الأربعاء 22 مايو 2019 11:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

الجمهوريات الملكية العربية..

نشر فى : الثلاثاء 12 مارس 2019 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 مارس 2019 - 8:30 م

لم يسقط نظام الخلافة (الملكي) كليا، بعد.. وحتى «الجمهوريات» القائمة فى بعض أرجاء الوطن العربى هى ــ فى جوهر نظامها وأدائه، وإن أعلنت ذاتها «جمهورية» فإن حاكمها الواصل، غالبا، على ظهر دبابة، سرعان ما يتحول إلى «ملك» بألقاب سامية عديدة، أبسطها «حضرة صاحب الفخامة»..
وكما «جلالة الملك» فإن «فخامة الرئيس» لا يكتفى بولاية رئاسية، بل قد يجد لنفسه من المبررات والحيثيات ما «يقنع» به «شعبه» من أن التجديد أو التمديد إنما هو لحفظ الوطن وتأمين مستقبل المجد والرخاء والرفاه، وصد الأعداء عن الوطن وأهله الصامدين والمخلصين للدولة وبطلها الصنديد.
...بل أن بعض رؤساء الجمهورية قد أمضوا فى سدة الحكم أكثر من بعض الملوك، وبصلاحيات تكاد أوسع من صلاحياتهم، ولم يغادروا الموقع الممتاز إلا.. بالموت.
وبديهى أن يختفى «الشعب» مع أصحاب الجلالة والفخامة، وأن يرجع «الناس» إلى موقعهم الطبيعى كرعايا وأن يخاطبهم ولى الأمر بصفتهم «شعبه العظيم».
بديهى، أيضا، أن تختفى الأحزاب السياسية أو أن «تذوب» فى حزب «السيد الرئيس»، وأن يتحول «الشيوعى» إلى بعثى» للضرورة، أو «القومى العربى» إلى «شيوعى» كما جرى فى جنوب اليمن، أو «اليسارى» إلى «انعزالى» كما جرى فى لبنان وأقطار عربية أخرى..

وإذا كان الملك يتوج ليحكم مدى العمر، فإن بعض من وصلوا إلى الموقع الأعلى قد نصبوا أنفسهم رؤساء « إلى الأبد»، أو إلى أن يقضى عليهم «ثوار الفوضى».
ولقد حكم بعض البلاد العربية ضباط برتبة عقيد، أو نقيب، أو حتى برتبة «رقيب أول»، مثل على عبدالله صالح فى اليمن (وفى سوريا كما لفترة مع الملازم أو النقيب حاطوم..)

***

وفى هذه الحالات جميعا كانت مؤسسات الدولة تتحول إلى «تكايا»، من «مجلس النواب» الذى يصير «مجلس الشعب» ومن مجلس الوزراء الذى يتحول إلى «ندوة حوار» أو تكية للكلام عن ضرورة اتخاذ القرار... متى شرف المجلس برئاسة «القائد المفدى»..
.. وكما أن لا مدة لولاية الملك إلا فى عمره، كذلك الرؤساء العرب فإنهم يحكمون طالما «العمر يليق لهم».
هل ترى لهذا تتغير الأحوال، وتتبدل الأولويات، وتنهض البلاد ذات الأنظمة الديمقراطية (التى اختارتها وارتضتها نظاما للحكم، على علاتها..) فى حين تعجز هذه الأنظمة المسماة ديمقراطية لتمويه دور العسكر فيها أو لطمس دور القبيلة أو العشيرة أو الطائفية؟!
ثم، لماذا لا ينتبه الناس فى بلاد الغرب (والشرق البعيد غالبا) إلى دين الرئيس (أو حتى الملك) ولا إلى مذهبه، بل يحاكمونه ويحكمون عليه بقدرته على الإنجاز أو عجزه عنه، وبتحقيق الوعود التى أطلقها قبل الوصول ثم التقصير فى الإيفاء بها، بعدما استقر على العرش؟!
هل يعود العيب فى نقص الديمقراطية إلى ابتداع «الخلافة»، بعد رحيل النبى محمد (صلى الله وعليه وسلم)، ولم يقبل فى حياته أن يكون رئيسا أو ملكا أو أميرا، مكتفيا بكونه رسول الله.. كذلك فهو لم يقبل أن يسمى وليا للأمر بعده، بل ترك أمرهم شورى بينهم، وإن كان قد أكد، بالقرآن الكريم، كما فى خطبه ورسائله على أن الله هو ولى الناس، وأوصى بأن يكون الأمر شورى بينهم، مؤكدا أن أقربهم إليه أتقاهم..
ويمكن لأى ساذج أن يتساءل: هل هو السبب أم أنه بين الأسباب التى أدت إلى اغتيال ثلاثة من الخلفاء الراشدين، ثم كانت الفتنة الكبرى التى أدت إلى تحول الخلافة إلى ملك مكين يؤخذ بالسيف ولا يتركه صاحبه إلا بالسيف؟!
وهل هو السبب، استطرادا، فى إنقلاب «وجعلنا أمرهم شورى فيما بينهم» إلى توريث الملك: يموت الملك، أو الخليفة، يعيش الملك الجديد أو الخليفة الجديد.. فإن لم يكن للراحل ابن راشد اختارت الأسرة المالكة وريثا ملكا، وغالبا ما قتل الأخ أخاه من أجل أن يصير الحكم إليه...
***
ذلك فى التاريخ. أما فى العصر الحديث فكثير من الرؤساء العرب، لا سيما الذين جاءوا من العسكر، اعتبروا أنهم «مخلصو البلاد» و«منقذو الشعب من الفتنة» بل وسمحوا لإعلامهم أن يسمى واحدهم «الرئيس الخالد» وهو حى يرزق..
والأمثلة كثيرة وموجعة:
فالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة حكم تونس (بنظام ديمقراطي) لنحو ثلاثين سنة متصلة، برغم أنه فى سنواته الأخيرة كان قد ضربه الخرف، وبات ينسى الأسماء والمناصب إلا فى حالات محددة ومؤقتة... وكانت شهادة التزكية أنه قاد بعض النشاط السياسى ضد المستعمر الفرنسى، مما أدى إلى إسقاط «الباى» الذى كان يحكم تونس.

