«شجو الهديل».. بيت ومنور ومدينة قاسية - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أبريل 2024 7:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«شجو الهديل».. بيت ومنور ومدينة قاسية

نشر فى : السبت 2 مارس 2024 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 2 مارس 2024 - 9:40 م
طرأت على ذهنى أفكار كثيرة، بعد أن فرغت من قراءة هذه النوفيلا البديعة، تتعلق كلها بما وراء هذه البساطة الظاهرة، والتكثيف السردى، واللغة الآسرة، وذلك المزيج الذى تجد فيه موسيقى الشعر، والاحتفاء باللحظة، كما فى القصص القصيرة، دون أن نفتقد تعدد الخطوط والشخصيات والأصوات، مثلما تفعل الروايات.
أتحدث عن نوفيلا «شجو الهديل» لجار النبى الحلو، الصادرة عن دار العين، والتى تتعامل مع شخصيات عادية، فى بناية عادية، تحكى عنهم بأبسط طريقة، ولكنك، لو تأملت قليلا، لوجدتها بساطة ممتنعة، ضمن تصميم فنى منضبط، منح النص، بانتقالاته المونتاجية القصيرة، شكل اللوحات الملونة المكتوبة. وبينما تبدو الشخصيات والأحداث واقعية وحزينة، تغلب عليها درجات الرمادى والأسود، فإن المعالجة رومانتيكية، تعنى بالعاطفة، وبالحلم، وبالرغبات، وتستعير هديل الحمام، للتعبير عن الأحوال والأشجان.
أقول إن هناك تصميما بارعا، ومزيجا معقدا، وراء هذه البساطة، ليس فقط بالمزج بين أصوات الشخصيات المتكلمة، وتدخل الراوى العليم للتوضيح إذا لزم الأمر، ولكن التصميم أيضا فى فكرة وضع عمارة الطوابق الخمس، بشققها وسكانها وسطحها، فى مواجهة المنور الذى يقيم فيه فتحى، المقبل من الريف، والذى صنع من المكان عالما مستقلا، أضافت له اعتماد، بائعة الجبن واللبن، عنزة وحمامات، تمتلئ بالحياة.
الصراع فى النص، ليس داخل الشخصيات، أو مع بعضها البعض، أو مع المرض والفشل فقط، ولكنه بالأساس صراع المنور مع العمارة، وصراع الهديل مع شتائم وفظاظة عبدالسلام صاحب البيت والدكاكين، بل لعله أيضا صاحب المدينة، التى يواجهها الريف الكامن داخل فتحى.
ورغم أن فتحى فقير، يعانى من ضعف الرؤية، إلا أنه يحمل براءة وفطرية عذبة، وهو قادر على صنع الحياة فى أضيق مساحة، ورغم أن تعاون وتضامن سكان البناية فى تجهيز المنور، وتحويلة إلى شقة لفتحى، يوهمنا بأن كل شىء على ما يرام فى المدينة، إلا أن البناية سرعان ما تتفكك، فتكشف عن تعاسة عميقة، ونصبح أمام قصص قصيرة متداخلة، فى إطار سردية أكبر، وأكثر تعقيدا.
كان من الممكن أن يخصص الكاتب فصلا لكل شقة، ولكل شخصية، ولكنه اختار ما هو أصعب، بأن يمزج الحكايات معا، بحيث تتداخل أصوات عدة شخصيات، تتحدث بضمير المتكلم، ويتحدث فتحى أيضا عن نفسه، وكأنه لحن «بوليفونى» مركب، يبرز التناقض بين المنور والبناية، فيخفف عالم فتحى، المفتوح نظريا على السماء، من حكايات أرضية ثقيلة ومؤلمة، تعانيها فتاة تنتظر الموت بالسرطان، وتختبرها فتاة يطاردها شبح العنوسة، وناظر مدرسة يواجه الفراغ بعد سن المعاش، وشاب يبحث عن عدالة سعيد مهران، فى مواجهة أب جشع ومسيطر، وسيدة اختفى زوجها فى العراق، عليها تربية ابنها، ودفع الإيجار فى ظروف صعبة، وشيخ غامض منعزل يختفى فجأة، ويبحث عنه رجال الشرطة.
إنها المدينة فى بناية، وقد اقتحمها فتحى واعتماد، وعنزة وأزواج حمام، وإنه التعقيد فى مواجهة البساطة المفرطة. ما الذى جاء بالحمام إلى هذه المعركة؟
وكيف يمكن رسم تلك اللوحة، واقعا وحلما، سوى بهذا المزيج، الذى لا يسرف فى التفاصيل، ويأخذ فقط ما تحتاجه اللوحة، وإلا صار النص قاتما، وسوداويا، وليس ذلك هدف الحكاية، التى تريدك أن تتأمل تلك التناقضات، وأن ترى الصورة بجانبيها، وأن تضع القسوة فى مواجهة البراءة، وأن يشهد الهديل على الحكاية.
يلفت النظر أيضا عدم اكتمال كل حكايات الحب: يهرب الرسام من حبيبته، يترك لها لوحة تعلقها على الحائط، وترفض مريضة السرطان أن تنقل المأساة لحبيبها، ويبدو معيد الجامعة أضعف وأكثر ترددا من الطالبة التى تعشقه.
نساء الرواية قويات على وجه العموم، يعرفن طريقهن، وأكثر قدرة على المبادرة، حتى «اعتماد»، تجلب معها حياة إضافية إلى شقة المنور.
لا يحفل جار النبى الحلو إلا باختيار اللحظات المهمة، وكأنه يستخدم تكنيك القصة القصيرة داخل النص، مثلما يستخدم تكنيك المونتاج السينمائى، ومن أمتع فصول الكتاب تعبيرا عن هذا التكنيك، الفصل الذى يحمل عنوان «الصدى»، والذى لا يزيد عن أجزاء من مكالمات تليفونية، تتحدث فيها شخصيات محددة، وتلخص أحداثا وأزمنة طويلة، وهنا يتأكد انه ليس معنيا سوى بالأجزاء الهامة، وباستخدام اللون الذى يريد، وبالقدر المطلوب اللازم لاستكمال اللوحة.
أما اللغة فهى تترجم البساطة، مثل حكاء شفاهى شغوف بالسرد، دون ثرثرة، أو إسهاب، لا يفلت إيقاع الفقرة، ولا يتجاهل شاعرية الصورة، ولكن بعيدا عن الاستغراق والاستطراد، لأننا يجب ألا ننسى أيضا أننا فى قلب الواقع.
هكذا يمكن أن تجد وصفا تفصيليا مثل: «انزوى فتحى فى ركن وشد عليه البطانية، ودفس قدميه فى جورب صوف، يسميه جورب الشتاء، وبص للسماء عاليا، ما زالت السحب تتكاثف، ثم تمضى كاشفة عن شمس وضوء يحط فى المنور»، وتجد فقرات أخرى مطرزة بكلمات الأغانى، أو باستدعاء مذاق الشعر مثل: «يطير الحمام، ويحط الحمام»، وتتكرر فى أحد الفصول مثلا عبارة: «ويتعالى هديل الحمام»، لتكسر عادية السرد، ولتصنع فاصلا يخلخل واقعية جامحة.
هنا مزيج عجيب، يزاوج بين تفاصيل الحياة، والتعبير الشاعرى عنها، يأخذ من فصحى الكتابة، ويأخذ من عامية متداولة وفصيحة فى نفس الوقت، لاحظ مثلا كلمات «دفس» و«بص» و«حط» مع كلمة «جورب»، ولاحظ كذلك كيف تمتلك الفقرة إيقاعا موسيقيا، فيسهل الانتقال إلى فصل هديل الحمام، بفواصله الذى تطمح أن تسمعك صوت الهديل.
ربما يكون سر تأثير هذه النوفيلا فى أنها تقع على تخوم أساليب وقوالب وطرق شتى للمعالجة الفنية، تناسب مقابلاتها وحكاياتها وشخصياتها، تؤثر عاطفيا، ولكنها تترك مساحة للتأمل، تبدأ بالمنور، ثم تنتقل إلى شقق البناية، لتفتح على سوق المدينة، عندما يبحث فتحى عن اعتماد.
وهكذا يعطينا عنوان الرواية مفتاحها: هذا واقعنا القاسى، بعين حمامة تهدل، غير مبالية بمؤامرة تدبر لذبحها.
محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات