هنا نقف.. هنا نعيد القراءة !! - خولة مطر - بوابة الشروق
الجمعة 30 يوليه 2021 9:18 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

هنا نقف.. هنا نعيد القراءة !!

نشر فى : الإثنين 6 يوليه 2015 - 10:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 6 يوليه 2015 - 10:45 ص

الطريق إلى السويس عبر صحراء سيناء المخزنة بالواحات وغابات النخيل.. وسماء سيناء متوشحة بالنجوم التى بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى لتزين أكثر سماوات الكون نقاء.. لم تبتعد الشمس التى كانت منارة طريقنا حتى تسلل القمر رويدا رويدا ليجلس على عرشه وسط النجوم.. مشهد كما اللوحة لفنان عبقرى وعبدالوهاب يردد: «باحبه مهما أشوف منه ومهما الناس قالت عنه».. كل هذا الكم من الجمال ونحن ثلاث سيدات فى طريقهن إلى إجازة قصيرة.. لا يسابقنا إلا نسمات الربيع السيناوية وكثير من الإحساس المفرط بالأمن.. كل هذه الجرأة التى قال لنا عنها أصدقاؤنا المصريون لم تكن إلا انعكاس لإحساس شديد بالأمن فى مصر التى كانت قبل بضع سنين أو أكثر.. أمر يردده عليك أى عربى فى أى مدينة تزور فالإحساس الأول هو بالحسرة على أمن كان وما لبث وأن تلاشى وأصبح الأمر الأكثر وضوحا هو الإحساس الدائم بقلة الأمن والحيلة خاصة بالنسبة للنساء.. نساء هذا الوطن أول الضحايا وآخرهم وهن أول المدافعين عن الأرض الصامدين رغم الإهانات والاعتداءات وأسواق النخاسة الحديثة!!

***

كانت تلك رحلة من بين العديد من الرحلات والطريق يغص بالأحاديث والهمسات والقصص لكثير من النساء والرجال الذين كانوا يزورون سيناء أو يمرون بها فى العديد من الأحيان والنهار قارب على الرحيل لمخبئه اليومى، غير خائفين أو متوجسين من تلك الطرقات الطويلة وسط الصحراء.. كان ذلك زمن آخر يبدو الآن وكأنه من قرن آخر وحياة أخرى أو حتى وكأنه خارج من كتب التاريخ رغم أنه لم يكن منذ وقت بعيد حيث الإحساس بالأمان كان يملأ القلوب قبل الوجود الفعلى للأمن!!

نفس ذاك الحديث تسمعه فى مدن عربية متفرقة من طرابلس الغرب حتى أصغر قرية فى سوريا أو العراق.. فجأة تحولت الطرق الآمنة إلى مراكز لعصابات وتنظيمات تمسك بأطراف الدين وترفع رايات ملصعة بدماء الابرياء باسمة..

***

قبل أيام وسيناء تتحول إلى ساحة معركة إن لم تكن حربا.. غلف الحزن شاشات التلفزة، بل وصمتت كل الطرقات وولى الجميع بوجوههم باتجاه سيناء تلك التى كانت مسترخية فى حضن سمائها الصافية مستنيرة بقمرها ونجومها ومتدفئة تحت نخيلها الواقف شامخا..

عاد الحديث عن أمن كان والأعين يملؤها الدمع كثيرا منه على الأبرياء الذين خطفوا سريعا وبعضه خوفا من القادم عندما لم تعد هناك مساحة للحوار الا وامتلأت دم.. دم متنقل من جامع إلى مركز دينى إلى نقطة للامن أو الجيش إلى مدرسة أو حتى حديقة صغيرة وسط غابات المدن الاسمنتية الحديثة!!

ورغم ان اهلنا فى كل ارض من هذا الوطن الممتد يتحدثون عن انعدام الأمن أو قلته إلا أن الجميع يعود مرة أخرى إلى الحديث عن الأمن بشكله المبسط وبعض الشىء القديم وهكذا كانت ردود الفعل الأولية للعلاج بنفس ذاك الأسلوب وتلك الطريقة وهى فى جلها هى التى انتجت كل هذا العنف أو انعدام الأمن والأمان!!! فالأمن لم يعد هو أمن القوة والضربة القاضية إنما أصبح بأكثر حاجة إلى معرفة ودراسة الأسباب واقتلاعها من جذورها وليس من المظاهر الخارجية فقط..

يقول البعض كيف ونحن جميعا نعلم ان كثيرا من العنف هو نتاج لسنوات من العنف المغلف بأسماء مختلفة ونحن نعلم أيضا أن كثيرا من المعتقلات والسجون لا تخرج إلا أشخاصا أكثر إجراما وعنفا.. ولم تعد السجون كما كان يقال: مجال للإصلاح وإعادة التأهيل وعودة الخارج عن سرب المجتمع إلى مجتمعه وقيم تلك المجتمع.. ثم إن العنف أيضا يولده الإحساس الدائم بالظلم وعقاب الضعيف بينما كبار المجرمين أحرار يعيثون فسادا دون أن يقترب منهم القانون.. نفس القانون الذى يعاقب الضعفاء ويحول السارق أو المتدين إلى مجرم محترف والمتدين إلى متطرف إرهابى ربما!!!

***

رغم قساوة الحقيقة ومرارة جراحنا المتلاحقة إلا أننا بحاجة لوقفة الآن مع انفسنا قبل الآخرين ولا بد من بعض المصالحة حتى لا نبقى نطارد القتلة هنا وهناك بينما السجون والمعتقلات والمساجد والمدارس والإهمال والتهميش تفرخ كل يوم آلاف المتطرفين...

 

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات