحدى أشهر هذه الوقائع تعود إلى إشاعة اجتاحت البلدة عام 1725 تتعلق بأحد الفلاحين يُدعى بيتر بلاجوييفيتش، كان قد وافته المنية ثم قيل إنه نهض من قبره، وزار زوجته مطالبًا بحذائه، ثم قتل تسعة أشخاص تحت جناح الليل.
وعندما نُبشت جثته، وُجد فمه ممتلئًا بدم طازج، فقام القرويون بغرز وتد فى جسده ثم أحرقوه، وبعد ذلك بعشرين عامًا، نشر رجل الدين البريطانى، جون سوينتون ، كتيبًا مجهول الاسم بعنوان «رحلات ثلاثة نبلاء إنجليز من البندقية إلى هامبورج»، جاء فيه النص الآتى: «يُعتقد أن مصاصى الدماء هؤلاء هم أجساد أشخاص متوفون تحركها أرواح شريرة، تخرج من القبور ليلًا وتمتص دماء الأحياء فتقضى عليهم»، ومن هنا، كما يوحى النص، وُلدت الأسطورة الحديثة التى نعرفها إلى يومنا هذا.
وبيّن المؤرخ وعالم الآثار البريطانى، جون بلير، عبر صفحات كتابه الجديد بعنوان «قتل الموتى: أوبئة مصّاصى الدماء من بلاد الرافدين إلى العالم الجديد» أن هذه الأسطورة ليست حديثة ولا حكرًا على أوروبا، وقال إن الإيمان بالموتى القلقين أو «غير المستقرين فى أماكنهم بعد الوفاة» يظهر فى ثقافات وعصور متعددة عبر التاريخ، وقد يظل ذلك الاعتقاد كامنًا لقرون قبل أن ينفجر فى شكل «هيستيريا جماعية»، كما حدث فى صربيا.
واعتمد المؤلف فى بحثه على الأدلة الأثرية؛ مثل جثث قُطعت رءوسها أو سُمّرت فى توابيتها؛ ففى بولندا فى القرن السادس عشر على سبيل المثال، دُفنت امرأة بعد وضع منجل قائم على عنقها، وقُفل إصبع قدمها الكبير بقفل حديدى، واستنتج «بلير» من هذه التصرفات أن أحدًا ما أراد التأكد من بقاء هؤلاء فى قبورهم.
وأظهر الكتاب أن التصنيف الشائع اليوم بين ما يعرف بـ «الزومبى» و«مصّاصى الدماء» وغيرها من كائنات الرعب تصنيف حديث نسبيًا؛ فهذه كلها، فى نظر «بلير»، تنويعات على فكرة قديمة واحدة؛ ألا وهى أن الموتى قادرون على النهوض من القبر وإيذاء الأحياء، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
وأوضح أن لهذا السبب يطلق عليهم تسميات جامعة مثل «الجثث الخطرة»، أو «الموتى القلقون»، أو «الموتى السائرون». ومع ذلك، تتخذ هذه الكائنات أشكالا متعددة، فهناك فمنهم من يُصوَّرون وهم ينهشون أكفانهم داخل القبور، ومنهم من يُنسب إليهم صوت امتصاص أو مصٍّ غامض صادر من الجثة، وآخرون يُتَّهمون باستنزاف دماء الأحياء. وهناك أيضًا من وُصفوا بتضخّم الجسد وانتفاخه بعد الموت، أو قُدِّموا فى صورة صيادين ملعونين يجوبون الليل ناشرين الأذى، بالإضافة إلى «خنّاقى الليل» أو «الجاثوم»، أى الكيان الشيطانى الذى يجثم على صدر النائم فى الظلام.
وأورد «بلير» مثالًا من منطقة «بريتانى» شمال غرب فرنسا فى القرن الخامس عشر لأسطورة عن خباز ميت كان ينهض ليلًا ليساعد عائلته فى عجن العجين، لكنه كان أيضًا يجوب البيوت الأخرى قاذفًا الحجارة على الناس، وحتى القرن التاسع عشر فى نيو إنجلاند، كان من يموتون بالسل يُشتبه فى أنهم يقتلون غيرهم من قبورهم، فتُنبش جثثهم وتُحرق.
ورأى «بلير» أن قتل الموتى مرة أخرى كان يُنظر إليه بوصفه فعلًا علاجيًا؛ فمثل هذه المعتقدات فى الثقافات المختلفة قد تظل كامنة تحت السطح لفترات طويلة، لكن موجات «قتل الجثث الميتة بالفعل» لا تتفشى إلا عندما تتغذى منظومة الاعتقاد القائمة على ضغوط ومخاوف محددة. ففى إنجلترا مثلًا فى أوائل العصور الوسطى، ارتبطت أوبئة مصّاصى الدماء بموجات الطاعون الأسود. وفى ساكسونيا لاحقًا، أدّى إلغاء عقيدة المطهر مع الإصلاح اللوثرى إلى حرمان العائلات الثكلى من تصوّر دينى وسيط يخفف قلقهم بشأن مصير موتاهم.
أما أوسع موجة هلع موثّقة لقتل الجثث، والتى شملت مئات الأجساد، فقد شهدتها مورافيا - التشيك - حاليًا فى القرن الثامن عشر، ورأى «بلير» أن هذه الممارسات كانت انعكاسًا لقلق اجتماعى متراكم، خلّفته عقود من محاكمات الساحرات. وبعد انحسار هذه الموجة، بدأت تظهر تقارير عن مصّاصى الدماء فى ترانسيلفانيا.
وخلص «بلير» إلى أن هذا «العلاج القاسى» كما أسماه لم يُطوَ بعد فى صفحات التاريخ؛ فهو يقول إن قتل الموتى مرة أخرى، كغيره من الطقوس المتطرفة، يكون مؤلمًا أثناء ممارسته، لكنه يخلّف شعورًا بالارتياح لاحقًا. ولا تزال هذه الممارسات، بحسب الكتاب، تظهر فى بعض المناطق الريفية من اليونان ودول البلطيق، بل إن كاهنًا صربيًا أُوقف عن عمله عام 2019 للمشاركة فى نبش جثة إحدى السيدات وغرز وتد فيها.
كما لم يغفل «بلير» الحديث عن أشهر مصاص دماء فى تاريخنا المعاصر؛ الكونت «دراكولا» الذى يعد وليد خيال الروائى الأيرلندى برام ستوكر؛ والذى يعتبر لدى كثيرين أشهر أيقونة رعب بامتياز، ولكنه اكتفى بالقول إنه يعد خيالًا مختلفًا عن «الجثث السائرة» التى يؤمن البعض بوجودها فعلًا فى بعض الثقافات، كما أشاد بالكاتب الأيرلندى الراحل فى صياغته البارعة لكلمة «الموتى الأحياء»، التى انتشرت كالنار فى الهشيم بعدها فى قصص الرعب والأفلام السينمائية حتى يومنا هذا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك