تحركات مارس: بين الخليجين والنقب - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الخميس 30 يونيو 2022 3:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

تحركات مارس: بين الخليجين والنقب

نشر فى : السبت 2 أبريل 2022 - 8:50 م | آخر تحديث : السبت 2 أبريل 2022 - 8:50 م

تعددت فى شهر مارس المنتهى لتوه الاجتماعات بين مجموعات صغيرة من الدول العربية فيما بينها ومع كل من إسرائيل والولايات المتحدة. عند ملتقى خليجى السويس والعقبة، فى مدينة شرم الشيخ. اجتمع رئيس الجمهورية، الرئيس عبدالفتاح السيسى يوم الثلاثاء 22 مارس، مع رئيس الوزراء الإسرائيلى نفتالى بينيت وولى عهد أبو ظبى، الشيخ محمد بن زايد.
بعدها بأربعة أيام، يوم السبت 26 مارس، فى العقبة، على خليجها، اجتمع الملك عبدالله ملك الأردن مع الرئيس السيسى وكل من رئيسى الوزراء العراقى مصطفى الكاظمى والشيخ محمد بن زايد، فى حضور وزير سعودى. هذه القمة جمعت إذن الأردن ومصر والعراق أى الدول الثلاث التى أطلق على تجمعها مصطلح «الشام الجديد» إلى جانب الإمارات. ولم يمض يومان إلا وكان وزير الخارجية الإسرائيلى يستقبل فى يوم 28 مارس فى سديه بوكر فى صحراء النقب وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمغرب، ومصر. لم يعلن عن مشاركة الوزير المصرى مقدما وهو ما قد يعنى أنها تقررت فى آخر دقيقة، وإن كان قد رشح أن التأخر فى الإعلان عنها رجع إلى اعتراض مصر على انعقاد الاجتماع فى مدينة القدس، باعتبار أن فى ذلك اعترافا بضم إسرائيل للمدينة فى مخالفة للشرعية الدولية، حتى عالجت إسرائيل هذا الاعتراض بنقل الاجتماع إلى صحراء النقب، وفى سديه بوكر بالذات، حيث عاش ودفن مؤسس إسرائيل، ديفيد بن جوريون. كُتِبَ الكثير فى الأسبوع الأخير عما يحمله من رمز «دعوة» العرب إلى هذا المكان بالذات، ولذلك فإننا سنمسك عن التعليق عليه.
هذا المقال هو ما يمكن تحليله عن الاجتماعات الثلاثة وهو يركز على آخرها، ثم يبدى بعض التعليقات.
•••
لا يمكن للمراقب أن يتوقع معرفة ما دار بالضبط فى الاجتماعات المذكورة. عمليات صنع السياسات ليست مكشوفة للكافة. هذا مفهوم. ولكن حتى الموضوعات التى دار النقاش حولها فى هذه الاجتماعات ليست واضحة تماما لأى مراقب. لم تصدر بيانات ختامية عن الاجتماعات، وخرج كل طرف بتصريح بشأن كل منها. القمة الرباعية المنعقدة فى العقبة وصفها الديوان الملكى الأردنى بأنها مجرد لقاء تشاورى «تناول سبل تطوير العلاقات بين الدول الشقيقة». البيان المصرى كان أكثر إفصاحا فذكر أن اللقاء الرباعى تناول «سبل تعزيز علاقات التعاون المشترك بين الدول الأربع فى كل المجالات، بخاصة التجارية والاقتصادية. وجرى تبادل لوجهات النظر حول مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية على المستويين الإقليمى والدولى، بخاصة ما يتعلق بمواجهة تداعيات الظروف العالمية الحالية على قطاعات الأمن الغذائى والطاقة والتجارة». وذكر بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقى أن «الاجتماع بحث تطورات الأزمة الاقتصادية العالمية، وسبل مواجهة تداعياتها، والتصدى لتحديات الأمن الغذائى عبر التنسيق بين دول المنطقة، بما يحقق مصالح شعوبها». البيانان المصرى والعراقى متقاربان، ولكنهما يبعدان عن البيان الأردنى الذى أشار إلى كل العلاقات بين الدول المجتمعة. ألم يناقش الرؤساء المجتمعون فى العقبة الاجتماعيين التاليين المنعقدين فى خلال أقل من أسبوع واحد؟ التساؤل يبدو مشروعا غير أن الرد عليه ليس متاحا.
أما القمة المصرية الإماراتية الإسرائيلية، فالمتحدث المصرى قال فى بيان أنها بحثت تداعيات الحرب فى أوكرانيا «خصوصا فيما يتعلق بالطاقة والأمن الغذائى». بعبارة أخرى، هذه القمة الثلاثية امتداد لقمة العقبة الرباعية العربية. فى المقابل وكالة الإمارات الرسمية للأنباء قالت أن القمة تناولت «تعزيز العلاقات بين الدول وأهمية التعاون والتنسيق والتشاور بما يلبى طموحات التنمية والاستقرار فى المنطقة، وأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية». أما البيان الإسرائيلى فقال أن المحادثات الثلاثية تناولت «العلاقات الثنائية ووسائل تدعيمها على كافة المستويات». يلفت النظر فى هذا البيان الإشارة إلى العلاقات الثنائية، وليست الثلاثية، ولكن الأهم هو أن إسرائيل تحدثت عن أن القمة تناولت كل العلاقات وعلى كافة المستويات. بينما حصرت مصر مجال المحادثات فى موضوعات قطاعية محددة، رغبت إسرائيل فى التنويه بأنها شملت المسائل السياسية على كل مستوياتها.
الاختلاف فى تقدير نتائج الاجتماعات انسحب أيضا على اجتماع النقب، الذى اعتبر قمة لتفخيمه وهو ليس بقمة. الاختلاف جلى فى مواقف الأطراف الإقليمية الخمس من الاجتماع ومما توصل إليه. فى الوقت الذى قال فيه وزير الخارجية المصرية أن الاجتماع لم يكن لبناء تحالف ضد طرف معين وأن مشاركة مصر فيه كانت بهدف تعزيز السلام، وشدد على أهمية حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين على أساس «حدود» سنة 1967، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلية أن «تعزيز العلاقات بين إسرائيل والشركاء العرب سيردع إيران». بعبارة أخرى الوزير الإسرائيلى قال صراحة أن مجمل العلاقات العربية الإسرائيلية موجه لتحقيق هدف ضمنى مشترك هو ردع إيران، مضيفا أن «ما نقوم به هنا هو صنع التاريخ وبناء هيكل إقليمى جديد قائم على التقدم والتكنولوجيا والتسامح الدينى والأمن والتعاون الاستخباراتى. هذه التركيبة الجديدة والقدرات المشتركة التى نبنيها، ترهب وتردع أعداءنا المشتركين». وزيرا الخارجية البحرينية والإماراتية كانا أكثر حرارة تجاه إسرائيل من زميلهما المصرى. الوزير البحرينى قال أنه يجب البناء على المبادئ التى أوصلت بلاده إلى الاتفاق مع إسرائيل وأنه ينبغى خلق تعايش فعلى مستدام معها. الوزير الإماراتى، وكأنما يقول أننا لسنا أول العرب فى التعامل مع إسرائيل، حرص على الإشارة إلى أن مصر وقعت اتفاقا للسلام مع إسرائيل منذ 43 عاما وأن هذه السنوات التى مرت دون التعرف على إسرائيل هى سنوات «خسرناها»، فإسرائيل كانت موجودة «ولم نكن نعرف بعضنا بعضا وآن أوان تعويض الوقت الضائع». الوزير المغربى هو وحده الذى لحق بالوزير المصرى عندما قال أن «الملك يدعم حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967»،
الاختلاف بين الفهم الإسرائيلى لنتائج اجتماع العقبة والتفسير المصرى لها يزداد وضوحا فى تعليقات المحللين الإسرائيليين. من هؤلاء المحللين من اعتبر أن الوزراء الستة قرروا تشكيل عدد من مجموعات العمل المشتركة، أولها وأهمها تناقش قضايا الأمن ومكافحة الأعمال العدائية، فيما تتناول بقية المجموعات مسائل العمل والتعليم والصحة والطاقة والسياحة والغذاء والمياه. فى التحليلات الإسرائيلية أن القضية الرئيسية التى شغلت اجتماع النقب هى إيران، وفيها أيضا تفكير فى أن يكون اجتماع النقب أساسا لبناء الأمن الإقليمى. أما القضية الفلسطينية فقد اعتبر محللون إسرائيليون أنها لم تذكر فى النقب وأن الحديث عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعن القدس كعاصمة مشتركة لم يكن سوى كلام بلا مضمون. رحب هؤلاء المحللون الإسرائيليون بذلك. يفهم أيضا من بعض التحليلات أن الهدف من اجتماع النقب كان أن ينظم المجتمعون الإقليميون أنفسهم ويعتمدوا على ذواتهم فى الوقت الذى تستعد فيه الولايات المتحدة للاتفاق مع إيران ولتركيز اهتمامها بعد ذلك، بصرف النظر عن الحرب فى أوكرانيا، على منطقة شرق آسيا والصين.
•••
قبل أن ننتقل إلى تعليق موجز على التحليل الممكن أعلاه، ننوه بأنه فى اليوم التالى لاجتماع النقب، يوم 29 مارس، زار ملك الأردن السلطة الفلسطينية فى رام الله، زيارة هى بمثابة المظاهرة اصطحب فيها ولى عهده، ورئيس وزرائه، ووزير خارجيته، ومدير مخابراته!
التحليل أعلاه يكشف عن أنه ليس ثمة اتفاق بين الدول العربية السبع التى شاركت فى اجتماعات الخليجين والنقب على طريقة التعامل مع إسرائيل. بعضها لم يحضر الاجتماعين اللذين شاركت فيهما إسرائيل، ودولة منها، الأردن، حرص على تمييز نفسه بإعلان مساندته الزاعقة للسلطة الفلسطينية باعتبارها مسئولة عن القضية الفلسطينية. حتى الدول التى شاركت فى كل الاجتماعات مع إسرائيل ليست متفقة فيما بينها، فى العلن على الأقل. بعضها لم يمانع فى الاجتماع فى القدس ومنها من لم يذكر القضية الفلسطينية مطلقا وبدا ودودا تجاه إسرائيل، بينما رفضت مصر الاجتماع فى القدس وتحدثت عن ضرورة حل القضية الفلسطينية ونفت ضمنا فكرة التحالف ضد إيران. هذه الاختلافات لا تنبئ بنشأة أى تنظيم إقليمى كذلك الذى بشرت به إسرائيل فى ختام اجتماع النقب. ثم إن هذا التنظيم ومبرراته يقوم على مغالطة ليست بالهينة. يقال إن هذا التنظيم هو لمواجهة انصراف الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط وعن منطقة الخليج تحديدا. أولا الولايات المتحدة لم تنصرف ففى دول الخليج قواعد أمريكية لا يتصور أحد أن تفككها وهى تغنى عن أى تنظيم إقليمى، وحتى إذا نشأ فرضا مثل هذا التنظيم، فهل يستغنى عن الولايات المتحدة، ثم من أين سيجىء بالسلاح؟ من الولايات المتحدة!
أحسنت مصر بنفيها أن يكون الهدف من اجتماع النقب بناء تحالف ضد أى طرف، بعبارة أكثر وضوحا، ضد إيران. لمصر مصلحة مؤكدة فى أمن الخليج حيث يعمل ملايين المصريين يخففون عن سوق العمل المصرية ويساندون الاقتصاد المصرى بتحويلاتهم المالية. ولكن أمن الخليج، من أجل الحفاظ على بيئات العمل التى ينشط فيها هؤلاء الملايين، هو بتخفيف التوترات بين بلدانه وإيران وليس بإشعالها عن طريق التحالفات الإقليمية التى دائما ما نأت عنها مصر. ينشد غير قليلين أن تلعب مصر يوما دور توفيقيا فى الخليج.
مبدأ التنظيم الإقليمى ذاته والتعاون من أجل الأمن والتنمية لا ينطبق على الشرق الأوسط فى وضعه الحالى، أى فى ظل تقيح القضية الفلسطينية واستمرار معاناة الشعب الفلسطينى. سلوك النعامة التى تدفن رأسها فى الرمال لا هو مقبول ولا هو مجدى. ماذا يفعل العرب إذا هبَ الشعب الفلسطينى فقمعته إسرائيل وتمادت فى قمعه؟ التنظيم الإقليمى القائم على التعاون حتى التكامل، فى مجالات مثل المياه والطاقة والتكنولوجيا، لا ينشأ إلا بعد حل المشكلات التى يعانى منها الإقليم. التكامل الإقليمى لا يحل مشكلات قائمة، هو يحول دون نشأة مشكلات جديدة بين أطرافه. حتى ينشأ تعاون فى الشرق الأوسط لا بد من حل مرضٍ للشعب الفلسطينى أولا. لنا عودة إلى موضوع التعاون الإقليمى.
ثم كيف يمكن أن ينشأ تعاون إقليمى بين دول لا تثق فى بعضها البعض؟ بنود اتفاقية السلام التى تحد من التسلح فى سيناء هى تعبير عن عدم ثقة إسرائيل فى مصر بعد ثلاثة وأربعين عاما من إبرام الاتفاقية. فى ظل كل من هذه الاتفاقية، وعدم حل القضية الفلسطينية، وضم القدس، وضم الجولان، علاقات القوى مختلة فى المنطقة لا يمكن أن تنبئ بأى تعاون ناجح يثمر نتائج متكافئة لأطرافه. الخلل فى توزيع الثمار لا يؤسس لتعاون مستدام بل يؤدى إلى استمرار التنازع، وإن لم يتخذ شكلا عسكريا.
فى اجتماعات شهر مارس حركةٌ، ولكن ينبغى التحوط، فليس فى كل حركة بركة.

أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات