حصار الأحذية - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 20 يونيو 2021 1:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

حصار الأحذية

نشر فى : الخميس 6 مايو 2021 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 6 مايو 2021 - 10:10 م
كان يومًا لم تطلع له شمس هذا الذي فكرت فيه أن أشتري حذاءً عن طريق الفيسبوك، كنت زهقانة ووجدتُ إعلانًا عن عدد من الأحذية الملونة التي تناسب فصل الصيف فاخترتُ أحدها شكله لطيف وراسلت الجهة المعلنة، وبعد يومين فقط وصلني الحذاء وكان مناسبًا وسعره مقبول. ومن يومها- يا مبارك كما كان يقول أبي الحبيب- لا أدخل إلى صفحتي على الفيسبوك إلا وأجد إعلانين أو ثلاثة عن أحذية تقترب في شكلها من الحذاء الذي اشتريته. تتابع أمامي صور عارضات يلبسن أحذية منقوشة وتحت كل صورة عشرات اللايكات والقلوب وأحيانًا وجوه مندهشة. يوووه! لقد هربتُ من إعلانات المسلسلات على الفضائيات المصرية بالاشتراك في برامج خاصة تعرض المسلسلات قطعة واحدة، لكن كيف يمكنني أن أهرب من الإعلانات على صفحتي الشخصية؟ فكرتُ في أن أرسل خطابًا إلى السيد مارك زوكربيرج مخترع الفيسبوك لأقول له إن حذاءً واحدًا يكفيني، وفي الحقيقة فإن هذا الحذاء نفسه لم يكن يلزمني في ظل الظروف الصعبة التي لا نخرج فيها ولا ندخل، فلماذا يحاصرني الفيسبوك بصور الأحذية؟ بعد قليل تراجعتُ عن فكرة مراسلة زوكربيرج ليس فقط لأنه لن يلتفت لواحدة من حوالي ٢,٨ مليار مستخدم من مستخدمي الفيسبوك حول العالم، لكن كذلك لأن ما أطلبه منه هو ضد المفهوم الذي قامت عليه شركة الفيسبوك وغيرها من شركات التواصل الاجتماعي (الواتساب، الإنستجرام، تويتر، يوتيوب)، وهو تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلي بيزنس مهول بلغت قيمته العام الماضي وفق أحد التقديرات ٥ تريليون دولار... اللهم لا حسد .
***
وحتي بفرض أن السيد زوكربيرج رد على خطابي فإنه لاشك سوف يُفحمني، إذ أن بوسعه أن يقول لي إنني اشتريت بكامل إرادتي تليفوناً ذكيًا محملًا بالعديد من التطبيقات التي أقوم بتنزيلها وتحديثها تباعًا، وإنني أقدّم كل بياناتي الشخصية على طبق من ذهب لشركات التواصل الاجتماعي كي تقوم بتحليلها لمعرفة ذوقي وميزانيتي وتوقيت شرائي، ثم تتحكم في سلوكي وتضع أمامي عشرات الأحذية وما هو أكثر بكثير من مجرد أحذية، فهناك أفكار واتجاهات وأحكام يتم تسويقها بنفس الطريقة، فطالما أنا أون لاين فأنا في قبضة شركات التواصل الاجتماعي. ثم جاء كوڤيد ١٩ وتطور الأمر بشكل لم يخطر من قبل على بال أحد، فلقد اتُهم بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت بأنه عندما تبرع بمبلغ ١٥٠ مليون دولار لدعم الأبحاث الخاصة بإنتاج لقاحات ناجعة ضد الوباء اللعين- اتُهم بأنه كان يريد التحكم في العالم من خلال إدخال شريحة إلكترونية صغيرة جدًا في اللقاحات الجديدة لخلق هوية رقمية لكل إنسان بها كل تحركاته وسكناته وكلامه وخصوصياته، حتي يُمكن بعد ذلك تحريك هذا الشخص كما لو كنا في مسرح العرائس. تحسستُ مكان التلقيح في أعلى ذراعي الأيسر بحثًا عن الشريحة، وقلت لنفسي لقد حذّرنا الكثيرون من الأعراض الجانبية للقاحات المختلفة لكن أحدًا منهم لم يحذّرنا أبدًا من أخطار الشريحة الإلكترونية في مفاصلنا.. يا لطيف اللطف يا رب! عمومًا اتضح أن بيل جيتس برئ من هذا الادعاء، لكن ما لم يفعله بيل جيتس فعله إلون ماسك، صاحب شركة تسلا للعربات الكهربائية وشركة سبيس إكس الضخمة المعنية بأبحاث الفضاء، فلقد أعلن في تسجيل مصوّر وقال بالفم الملآن في ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠ إنه أجرى تجربة مدهشة. قام السيد ماسك بوضع شريحة بحجم العملة المعدنية في مخ خنزير اختار له اسم جيرترود، وهدف الشريحة هو متابعة سلوك الخنزير للتحكم فيه مستقبلًا، وبعد مخ الخنزير من الطبيعي أن يكون الهدف هو مخ الإنسان. هكذا يتضح أننا ألعوبة في أيدي شركات التواصل الاجتماعي، وهي لا تستطيع فقط أن توجهنا لشراء ما يعجبنا لكنه يفيض عن حاجتنا، ولا حثّنا على انتخاب من توهِمنا بأنه يمثلنا، بل ما المانع من أن توجهنا لارتكاب أعمال غير قانونية بعد أن تبيع لنا فكرة أننا نعمل من أجل مصلحتنا؟ .
***
لقد استحدثَت شركات التواصل الاجتماعي مفهومًا جديدًا تمامًا للرق، أصبحنا عبيد تليفوناتنا الذكية، نهديها صورنا وذكرياتنا وأفكارنا وأذواقنا ومشاكلنا لتعود وتسيطر بها علينا، ولا تعدم تلك الشركات الوسائل لتوريطنا أكثر والتمكّن منّا أكثر وأكثر، وليست كل وسائلها نظيفة بالضرورة. قبل نحو أربعة أعوام اعترفت شركة آبل الشهيرة بأنها تعمّدت تقليل عمر البطارية في الأنواع القديمة من الآيفون حتى يضطر المستهلكون إلى شراء الأنواع الأحدث التي تعيش بطارياتها لفترة أطول، واعتذرَت لاحقًا عن هذا التحايل الذي هو بالتأكيد ليس سوى قمة جبل الجليد، فكل ما يستحق الاعتذار عنه لم ينكشف لنا بعد ولعله لا ينكشف لنا أبدًا. لذلك نصحنا بعض الموظفين السابقين في شركات التواصل الاجتماعي بأن نتوقف تمامًا عن استخدام التليفونات الذكية اعتبارًا من الساعة الثامنة مساء، يا سلام! وكأن كل المطلوب هو ألا ندخل عالم التواصل الاجتماعي في حفلات السواريه بلغة العروض السينمائية، أما الحفلات الماتينيه فلا بأس بها على الإطلاق، أو كما يقول الشباب الروش في هذه الأيام Peace.
***
الموضوع كبير بل أكبر بكثير مما يمكن لنا أن نتخيله، وأملنا هو أن يزول الوباء فنقلل من ساعات وجودنا أونلاين ونحّد من كثافة تفاعلنا مع وسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواعها فنخرج ونتقابل ونذهب للدراسة والعمل، وننتقل من العالم الافتراضي للعالم الواقعي. لكن إلى أن يتحقق هذا الأمل الكبير فتركيزي كله ينصرف إلى السؤال التالي: كيف أُقنع فيسبوك أنني لا أريد شراء المزيد من الأحذية؟
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات