بين قهوة الصباح و«نعال» الرمس! - خولة مطر - بوابة الشروق
السبت 10 أبريل 2021 11:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

بين قهوة الصباح و«نعال» الرمس!

نشر فى : الإثنين 4 مارس 2019 - 9:50 ص | آخر تحديث : الإثنين 4 مارس 2019 - 9:50 ص

الشمس حارقة حتى فى الصباح ولكنْ هناك رياح حسنت من الطقس حتى حولته إلى طقس شتوى فى بلدان لا تعرف الشتاء إلا سريعا وقليلا.. ترشف قهوتك باستمتاع على الرغم من أن النادل تأخر فى إحضارها حتى بردت.. تتصفح الجريدة التى طلبت بعد أن عرضت عليك المسئولة عن ذاك المقهى وعن إفطارات الصباح الفاخرة، عرضت عدد من الجرائد المحلية باللغات المختلفة فكان ردك شكرا جزيلا ولم تتمالك هى إن تعبر عن استغرابها.. قلت لها أريد جريدة تقرأ لا جريدة أتصفحها لأتابع صور المسئولين مرصوصة بين كم من الإعلانات للهمبورجر والمطاعم السريعة والسيارات وأفخر الساعات المرصعة بالألماس..
***
تحاول أن تتجاهل كل المنقصات فى طقسك الصباحى الهادئ.. وأنت تقرأ عن البركسيت وتداعيات الأزمات الاقتصادية فى الدول الأوروبية وبينها عن أصحاب السترات الصفراء فى فرنسا، يمر العابرون كثر، نساء وأطفال ورجال، كبار فى السن ومتوسطية ولكن الكثيرين من الشباب.. تقاوم فضولك فى متابعة الأزياء الفاخرة التى يلبسونها للذهاب للبحر وليس لحفلة موسيقية أو عشاء فى أحد مطاعم هذه المدينة التى تروج لسبل الرفاهية وموادها ولا تنسى أسباب الراحة كلها.. كل شىء متوفر هنا إلا الرأى فهذا عليك أن تتركه مع موظف الهجرة الذى يختم جواز سفرك عند دخول الحدود!
***
يبقى فضولك يطاردك تتذكر أنك ربما لا تفهم كل التطورات التى حدثت أخيرا فى هذه المجتمعات الحديثة.. كنت وعدت نفسك ألا تنظر للتشوهات فهذه عادة بذيئة عليك التخلص منها وهذا ما ردده عليك الكثيرون حتى بحثت عن رد ربما يبدو مقنع وهو أنك تحاول نصفى الكوب الملىء والفارغ أيضا لتكون الصورة!
تبقى الأجساد تتحرك بأطباق مليئة بما لذ وطاب، معجنات وفواكه وبيض وأجبان أحضرت خصيصا من فرنسا بلد ما يقرب من 350 إلى 450 نوع من الأجبان ويقول بعضهم أن العدد وصل إلى الألف نوع من الجبن.. لا تلتفت إلى كم الأكل الذى يستهلك والآخر الذى يرمى فى سلة المهملات فيما أصوات الجياع ليست بعيدة بل تأتى بها الرياح القادمة من الجنوب المنكوب.. ولكنك لا تمتلك سوى أن تطرح السؤال لأصدقائك الأخرين مشغولين بقرأتهم ومتابعتهم ولكن لم تفتهم نفس الملاحظة أن الجميع يرتدى نفس الزى حتى خيل لك أن هذا الفندق الفخم يوزع هذه الملابس أو يشترط لبسها عند الحجز فى فندق النجوم الخمسة أو أكثر..
***
كلهم رجال ونساء يرتدون خف أو شبشب أو نعال من نفس الماركة بألوان مختلفة، ما كان فضول تحول إلى لعبة مسلية كم من الموجودين يرتدون نفس النعال فكان العدد كبير جدا.. ولا تنسى الشنط هى الأخرى عليها أن تكون من الماركات الفاخرة «السينيه».. ولا تنتهى المراقبة عند هنا بل تتعداها إلى نوع العبايات التى ترتديها بعض النسوة وتكثر المفاجأت بالنسبة للقادم الجديد حيث أن أسعارها تنافس الفساتين الفاخرة باهظة الثمن فيما بدأت تتلون بعض الشىء وتتحول بعض الشابات عن لبس العباية السوداء وفى هذا بعض الراحة لأن الأسود تحول إلى شعار المرحلة فى بلداننا من داعش حتى نساءنا المزينات بالموضة مع شىء من الدين أو العادات..
***
تنوعت التلاوين ولكن فى مجملها لا تبعد عن أن تكون تشوهات حقيقية لمجتمعات فقدت أو خجلت من ملامحها وتفاصيلها فتحولت إلى شىء من لا شىء.. هم جميعا صنف واحد متحدين فى هويتهم الفاخرة التى لا يستطيع المرء أن يعيش فى هذه البلدان دونها.. مرض انتشر حتى إلى الطبقات الأقل قدرة وإلى مجتمعات عربية بعيدة لا تملك مثل هذه الرفاهية ربما رغم أن ليس كل سكان هذه المدن المتشوهة من الأثرياء الجدد!
***
يدرس الأطفال فى مدارسهم الفاشلة وهذا ليس تعبير اخترعته ولكن هذا مصطلح حول التعليم فلا يوجد تلميذ فاشل إنما هناك مدرسة فاشلة ونظام تعليمى فاشل. ما يهمنا أن ما يدرس لا يمت للواقع بصلة فهناك من يردد عليهم أقوال قد انقرضت حتى أصبح من المفيد وضعها فى المتاحف! يردد المعلم المسكين كلام الأنبياء والخلفاء ومنها علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخليل قول لعمر بن الخطاب ونسب كثيرا إلى الرسول عن طريق الخطأ. فيما العائلات تعلم أطفالها يوميا ركوب السيارات الفاخرة و«التشفيط» فى الشوارع والإكثار من الجلوس فى المقاهى لمراقبة الآخرين ربما لتقليدهم ربما لحسدهم والإكثار من شرب «الشيشة» وهى وسيلة تسلية فى مجتمعات لا تنتج إلا خبيرات التجميل والأزياء وتعليم الآخرين وتعويدهم على كيفية الاستهلاك الأكثر والظهور بما يبدو باهظ الثمن لأن هويتهم هى عباءتهم أو حقيبة يدهم أو حذائهم..
***
لا تستطيع مقاومة أن الرجال لا يختلفون عن النساء فهذه الثقافة لا تفرق بين الجنسين والعياذ بالله إلا فى قضايا تمس حياة النساء فى صميمها.. فيما يمر بك ذاك الشاب المفتخر بملابسه على أشكالها وحذائه وشنطة الأعمال المنتفخة ولا يكترث بالسيدات كبار السن العابرات ولم يعلمه أحد أن عليه الانتظار ليمر من أكبر منه سن أو أن يحترم النساء أو أن يقدر الأطفال..
***
كثيرا من المظاهر وقليل من الأخلاق لا تبنى أوطانا ولا شعوبا ولا حتى «نعال» الرمس الفاخرة تجعل من هذه المرأة أو ذاك الرجل أكثر حضارة وإنسانية.. ربما نلحق قبل أن تتحول التشوهات إلى أنماط للعيش ويصبح المتبقى من أخلاقيات الطيبين الذين عاشوا فى هذه البلدان مجرد حكايات شعبية تروى فى الكتب ويداس عليها فى المتاحف..

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات