أسئلة الفاجعة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 7:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

أسئلة الفاجعة

نشر فى : الثلاثاء 4 يناير 2011 - 9:38 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 4 يناير 2011 - 9:38 ص
تستدعى فاجعة الإسكندرية عددا من الأسئلة التى ينبغى أن نفكر فى الإجابة عليها، لكى نواجه عواقب ما جرى فضلا عن أن نفهمه. لكن قبل أى كلام فى الموضوع لابد أن نقرر اأنه أيا كانت الخلفيات والذرائع. فان رفض الحدث الإجرامى واستهجانه يظل فرض عين على كل مواطن فى مصر، بل على كل عربى خصوصا إذا كان مسلما.

(1)

أدرى أن التطرق إلى الموضوع قبل اتضاح معالمه لا يخلو من مغامرة. على الأقل بالنسبة لى. لان هذا المقال يسلم مساء الأحد أو صباح الاثنين على أبعد الفروض، ولأننى أكتب هذه السطور يوم الأحد، فلم يكن معروفا على وجه الدقة من هم الفاعلون، ولا ما إذا كانت الجريمة قد ارتكبت بواسطة سيارة مفخخة كما تقول بعض المصادر، أو عن طريق حزام ناسف تمنطق به انتحارى كما ذكرت بعض المصادر الأمنية.

مع ذلك فالذى لا شك فيه ان هذا الأسلوب فى ارتكاب الجرائم جديد على مصر بصورة نسبية. أعنى أنه إذا كانت قد جرت فى السابق (عام 1993) محاولة اغتيال بواسطة سيارة ملغومة لرئيس الوزراء الأسبق الدكتور عاطف صدقى، فان تلك المحاولة لم تنجح إلا فى قتل طفلة صغيرة (شيماء)، لكن الأمر اختلف تماما هذه المرة. فترتيب الجريمة بدا محكما، وضحاياها كثر، أما مقاصدها فالشر فيها مضاعف. ذلك أن محاولة اغتيال رئيس الوزراء إذا كانت قد استهدفت تصفية بعض الحسابات مع النظام، فان الجريمة الأخيرة تصب فى وعاء شق الوطن.

فى هذا الصدد ثمة تشابه يخطر على البال، إذا صح ان وراء جريمة الإسكندرية عناصر تنتمى إلى تنظيم القاعدة أو تستخدم أساليبها. ذلك ان محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقى التسعينيات اتهم فيها تنظيم «طلائع الفتح»، الذى يتبنى فكرا أقرب ما يكون إلى فكر القاعدة، الذى يخاصم الجميع ويعلن الحرب عليهم.

ذلك لا ينفى ان الحادث الذى وقع فى مصر جديد واستثنائى، فيه اصداء لما يحدث فى العراق بين الفئات المتصارعة، أو ما يحدث فى باكستان بين متطرفى الشيعة والسنة، أعنى أنه يعبر عن استهانة شديدة بحياة البشر، بقدر ما يعبر عن نزوع إجرامى ليس مألوفا عندنا، وإذا فهمنا أن حادثة الأقصر التى وقعت فى عام 1997 وقتل الإرهابيون فيها 59 سائحا أريد بها ضرب السياحة فى البلد، إلا أن ما جرى فى الإسكندرية بدا أبعد أثرا، من حيث أنه يفتح الباب واسعا لاشعال حريق فى الوطن، إذا تكررت أمثال تلك الحوادث لا قدر الله.

(2)

ثمة محاذير يتعين الانتباه إليها فى تناول الموضوع كى لا نقع فى الغلط. فنخطئ فى تقييم الفاجعة، بما يجعلنا نعالج المنكر فنتورط فيما هو أشد انكارا. من تلك المحاذير ما يلى:

●إننا ينبغى أن نضع الوطن نصب أعيننا، بحيث لا نتعامل مع ما جرى من منظور طائفى. فاستهداف الأقباط هو بالدرجة الأولى عدوان على الوطن ينبغى أن يرد بمنتهى الحزم والشدة، ذلك ان كل إنسان فى هذا البلد له حقوقه وكرامته التى تعد صيانتها من أوجب الواجبات. ليس لانه قبطى أو مسلم، ولكن لانه مواطن يتساوى مع غيره من المواطنين فى الحقوق والواجبات.

● إننا ينبغى أن نقاوم بكل قوة قسمة البلد إلى مسلمين وأقباط، بحيث تكون ملة المرء أمامه وليست فى قلبه. وهو المحظور الذى أصاب العراق فقسمه بين الشيعة والسنة، وضرب لبنان يوما ما حين اقتتل المسلمون والموارنة فى الثمانينيات، ثم أطلت الفتنة المذهبية برأسها هناك حتى نجح الدساسون فى غرس بذور الشقاق بين السنة والشيعة. ولئن ظللنا نقول إن مصر بلد مختلف فى تاريخه وجغرافيته الأمر الذى صهر المصريين وذوب تبايناتهم فى مجرى النيل ودلتاه، فان الحفاظ على النسيج الواحد ينبغى أن يصبح الشغل الشاغل لكل من يهمه أمر الواطن.

● إننا ينبغى أن نعطى الجريمة حجمها الحقيقى. فهى ليست عدوانا من المسلمين على الأقباط، ولكنها جريمة اتهم فيها نفر من المسلمين. والذين يوجهون الاتهام إلى عموم المسلمين بسبب ما جرى فى الإسكندرية، يغذون الفتنة ويؤججون نارها. وهم لا يختلفون كثيرا عن الإدارة الأمريكية التى وضعت كل المسلمين فى قفص الاتهام بعد أحداث 11 سبتمبر، وكانت النتيجة كما نرى.

إذ أعلنت الحرب على الإرهاب فجرى تعميم الإرهاب وانتشرت منظماته. وهو ما يسوغ لنا أن نعمم الإدانة والاستنكار على أولئك النفر من الغاضبين الأقباط، الذين انفعلوا بما جرى فرشقوا مسجدا قريبا وخرجوا فى مظاهرات ضد المسلمين فى الإسكندرية.

● إننا ينبغى ألا نستدرج للوقوع فى فخ الكارهين والمتعصبين، الذين ينتهزون كل فرصة للتنديد بالمسلمين والتحريض على الإسلام. وهم الذين سبق أن استثمروا أجواء ما سمى بالحملة ضد الإرهاب لتحقيق مرادهم ومطاردة التدين فى كافة مظاهره ومظانه. ولست أشك فى ان الذين ارتكبوا جريمة الإسكندرية وفروا لهؤلاء ذريعة قوية للاستمرار فى مسعاهم. وهو الجهد الذى اثبتت التجربة انه يشوه صورة الإسلام حقا، لكنه يستفز جماهير المتدينين، ويغذى تيارات المتطرفين بما يجعلهم أكثر نقمة على المجتمع وأشد خصومة له.

● إن الغمز فى تنامى الظاهرة الدينية بين المسلمين، وتحميلها المسئولية عن وقوع أمثال الفاجعة التى نحن بصددها، يعد نوعا من الابتزاز الخبيث الذى يدعوهم إلى التخلى عن عقائدهم، وهو ما شهدناه مؤخرا فى تنديد آخرين بمظاهر التدين المنتشرة، وفى الالحاح على تقديم فكرة الدولة المدنية، بحسبانها نقيضا للتدين ودعوة إلى الخلاص من تبعاته والتحلل من التزاماته. ذلك ان معالجة الانحراف بالتدين أو اساءة استخدام الدين، لا تكون بالانتقاص من التدين أو الطعن فى التعاليم، فالانحراف وارد بكل قيمه، وإذا سرنا وراء منطق هؤلاء فسوف ننتهى إلى انهيار منظومة القيم كلها، بما يقودنا إلى جحيم لا قبل لنا به.

(3)

الاسئلة التى تستدعيها الفاجعة بعضها يتعلق بوقائع وتفاصيل الحدث، والبعض الآخر ينصب على المناخ العام الذى وقع فيه الحدث. فى الشق الأول نلاحظ أن البيانات الرسمية تحدثت عن دور للخارج فى ارتكاب الجريمة، وذلك استنتاج مفهوم نظرا لطبيعتها الاستثنائية ولتشابها مع نمط من الجرائم يرتكب فى العراق بوجه أخص، لكنه يثير ثلاثة اسئلة أحدها يتعلق بحجم الدور الذى أسهم به الخارج فيما جرى، وهل هو فى حدود استلهام الأفكار أم التمويل والتدريب والتنظيم. الثانى يتعلق بقابلية الداخل للاختراق والتجاوب مع مخططات الخارج، أما السؤال الثالث فهو حقيقة الجهة الخارجية التى أسهمت فى المشهد، وماذا كان لتلك الجهة أو الجهات أذرع أو أصابع فى مصر. وهل تلك الأصابع مقصورة على الإسكندرية وحدها، أم أنها واصلة إلى مناطق أخرى فى داخل البلد.

ثم إننا ينبغى ان نعطى لدور الجهات الخارجية حجمه الحقيقى، ونفرق بين مخططات الاختراق التى تدبر فى الخارج، ومدى قابلية الداخل للاختراق، والخارج بعيد عنا وليس فى متناول أيدينا فضلا عن ان سعى البعض لاثارة الفتنة فى مصر أمر مفهوم، لكن الذى ينبغى أن نعنى به هو توفير الحصانات الممكنة للداخل لكى يستعصى على الاختراق، وهو ما يثير اسئلة أخرى عديدة حول الجهد الذى يبذل لتوفير تلك الحصانات، وحول هوية الفاعلين، وكيف تشكل إدراكهم واين. وهل أتحنا لهم خيارات وفرصا أفضل، فاختاروا الاسوأ والاتعس، أم اننا أوصدنا الأبواب فى وجوههم فانزلقت أقدامهم فى ذلك الخيار الاتعس.

من ناحية أخرى، فإن ما جرى فى الإسكندرية يذكرنا برسالة إلكترونية وجهها إلى مصر فى مستهل شهر نوفمبر الماضى، من يسمون أنفسهم دولة العراق الإسلامية، ودعت الرسالة إلى اطلاق سراح سيدتين مصريتين تردد انهما تحولتا إلى الإسلام ثم احتجزتهما الكنيسة فى أحد الأديرة ولم يظهر لهما أثر بعد ذلك.
وهددت الرسالة باستهداف المسيحيين فى مصر وفى دول أخرى فى المنطقة، إذا لم يستجب للطلب خلال ٤٨ ساعة، كانت الرسالة مفاجئة خصوصا انها الأولى من نوعها، وأعلن فى مصر أن الأجهزة الأمنية المعنية سوف تضعها فى الاعتبار. ورغم ان الاحتياطات أمنية لا تحول بالضرورة دون ارتكاب الجرائم أو القيام بعمليات إرهابية، إلا أن ثمة تساؤلا عن مدى توفر تلك الاحتياطات فى احتفالات عيد الميلاد بوجه أخص، وهذا التساؤل يثيره مفصل نشرته جريدة «الشروق» فى عدد أول يناير تحدث عن «استعدادات مكثفة لتأمين احتفالات عيد الميلاد». وفى الخبر تفاصيل عن قيام الأجهزة الأمنية بتكثيف استعداداتها فى منطقتين أساسيتين هما محافظات الصعيد التى تعانى من التوتر بين الأقباط والمسلمين، والمناطق السياحية فى جنوب سيناء. ولا ذكر لأى استعدادات مماثلة فى الإسكندرية، التى لها تاريخ فى التوتر الطائفى، ثم إنها تعد أحد معاقل الحركة السلفية فى مصر. ناهيك عن انها ظلت تشهد خلال الأسابيع الأخيرة مظاهرات بعد صلاة الجمعة رفعت خلالها شعارات ونداءات بخصوص السيدتين المذكورتين.

إذا صح خبر جريدة «الشروق» فهو يعنى أن ثغرة أمنية تخللت ترتيبات تأمين احتفالات عيد الميلاد فى الإسكندرية، الأمر الذى يثير السؤال التالى: هل كان يمكن أن يختلف الأمر لو تم تداركها؟ لقد قرأت أن عشرة آلاف جندى استنفروا لتأمين احتفال اليهود الإسرائيليين بما يعتبرونه مولد «أبوحصيرة» فى محافظة البحيرة بدلتا مصر، الأمر الذى يستدعى السؤال ذاته مجددا.

(4)

ما الذى سلح أولئك القتلة بالجرأة التى جعلتهم يقدمون على جريمتهم البشعة فى مصر؟ يلح على هذا السؤال طوال الوقت، ضمن اسئلة «المناخ» الذى وقعت فيه الواقعة. هل كان يمكن أن يفعلوها لو أنهم وجدوا المجتمع المصرى عفيا ومتماسكا ومستنفرا طاقاته وقواه لبناء حاضره ومستقبله. أم أنهم رأوه مفككا ومغيبا وفاقدا الأمل فى الحاضر والمستقبل؟

طوال الأشهر الماضية كان بوسع الراصد أن يرى كيف كان الوطن مغيبا فى إدراك النخبة، فى حين ظل المجتمع مغيبا عن الوطن. كان همُّ القائمين على الأمر منصبا على كيفية الاستئثار بالسلطة واقصاء الناقدين والمعارضين، والانتصار عليهم فى حرب أهلية عبثية كان الوطن هو المهزوم الأول فيها.

نجح الحزب الوطنى فى اقصاء الآخر من مجلسى الشعب والشورى، ونجحت السلطة فى تأديب الإعلاميين وتخويف المراسلين وغواية وتدجين المثقفين، ونجحت الشرطة فى قمع المعارضة وملاحقة المدونين. وفقد الناس ما تبقى لهم من ثقة فى الأحزاب التى عانى بعضها من الاحتراب الداخلى، كما حدث مع التجمع والناصرى وأصاب رذاذه الوفد والإخوان المسلمين. ولم تسلم من الداء الحركة الوطنية للتغيير. (أضف إلى ذلك عوامل أخرى مثل العبث بالدستور وإهدار قيمة القانون، وتبنى السطة للتزوير وتحول البلطجة إلى قيمة اجتماعية معترف بها عمليا، ثم الجرأة على الدولة من جانب بعض الرموز إلى حد الجهر بتحديها وابتزازها. وحين يعانى البلد من الفراغ السياسى الذى يصادر مشاركة المواطن فى المجال العام.

كما يعانى من فراع فكرى وثقافى تهان فى ظله الثوابت الوطنية والدينية، وحين تتقطع القواسم المشتركة بين الناس بحيث يضيق صدر الوطن بأهله. الذين يفتقدون الأمل فى إصلاح الحاضر ولا يرون فيما بينهم حلما مشتركا يتطلعون إليه. حين يحدث ذلك كله فهل يمكن اعتباره مناخا جاذبا ومغريا للمغامرين من دعاة الفتنة وأمراء الدم؟

لست ضد التعبير عن مشاعر الحزن والتضامن والمواساة، لكن ينبغى أن يكون واضحا فى أذهان الجميع أن الجرح أكبر من الجريح، وأن الذى يحتاج إلى حماية وانقاذ حقا هو الوطن الذى أصابه الوهن، بعدما انفرط عقده وفقد عافيته. ففقد معها حلمه ودوره.
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.