والعقيد معمر القذافى الذى وصل إلى السلطة بإنقلاب عسكرى قاده مع بعض ضباط الجيش على الملك إدريس السنوسى بعد جلاء بعض المستعمرين عن أرضها، أو سماحهم بقيادة دولة فيدرالية (من ثلاث ولايات: الشمال، طرابلس ومحيطها، والشرقــ بنغازى ومحيطها عند الحدود مع مصر والجنوب، سبها ومحيطها على الحدود مع تشاد..).
ولقد حكم القذافى ليبيا بطريقة فريدة لمدة تزيد عن 42 سنة حكما مفردا مطلقا لا شبيه له فى التاريخ: فهو أكثر من إمبراطور، له القرار فى السياسة والاقتصاد والزراعة والفكر، بينما الشعب مجرد أرقام يحملها الرعايا فى مؤتمرات التنظيم الأوحد فى «الجماهيرية» التى ابتدعها «القائد: صاحب النظرية التى قدمها فى «الكتاب الأخضر» ومجموعة مؤلفات أخرى كتبها فى أوقات فراغه وتناول فيها شؤون الفكر والاقتصاد والسياسة والدين بطريقة غير مألوفة وأحيانا مبتدعة.

وإذا ما تجاوزنا جمال عبدالناصر الذى حكم 1956 منذ قيادته الثورة فى 23 يوليو 1952، فإن أنور السادات الذى حكم فى الاتجاه المضاد، وعقد الصلح مع العدو الإسرائيلى ووقف خطيبا أمام الكنيست فقد سقط برصاص الاغتيال خلال الاحتفال فى الذكرى الثامنة «لنصر أكتوبر» وهو على المنصة فى 6 أكتوبر 1981.

ولقد خلفه الرئيس حسنى مبارك الذى حكم مصر لثلاثين سنة متصلة وقد خلعته ثورة شعبية عارمة، سرعان ما صادرها «الإخوان المسلمون» وتمكنوا من إيصال مرشحهم محمد مرسى إلى سدة الرئاسة، ثم خلعته انتفاضة شعبية عارمة .

وقد حكم سوريا الفريق حافظ الأسد بانقلاب عسكرى مدة ثلاثين عاما متصلة (1970ــ2000)، ثم تولى منصبه، كخلف له فى رئاسة الجمهورية نجله الدكتور بشار الأسد، وهو فى منصبه حتى اليوم.

***
هذه لمحة مختصرة عن تاريخ الرئاسة فى الجمهوريات العربية..
أما تاريخ الممالك وملوكها، والإمارات وأمرائها، فيحتاج إلى وقفة أخرى. مات الملكــالرئيس عاش الرئيســ الملك.
من أين يأتى الغد العربى الأفضل؟!

رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات