يتجملون بإنجاز المنتخب - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 8:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

يتجملون بإنجاز المنتخب

نشر فى : الخميس 4 فبراير 2010 - 9:15 ص | آخر تحديث : الخميس 4 فبراير 2010 - 9:15 ص

 أيهما التعبير الحقيقى عن الواقع فى مصر: المنتخب القومى أم معهد الأورام؟ السؤال من وحى التزامن بين الإنجاز الكبير، الذى حققه منتخب مصر لكرة القدم حين فاز بكأس أفريقيا للمرة الثالثة، وبين التحقيقات الجارية فى موضوع مبنى معهد الأورام المهدد بالانهيار، والإنجاز بات ملء السمع والبصر، حيث لم تكف وسائل الإعلام المصرية، وعلى رأسها قنوات التليفزيون عن الحفاوة والتهليل له منذ مساء الأحد الماضى (١٣/١) وحتى هذه اللحظة. وهى الحفاوة التى شارك فيها كل رموز الدولة، وفى المقدمة منهم الرئيس حسنى مبارك، الذى حرصت بعض برامج التليفزيون وحواراته على إبراز دوره فى تحقيق الإنجاز. وكان رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف أحد الذين تعاملوا مع الفوز باعتباره ضمن إنجازات الرئيس، فأرسل إليه برقية هنأه فيها على ما حققه.

شأن مبنى معهد الأورام حفل بمفاجآت عديدة، كشفت عنها التحقيقات، التى تجريها نيابة جنوب القاهرة. وقد نشرت جريدة الدستور (فى 26/1) بعضا من تلك المفاجآت، إذ نقلت عن مصدر قضائى قوله إن وثائق المبنى الكبير اختفت تماما. فلا وجود لرخصة بنائه ولا لرسومه الهندسية، الأمر الذى يؤكد أن هناك تلاعبا كبيرا ورشاوى هائلة فى الموضوع. وتساءل المصدر: كيف يمكن أن يشيد مبنى حكومى بهذه الضخامة بدون رخصة من الحى التابع له، ودون أى أوراق تسجل مراحل البناء، أو عمليات الترميم التى تعرض لها.

بسبب غياب تلك الوثائق فإن النيابة اعتمدت فى تحقيقاتها على التقرير الذى وضعته لجنة من أساتذة الهندسة كلفت بفحص المبنى وإعداد تقرير عنه. وقد خلصت تلك اللجنة إلى أن الرمل الذى استخدم فى البناء كان أحد أسباب تصدع المبنى وتعرضه للانهيار، إذ تبين أن ذلك الرمل من نوعية تؤدى إلى تآكل الحديد وتفريغ الخرسانة من التسليح، مما نتج عنه تدهور حالة المبنى.

من المعلومات المثيرة التى تضمنتها تصريحات المصدر القضائى أن عملية بناء المعهد استغرقت نحو 14 عاما «من عام 1975 إلى عام 1989» بتكلفة بلغت 20 مليون جنيه. وبعد مرور 4 سنوات «عام 1993» ظهرت الشقوق والشروخ فى المبنى، فكلفت لجنة أخرى بترميمه، وكانت المفاجأة أن عمليات الترميم تجاوزت تكلفتها 60 مليون جنيه، أى ثلاثة أضعاف كلفة البناء كله!. من تلك المعلومات أيضا أن النيابة لم تطلب تقرير الجهاز المركزى للمحاسبات، لسبب بسيط هو أنه لا وجود من الأصل لملف البناء، ولا أى تقرير يبين كيفية إنفاق الستين مليون جنيه فى الترميم أو العشرين مليونا قبل ذلك. منها كذلك أن النيابة لن يمكنها توجيه أى اتهام لأحد، حتى إذا ظهر المسئول أو المسئولون عن الفضيحة، لأن التهمة سقطت بالتقادم بعد مرور 21 سنة على البناء!

فى التقرير أن النيابة استجوبت المدير المالى لمعهد الأورام، فقال إنه تولى مسئوليته منذ خمس سنوات، ولا علم له بأى شىء يتعلق بتسلم وتسليم المبنى، ولا توجد لديه أى أوراق خاصة بعملية بنائه أو ترميمه. وأنه حين تسلم وظيفته كانت الشروخ قد ظهرت على المبنى، وحين بحث عن أى أوراق أو بيانات تتعلق بتكلفة المبنى والصادر والوارد، فإنه فشل فى العثور على أى شىء يفيده.

هى ليست قضية مبنى فحسب، لكنها قضية أداء للجهاز الحكومى له نظائره فى مجالات أخرى عديدة، فى المبانى التعليمية وشبكات الرى والصرف وملكية الأراضى الجديدة.. إلخ. وهو أداء يتسم بثلاث صفات: التسيب المفرط والنهب المفتوح للمال العام، وغياب المساءلة.

إذا حاولت الإجابة عن السؤال الذى طرحته فى البداية، فردى أنه لا تناقض بين الإنجاز فى كرة القدم والكارثة فى مبنى معهد الأورام، فالأول يجسد قدرة المجتمع وكفاءة أفراده، والثانى نموذج لأداء الحكومة وسياساتها الفاشلة، وما يحدث الآن من إفراط فى الحفاوة والتهليل أريد به ستر عورة الأداء الحكومى والتجمل بإنجاز المجتمع. لكن ذلك يظل من قبيل التسكين والتخدير، الذى لا يلبث أثره أن يزول، ليفيق الجميع بعد ذلك على حقيقة المفارقة، التى تؤكد كل حين أن هذه الحكومة ليست أفضل تمثيل لهذا المجتمع.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.