ما أحلى الرجوع إليها - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الأربعاء 17 أغسطس 2022 12:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

ما أحلى الرجوع إليها

نشر فى : الجمعة 1 يوليه 2022 - 8:45 م | آخر تحديث : الجمعة 1 يوليه 2022 - 9:15 م
حين هاتفني الأستاذ الغالي جميل مطر سائلا عما إذا كنت أرغب في العودة إلى الكتابة لصفحة الرأي في جريدة الشروق، جرفتني اشتياقات ثلاثة إلى الشعور بالسعادة البالغة والرد الفوري بالإيجاب.
الاشتياق الأول هو إلى استئناف الكتابة لجريدة ذات مصداقية وتميز تصدر من أرض بلادي ويقوم عليها محررون وصحفيون محترمون يهتمون بقضايا وأحوال أهلنا ويقاربون تحولات الإقليم المحيط بنا والعالم من حولنا بعيون مصرية.
والاشتياق الثاني هو إلى تجديد التواصل المباشر مع قراء الشروق ومن خلالها مع قراء الصحافة المصرية الذين افتقدتهم بشدة خلال السنوات الماضية وخسرت أفكاري الكثير من جراء انقطاعها عن الاشتباك معها تفنيدا وتصويبا ودفعا إلى آفاق جديدة.
أما الاشتياق الثالث فهو إلى صفحة الرأي التي يربطني بمحررها "عشرة وصداقة عمر" وأقف منه موقف التلميذ من أستاذه منذ تعرفت عليه في ثمانينيات القرن الماضي أثناء الدراسة الأولى للعلوم السياسية في جامعة القاهرة. ضم الأستاذ جميل على مدار سنوات الشروق كوكبة رائعة من الكتاب إلى صفحة الرأي وأثرى من خلال إسهاماتهم المتنوعة النقاش العام في مصر ويشرفني للغاية أن أستأنف النشر في أوساطهم.
هي، إذا، وبعد سنوات من الغربة العودة إلى بيتي الصحفي، جريدة الشروق، كما أكدها لي أيضا الصديق العزيز عماد الدين حسين رئيس التحرير بدعوة كريمة للكتابة الأسبوعية (أيام السبت).
• • •
ما أشبه الليلة بالبارحة، قلت لنفسي ما أن شرعت في التفكير في هوية ووجهة مقالاتي القادمة للشروق. حين صدرت الجريدة في ٢٠٠٩ وكنت من بين كتاب رأيها، توافقت مع إدارة التحرير التي ترأسها الراحل العظيم الأستاذ سلامة أحمد سلامة (١٩٣٢-٢٠١٢) على التركيز على تداعيات القضايا الإقليمية والدولية على الشؤون المصرية. كان محل عملي آنذاك هو مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان في اشتباكي مع دنيا مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وأوروبا فرصة لاطلاع القراء الأعزاء على ما يدور من حولنا وما تحمله تحولات الإقليم والعالم من فرص وتهديدات لمصر وأمنها وتقدمها. واليوم وغربتي عن الشروق تزول، أستأنف الكتابة لها وأن أدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي وأشرف على فريق من الباحثات والباحثين يفكر في تحديات التغير المناخي والأمن الإنساني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في إقليمنا والأدوار التي تلعبها القوى الكبرى من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين وروسيا.
لذا، فإنني على قناعة تامة بأهمية تناولي لتداعيات القضايا الإقليمية والدولية علينا مع تطوير إسهامات المقالات القادمة باتجاه إضافي هو التفكير في سبل الحد من مخاطر ما يدور حولنا على مصر وتعظيم فرص الاستفادة الوطنية من عالم يتغير بسرعة على وقع الكوارث البيئية المتصاعدة وجائحة كورونا المستمرة وشبح الكساد الاقتصادي القادم والحرب الروسية على أوكرانيا وتغير التحالفات الإقليمية والدولية.
غير أن بعضا من الليلة لا يشبه البارحة. فبين البداية في ٢٠٠٩ والعودة في ٢٠٢٢، جرت مياه كثيرة في مساري المهني بين تفاعل مباشر مع الشأن المصري لسنوات ثم ابتعاد عنه لسنوات، بين حضور إعلامي وسياسي لسنوات قيمها الناس سلبا وإيجابا وابتعاد متعمد ومدروس عن الحضور لسنوات في غربة مارست بها النقد الذاتي لمجمل دوري واجتهدت لأخذ من نارها قبسا ينير الرؤية ويجدد الفكر، بين البحث والتدريس في جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية بالقاهرة لسنوات وبين انتقال محل العمل البحثي والأكاديمي إلى جامعات متعددة في الولايات المتحدة وأوروبا لسنوات.
حين خاطبتني الشروق للعودة إليها، كان من بين خواطري الأولى هو إنني اكتشفت خلال السنوات الماضية فضيلة الصمت (فالغربة هي دار صمت أبدي مهما تعالت الأصوات من حول المرء) وأهمية التفكير الهادئ وضرورة مد النظر إلى ما وراء الأحداث الجارية والإلمام بخلفياتها ونتائجها دون التورط في التعليق السريع عليها أو تقييمها غير الموضوعي. لذا فإنني لن أوظف المقالات القادمة للثرثرة حول أحداث الساعة، بل سأعمل جاهدا على تناول القضايا المحورية في مصر والإقليم والعالم مستدعيا المعلومات والحقائق المتوفرة.
كان من بين خواطري أيضا هو إنني خلطت في سنوات الحضور الإعلامي والسياسي في مصر بين لغة المشارك المباشر والمتعجل لتقييم ما يدور في وطنه وبين لغة الدارس الأكاديمي والباحث المراقب الذي ينقب عن المعلومة والحقيقة قبل بناء الرأي وإصدار التقييم. وقد سبب ذلك ارتباكا في لغة مقالاتي الصحفية وتعليقاتي العلنية على شؤون المحروسة (في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي) أعترف به وأعتذر عنه من القراء الكرام وأعد بالابتعاد عن التورط به مجددا. بإيجاز أقول إنني لست راغبا في ألا أكون مفهوما ولا أريد التحذلق والفذلكة لإيهام الناس بالعلم والدراية، بل سأتعامل مع مقالات الشروق كمساحات لعرض واضح للأفكار التي تشرح الإقليم والعالم لمصر وتتفاعل مع أحوال بلادنا بعين تنظر إلى القضايا الحاكمة لأمننا وتنميتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

غير أن خاطرة إضافية ترد هنا. فقد ابتعدت عن الحياة في الوطن خلال السنوات الماضية (منذ ٢٠١٥). وتراجع بكل تأكيد إلمامي بتفاصيل شؤون المواطن والمجتمع والدولة. ولا أملك فيما يتعلق بالواقع الراهن سوى معرفة مستمدة من الأرقام والبيانات والخطط والقرارات والقوانين والوثائق والموازنات والبرامج. ويغيب عني التواجد بين الناس والاستماع إلى أفكارهم وآمالهم ومخاوفهم، ويغيب أيضا التواصل مع صناع القرار في المؤسسات الرسمية ومع صناع الرأي والفاعلين في المجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام. لذا، وأنا اليوم أقف على عتبة باب أمل العودة إلى بيتي الكبير مصر واستعادة التواصل مع أهلها الطيبين، لا أريد أن أتعجل في تناول أحوال المحروسة في المقالات القادمة إلى أن أتيقن، من جهة، بتوفري على شيء من الإلمام الموضوعي بالكثير الذي حدث خلال السنوات الماضية وأستمع، من جهة أخرى، في صمت وهدوء إلى رؤى وتقييمات المسؤولين الحكوميين وصناع الرأي خارج الدوائر الرسمية وعموم الناس دون تقييمات مسبقة أو ثرثرة متعجلة.
• • •
نحن أمام لحظة فارقة عالميا وإقليميا ومصريا. عالميا، يتسارع صراع القوى الكبرى على النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي وتداعيات التغير البيئي على المجتمعات المعاصرة وشبح الركود الاقتصادي. إقليميا، تتفاوت حظوظ بلدان الشرق الأوسط في ظل الارتفاعات القياسية لأسعار الطاقة والغذاء وإعادة الصياغة الجارية اليوم للتحالفات الإقليمية. مصريا، نحن أمام إجادة الحكومة المصرية في إدارة تحديات مكافحة الإرهاب واستعادة أمن البلاد وتحقيق معدلات تنمية اقتصادية مرتفعة ومد شبكات الضمان الاجتماعي وفي معية التهديد الوجودي المستمر الذي يمثله التعنت الإثيوبي بشأن سد النهضة وأزمة الدين الخارجي وتحديات التغير البيئي الذي تترأس مصر قمته العالمية في الخريف القادم وقضايا للحقوق والحريات تستحق المعالجة. إزاء كل ذلك، سأعمل جاهدا على أن تأتي مقالات الشروق القادمة هادئة في لغتها وموضوعية في طرحها وباحثة بالمعلومة والحقيقة والفكرة عن سبل رفعة مصر وضمان أمنها وتنميتها.

ذلك عهدي معكم، قراء الشروق الكرام. فما أحلى العودة إليكم وإليها.
عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات