لم تكن المتغيرات الراهنة، ولا طبيعة التحولات الجذرية وحدها، الدافعة نحو ترقب انتخابات التجديد النصفى الأمريكية، ذلك لأن الدولة الإمبريالية ما تزال المتصرفة فى عدد من القضايا المعاصرة، إن لم يكن معظمها. وبينما يقود البيت الأبيض الرئيس الأكثر إثارة للجدل «دونالد ترامب» ــ وهو الذى طالما أسهبنا فى الحديث عن كيفية إدارته وصعوبة التنبؤ باتجاهاته، لاسيما فى ضوء جملة من التعقيدات التى صاحبت المشهد على المستويين الإقليمى والدولى ــ فإن حجم الحراك السياسى على مستوى الداخل الأمريكى وخارجه، إلى جانب تأثير واشنطن ليس فى عدة قضايا وإشكاليات فحسب، بل فى مستقبل مناطق وأقاليم حول العالم عبر تنويعة من التوازنات المتباينة بين القوة والضغط، يبرز انتخابات التجديد النصفى بوصفها مقياسًا لا اختبارًا تقليديًا لحجم هذه التفاعلات والحراكات، بل ولانعكاساتها على الداخل الأمريكى، سواء من حيث علاقة النظام بأفراده، أو حتى حجم الرضا والقبول الخارجى سياساتٍ وسلوكيات، وهو أمر بديهى من قبل الداخل أفرادًا ومؤسسات.
وجه التعقيد فى الانتخابات الأمريكية
استكمالًا للطبيعة المعقدة للانتخابات الأمريكية، تستعد الولايات المتحدة لإجراء انتخابات التجديد النصفى فى بدايات نوفمبر من العام الجارى 2026. وللمعلومة، فإن هذا النوع من الانتخابات يُجرى خلاله انتخاب الكونجرس بغرفتيه؛ وبينما يُجرى الانتخاب على كامل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضوًا، يُجرى على الثلث فقط من أعضاء مجلس الشيوخ الذين يبلغ مجموعهم 100 عضو. أى إن مدة ولاية العضو بمجلس النواب عامان، فى حين أن المدة التشريعية لعضو مجلس الشيوخ هى ست سنوات. ويرجع الفارق فى عدد الأعضاء إلى أن الأول يمثل الولايات بحسب الكثافة السكانية، فى حين يتشكل الأخير من عضوين عن كل ولاية بغض النظر عن عدد قاطنيها.
وربما يكمن وجه التعقيد هنا فى تفاوت النسب المُنتخَبة واختلاف الآماد التشريعية للأعضاء، ناهيك عما يُعرف بالانتخابات التمهيدية داخل الأحزاب قبيل الانتخابات الرئيسية والتى تُطرح على الأمريكيين أنفسهم، وإن كان العرف السائد فى عدد غير قليل من الأنظمة السياسية هو إطالة هذه الآماد من أجل اكتساب خبرة تشريعية يمكن التعويل والبناء عليها، مع الإلمام بالقضايا التشريعية واتجاهاتها.
تشكيلات جذرية فى الداخل الأمريكى
يشهد الداخل الأمريكى حالة كاملة من التحولات والمتغيرات، خصوصًا على الساحة السياسية. ولعل بروز ترامب منذ عام 2016 قد جسّد إلى حد ما بداية الإشارة إلى هذه التحولات، حين أحدث العديد من الاستقطابات السياسية بين الحزبين الأساسيين. وإن كانت طبيعة الحياة السياسية الأمريكية التى تشهد التنافس التقليدى بين الجمهوريين والديمقراطيين تتناسب جيدًا وأصول الاستقطاب والحزبية، إلا أن الحياة الحزبية الأمريكية ما تزال تعج بالعديد من الإشكاليات والإخفاقات.
فبينما يتصارع الحزبان على حصد الأغلبية فى الكونجرس، تؤكد كل المؤشرات أن الجانبين يعانيان من إشكاليات جوهرية تتخطى مجرد معضلة الأغلبية، لتصل إلى تأثيرات عدة على المستويين: الداخلى (سواء إخفاقات متعارف عليها داخل الحزب)، والخارجى (تأثيرات السياسة الخارجية وانعكاساتها تجاه صراعات الشرق، أو تداعيات أزمات الاقتصاد العالمى).
- الحزب الجمهورى والأغلبية الضئيلة:
يستحوذ الحزب الجمهورى حاليًا على أغلبية ضئيلة فى الكونجرس بمجلسيه (النواب والشيوخ)؛ حيث يسيطر على 53 مقعدًا فى الشيوخ بينما يستحوذ الديمقراطيون على 45 مقعدًا، وفى النواب يمتلك 218 مقعدًا مقابل 214 مقعدًا للديمقراطيين. لكن هذه الأغلبية لا توفر أى مؤشرات مطمئنة بشأن تمكن الحزب من الحفاظ على مقاعده، لاسيما فى ضوء سياسات ترامب التى أخلّت إلى حد كبير ببرنامجه الانتخابى، واستمرار الحرب على إيران؛ خصوصًا أن الرئيس الأمريكى ما يزال يمتلك القناعة الكاملة بحتمية مواجهة طهران، ما أحدث انقسامات عدة بين الجمهوريين أنفسهم بين مؤيد ومعارض لسياساته. ناهيك عن الإشكاليات التقليدية المتعلقة بغياب الشباب وتصدر الرأسماليين، وهى إشكالية مزمنة تحتل المشهد السياسى الأمريكى بشكل عام. يُضاف إلى ذلك تراجع الأداء تجاه عدد من أهم الملفات، وفى مقدمتها التعاطى مع الأوضاع الاقتصادية واستمرار ارتفاع معدل التضخم إلى ما تجاوز 3٫4% مع ارتفاعات متتالية لأسعار الغاز والبنزين. وربما تراجع أسهم الجمهوريين قد يصب مباشرة فى صالح الديمقراطيين الذين يجيدون استغلال الثغرات.
- فلسفة البيت الأبيض «ترامب نموذجًا»:
بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفى، يعتمد الرئيس الأمريكى فى العموم بعض الاستراتيجيات لدعم حزبه واجتياز هذه الانتخابات ليتمكن من تمرير أجندته وانتهاج سياساته المعتادة. وربما تتراجع فرص ترامب وحزبه فى ظل تراجع أسهمه، غير أنه اعتمد مؤخرًا مجموعة من الاستراتيجيات الكفيلة بفرز نتائج تخدم الحزب الجمهورى إذا ما تم الرهان عليها ــ وإن كان يصعب الجزم باحتمالات فوز الجمهوريين ــ وفى مقدمتها تنظيم المؤتمرات الجماهيرية كـ «دالاس» بولاية «تكساس»، والأهم ما سنّه من تشريعات تقضى بإعادة ترسيم الدوائر المحسومة للجمهوريين وما قد ينشأ عنها من دوائر جديدة تُكسب الحزب مزيدًا من المقاعد.
لكن الإشكالية والثغرة تكمن فى أن ترامب لا يرغب فى إيقاف الحرب، بل يعد بعودة قوية عقب انتخابات التجديد النصفى، وهو ما لعبت عليه طهران بالمقابل عبر تعمد الاحتكاكات فى هذه التوقيتات قبيل الانتخابات بأقل من شهرين، ما انعكس على إصرار الرئيس الجمهورى على حتمية المواصلة؛ بخلاف قناعات البيت الأبيض الجوهرية تجاه التعاطى مع إيران كما أسهبنا أعلاه. بالتالى، من الممكن أن يتمسك ترامب باستئناف الصراع وتصويره بوصفه الهدف القومى الأهم، وأن الرئيس الجمهورى يقبل بتهديد مستقبله السياسى أو مسيرته متمسكًا بأهداف البلاد القومية والوطنية، خصوصًا فى ضوء المتعارف عليه من أن حزب الرئيس طالما خسر هذه الانتخابات التى تُعد بمثابة المقياس لتعاطيه مع مصالح البلاد.
- الديمقراطيون بين الرهانات والتحولات:
شهد الحزب الديمقراطى هزات عنيفة وتحولات برزت فى الصعود الواضح للتقدميين مقابل تراجع قادة الحزب التقليديين، حيث شكلت ولايتا «ميشيجان» و«فلوريدا» الطفرة فى هذه التحولات حين تقدم «عبدول السيد» على منافسته «هالى ستيفنز» وفاز بترشيح الحزب فى انتخابات مجلس الشيوخ، وكذلك فى فلوريدا وفوز الاشتراكية «إنجى نيكسون» على منافسها «أليكس فيندمان»؛ فى انعكاس مهم مفاده أن الوجوه القديمة لم يعد بإمكانها توجيه الناخب الذى لم يعد يقبل بالسياسات القديمة، والأهم أنه يعانى تبعات اقتصادية معقدة.
فى المقابل، أجاد اليسار والتقدميون استغلال الثغرات وعوامل تراجع الديمقراطيين التقليديين. وإن كان الديمقراطيون فى المجمل ما يزالون فى موقع متقدم بحسب العديد من مراكز الفكر والدراسات (Think Tanks)؛ حيث تجاوز الديمقراطيون منافسيهم الجمهوريين بعدد لا بأس به من النقاط، لكنهم لم يصلوا بعد إلى حجم تقدمهم فى انتخابات الكونجرس عام 2018. فبالرغم من محاولات الديمقراطيين الرهان على إخفاقات الجمهوريين ــ وتحديدًا ترامب ونسب تورطه فى الحروب الخارجية ــ تُضاف إلى ذلك الإخفاقات الاقتصادية الداخلية وتراجع المؤشرات الاقتصادية مع ارتفاع نسب التضخم.
محددات فاصلة فى موقف الولايات بين الحسم والتأرجح
تختلف الولايات الأمريكية فى مواقفها تجاه الأحزاب، وهو ما يبرز فى تعاطيها مع الانتخابات، وقد تتغير مواقف هذه الولايات بين الحسم والتأرجح بحسب مجموعة من المعطيات والمحددات. ولعل الصراعات العالقة والمتأرجحة بين القناعات ومعطيات المشهدين الدولى والإقليمى مثلت أبرز وأهم المحددات لمواقف واتجاهات الناخبين:
1. المحدد الاقتصادى: برز حجم تأثيره ليس فقط مع تزايد انعكاسات الصراع مع إيران، بل مع ارتفاعات الدين العام التى تخطت 40 تريليون دولار، بخلاف الحروب التجارية وزيادة التعريفات الجمركية مما انعكس فى المقام الأول على الداخل الأمريكى، والأهم طبعًا التغيرات فى أسعار الطاقة وما تبعها من تزايد مؤشرات موجات التضخم، فضلًا عن تمسك ترامب بتثبيت أسعار الفائدة حتى مع رفعها من قبل الفيدرالى مؤخرًا دون معالجة واضحة للتطورات.
2. السلوك الخارجى: ما يستوقفنا تجاه هذا المحدد هو أن ترامب كان يؤكد فى كل خطابات التنصيب التى ألقاها على ترك الشرق الأوسط وشأنه، وكأنه أدرك جيدًا مخاطر التورط فى هذه المنطقة. غير أن معاودته الانخراط ــ لاسيما فى صراعه الدائر مع إيران ــ تكشف بلا شك ما أسهبنا فيه بخصوص توفر القناعات الأمريكية بحتمية المواجهة، ناهيك عن العامل الإسرائيلى الذى عُد ضمن أهم دوافع انخراط ترامب فى الصراعات الخارجية، وهو ما أسهم إلى حد كبير فى تراجع القاعدة المؤيدة له. وهنا تبرز المفارقة بين المؤسسات الأمريكية العميقة الدافعة نحو استمرار المواجهة مع إيران والداعمة لترامب، بدليل التوافقات بين البيت الأبيض والبنتاجون.
3. اللوبى وجماعات الضغط: رغم تفاوت القناعات والاتجاهات بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى، فإن ثمة توافقًا تاريخيًا ومفصليًا على دعم إسرائيل من قبل الحزبين كما هو متعارف عليه فى السياسة الدولية. لكن مؤخرًا تزايدت التصدعات ولم يعد نفوذ جماعات الضغط هذه كما كان، وربما اختلفت المواقف تجاهها؛ فبعد أن كانت تدعم الديمقراطيين بقوة لإيجاد قاعدة ديمقراطية يُعوّل عليها فى دعم إسرائيل، جاء بروز التقدميين ليربك بعض الشىء حسابات هذه الجماعات، بالإضافة إلى بعض الحركات فى أوساط الجمهوريين، وأهمها حركة «أمريكا أولًا» التى تنتقد إسرائيل وسلوكياتها بشدة.
يمكن القول إن ما تشهده الولايات المتحدة من استقطابات ومراهنات حزبية، أو حتى انعكاسات حادة لسياسات خارجية وما شابه، لم تعد مجرد مفارقات أو طفرات يجب التوقف عندها، وربما لا تختلف عما تشهده معظم الدول من أقصى الشرق مرورًا بمنطقتنا وحتى الغرب؛ فجميعها معطيات فرضتها متغيرات المرحلة وتحولاتها، لاسيما فى ضوء جيوبوليتيكية العصر الواضحة وانعكاساتها الحادة.
كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية