«جزيرة غمام».. دستور عرفات الغائب (2) - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الجمعة 1 يوليه 2022 2:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

«جزيرة غمام».. دستور عرفات الغائب (2)

نشر فى : السبت 7 مايو 2022 - 8:35 م | آخر تحديث : السبت 7 مايو 2022 - 8:35 م
أستكمل هنا ما بدأته فى الأسبوع الماضى من الحديث حول الأفكار التى طرحها مسلسل «جزيرة غمام» من تأليف عبدالرحيم كمال، وإخراج حسين المنباوى، وقد حملتها حكاية رمزية بارعة، تجعل مجتمعا صعيديا خياليا على شاطئ البحر، انعزل عن الحرب العالمية الأولى، تعبيرا عن واقعنا وأحوالنا، وعن علاقتنا بالدين وبالله، وتجسيدا للكارثة والمأساة والفتنة التى يمكن أن تتكرر، لو استمرت الأحوال كما هى.
كل عناصر العمل الفنية كانت فى مستواها الأرفع: أداء الممثلين، والديكور والموسيقى والتصوير والإخراج، والمقدمة الغنائية المبدعة التى كتبها الشاعر إبراهيم عبدالفتاح، ولحنها شادى مؤنس، وغناها على الحجار، ولكن خطورة المسلسل فى أن كلمات بطله «عرفات»، وشخصيته تستلهم سير الأنبياء والعارفين، ليست مجرد حكم خاوية، ولكنها خلاصة المعنى، ودستور الإيمان الغائب.
عندما يتحدث عن العفو والتسامح والتوبة ومراقبة الذات، أو عندما يقول سره للعايقة فى عبارة واحدة هى: «السر إنه/ الكل منه»، يذكرنا عرفات بمعنى الإسلام الحقيقى، وهو التسليم، والاعتراف بقدرة الله، وبإرجاع الأمر إليه، وهو أيضا مفتاح كل الأديان التى تؤمن بالله.
عرفنا الله من خلال الدين والرسل والكتب السماوية، ولكن الله أكبر من كل ذلك، هو صانع القواعد والقوانين، ولكنه أكبر من القاعدة والقانون، الكل منه والكل يعود إليه.
المسلسل لا يصحح فقط فكرة الدين، وفكرة العلاقة مع الله، ولكنه يصحح أيضا مفهوم وصورة المتصوف التى اختلطت عند كثيرين بالغفلة والدروشة، عجمى ومحارب ويسرى يتحدثون عن عرفات أحيانا كرجل مجذوب أو تائه، بينما هو عنوان اليقظة فى الجزيرة، الرجل الذى يرى بحق، والرجل الذى يختصر أعمق المعانى فى جملة، النجار الذى يعمل من يده، ولا ينتظر إحسانا أو أموالا، بل إنه يوزع أموال المسجد على الناس، يقول إنه يوسع على من يذهبون إلى المسجد، فيذهبون إلى صاحب المسجد فى سعادة ونفس راضية، يعنيه البشر، وليس الجدران، كن راضيا ومؤمنا، وصلِ فى أرض الله الواسعة، وحيثما شئت.
عرفات يُبتلى ويُفتن ويضيع فى الصحراء، ورغم أن رؤيته لجمال العايقة يرتبط بجمالها الداخلى، للنور داخل نوارة، وليس لجمالها الشكلى فقط، فإنه يحاسب نفسه، ويردد أبيات الحلاج:
«إلى كم أنت فى بحر الخطايا
تبارز من يراك ولا تراه
وَسَمتُكَ سمَتُ ذى وَرَعٍ وَدينٍ
وفعلك فعل متبعٍ هواه»
خطورة عرفات على أهل التشدد أنه بسيط وعميق، كما أنه اختار أن يتواصل مع الأطفال، يعرفهم على الجمال والخير والطبيعة، ويحميهم من القهر والإذعان وكسر النفس، يجعل كل واحد منهم معتزا بذاته، بينما يريد التعليم البليد، والتطرف العنيف، أن يجعلهم شخصيات منقادة، تربى على السمع والطاعة.
ليس صحيحا أن عرفات يتجاهل العبادات، نحن نراه يصلى كثيرا، ولكنه يريد أن تكون الصلاة عن عقل عارف، وعن محبة وقلب عامر بالإيمان، وليست مجرد حركات قيام وجلوس، رحلته بحث عن المعنى، وليست بحثا عن القشور، إذا عرف الإنسان نفسه، وأحب خالقه، صارت العبادات متعة، وليست مجرد فروض.
كان مَدْين على حق لأنه منح عرفات مسبحته، وجعل المشيخة ابتلاء واختبارا لمحارب، وجعل البيت ابتلاء ليسرى، تليق المسبحة بعرفات، يعمل الرجل خداما لقلبه، وليس فى قلبه سوى الله.
يؤثر عرفات فينا وفى الجزيرة عندما يقول فى نهاية مناظرته مع يسرى ومحارب:
«أنا ما اعرفش حاجة
كل اللى اعرفه إن اللى يحب ربنا يحبه
وإن فلوس الجامع الفقير أولى بيها
وإن القلب له وضوء زى ما فيه وضوء لليدين والراس وللرجلين
واللى ينفع الناس هوه اللى يخدمهم واللى تحتيهم مش اللى فوقيهم
وإن اللى ما عايزش تدوه
واللى عايز ويطلب بعدوه
واللى ينصح الناس بالفقر وهوه غنى يبقى شيطان
واللى شاغل نفسه مين قاعد مع مين
ومين قال إيه
ومين لبس إيه
يبقى ناقص أدب
وإن ربنا رحيم
ربنا رحيم... (يبكى)
هوه حنان منان كبير
ما عينساش حد
هوه اللى يغفر للمذنبين
وأنا أولهم»
يضع بهذه الكلمات منهجا ودستورا لما ينفع للناس، ينقل الاختبار للقلب، لتربية النفس، وليس لمطاردة الآخرين، يتحدث عن جهاد النفس، الجهاد الأكبر، ويذكر سامعيه برحمة الله، التى وسعت كل شىء.
يحتاج واقعنا إلى منهج عرفات البسيط الواضح، نحتاج إلى الصوفية كفكرة صافية، تريد الوصول إلى علاقة أعمق بالخالق، لا تقنع بالشكل، ولا ترى فى العاصى عدوا، وإنما ترى فيه تائبا وعارفا محتملا، لا تجعل الدين عقابا، وإنما تجعله اكتشافا لألوان من السعادة الروحية، ولفهم أعمق لقوانين الحياة.
هذا الخيال جاء من قلب الواقع، ويعود إليه، لا يفرض شيئا، وإنما يجعلنا نرى ما أوصلتنا إليه دائرة العنف والتشدد، وما انتهينا إليه بسبب لعبة الدين والسلطة، وتحويل فئة معينة إلى الوصاية على البشر، بدعوى الدفاع عن الدين، بينما هم ينفرون الناس منه، لديهم غيرة مدمرة تهدم ولا تبنى.
محارب الذى أراد السلاح لحماية «الجماعة» أفلت منه الزمام، هذا الباب يفتح على الجحيم، الشيطان يتلاعب بعقول المتطرفين والمتشددين، ولكنه يخاف العارفين، يخاف القلوب، ولا يخاف من العقول الخاوية.
لا تفريط ولا إفراط، بل دعوة للمعرفة الحقة، دعوة للجميع، للذات وللآخر، للحاكم وللمحكومين، يقول عرفات لحافظ باشا زائر الجزيرة إن أهل الحكم مساكين، ويوصيهم بأن يتقوا الله، ويسلموا الأمانة من سكات، وكتاب الجزيرة أهدى إلى الرئيس السادات، فيا ليته أدرك مغزاه ومعناه.
أما البحر الذى ابتلع سندس، فقد عاقب أيضا قاتلها، البحر جاء بخلدون وشياطينه، ولكنه هو أيضا الذى ألهم الجدة المكلومة الصبر والسكينة، البحر يمنع السمك ويعطيه وفق أحوالنا.
كيفما نكون.. يكون البحر.
كيفما نكون.. يكون.
فمن لنا بأهل البصيرة؟
التعليقات