«الحقيقة».. بورتريه لامرأة فريدة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 11:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«الحقيقة».. بورتريه لامرأة فريدة!

نشر فى : الخميس 14 نوفمبر 2019 - 10:05 م | آخر تحديث : الخميس 14 نوفمبر 2019 - 10:05 م

هذا الفيلم الذى عرض فى بانوراما الفيلم الأوربى، واختير سابقا لكى يفتتح مهرجان فينيسيا 2019، يرسم ببراعة بورتريها لامرأة فريدة، ممثلة عجوز قوية الشخصية، حصلت على المكانة والجوائز، وعلى الأدوار والعشاق من الرجال، ولكنها لم تستطع أن تكون أما ناجحة، كل شخصية تظهر، وكل موقف نراه، هو ضربة فرشاة فى هذا البورتريه الملىء بالتناقضات.

فيلم «الحقيقة»، أبطاله كاترين دينيف، وجولييت بينوش، وإيثان هوك، والمخرج هو كوريدا هيروزاكو، صاحب الفيلم اليابانى المؤثر «سارقو المتاجر»، أما بطلة الحكاية، فهى الممثلة فابيان ذات الثلاثة والسبعين ربيعا، التى تستقبل فى قصرها ابنتها لومير، كاتبة السيناريو التى تعيش فى أمريكا، وزوج الابنة الأمريكى، الذى يعمل ممثلا من الدرجة الثانية، وابنتهما الطفلة شارلوت، هذه الزيارة بمناسبة صدور مذكرات فابيان، ترى أين الحقيقة؟ وأين الأكاذيب فيما كتبت؟

ظاهريا تبدو فابيان وقد ضحت بكل شىء من أجل التمثيل، الابنة العائدة لا تتذكر مرة لعبت معها أمها، فابيان ما زالت تشارك فى الأفلام، وتدريجيا نكتشف من خلال تصوير فيلمها الجديد درجة تعاليها وغيرتها من الممثلة الشابة التى تشاركها البطولة، الفتاة تشبه منافسة فابيان القديمة، ممثلة ماتت اسمها سارة، خطفت منها فابيان أهم أدوارها.

ليس الجديد هو تشريح ممثلة عجوز تقاتل من أجل البقاء، ولا هذا الصراع بين الممثلة وابنتها، ولكن الجديد هو تلك المعالجة الممتزجة بالسخرية، وهذه التناقضات التى تبدو عليها فابيان، حيث تسخر الجميع لأجلها، مثل طفلة كبيرة لا تتنازل عن لعبة التمثيل أبدا، غيورة، وفظة، ومزعجة، ولكنها طفلة كبيرة فى كل الأحوال.

ربما كانت الملاحظة الأوضح على السيناريو، رغم ذكاء المعالجة والتفاصيل، هو أن صراع فابيان مع الابنة العائدة كان أضعف من صراع فابيان أثناء تصوير فيلمها الجديد، شخصية الابنة التى لعبتها جولييت بينوش باهتة، مع أنه من المفترض أن تعادل شخصية الأم فى الصراع، وهذا سر بعض الترهل فى السرد، رغم جودة كتابة معظم المشاهد، وشخصية الممثل الأمريكى، زوج الابنة، لا تتطور أيضا، إنه يثير السخرية والرثاء أحيانا.

كاترين دينييف هى محور العرض، وهى ممثلة كبيرة حقا، ولديها حضور فائق على الشاشة، ولكن عمليات التجميل التى نفخت وجهها، أضاعت قدرتها على التعبير، قد تكون هذه الملامح الجامدة متسقة مع مواقف كوميدية مرحة، أو حتى مع طبيعة شخصية صلبة وقوية، ولكنها بالتأكيد لا تناسب مواقف تأثرها وبكائها، سواء أثناء تصوير الفيلم، أو فى حوارات قليلة قوية مع ابنتها لومير.

مخرج الفيلم اعتمد على البساطة، لا توجد حركة للكاميرا تسرق العين من الشخصيات، ولا يوجد إبهار من أى نوع، لدرجة بدت معها المشاهد الداخلية مثل مشاهد المسلسلات التليفزيونية، ولولا التوظيف الجيد للموسيقى، لكنا أمام لقاءات تنقصها الحيوية، فى هذه النوعية من الأفلام يكون الاعتماد على الممثلين، وعلى الحوار، وهو ما حدث بالفعل.

الفيلم الجديد هو الذى سيفك الجليد الذى دفنت فيه فابيان نفسها، زيارة الابنة وزوجها وطفلتهما ستساهم أيضا فى التغيير، ولكن فى الدرجة الثانية، ستعرف فابيان أخيرا العبارة التى ستقولها لله إذا وقفت على باب الجنة، لن تخبرنا بالعبارة، ولكننا نستطيع أن نخمن أنها أخيرا يمكن أن تقول لله إنها أصبحت أما ناجحة، وممثلة عظيمة، معا، بينما كانت ترى نفسها ممثلة عظيمة فقط، تصر على التواجد، حتى النفس الأخير.

فيلمنا ينحاز لنسائه بقوة، رجال الفيلم غلابة تماما، فمن والد لومير الذى نراه فى صورة بائسة، إلى زوجها الممثل الأمريكى السكير، وصولا إلى جاك سكرتير فابيان، ووصولا إلى العشيق الحالى الذى يطبخ لها مأكولات شهية، يستعرض الفيلم رجالا على الهامش، فى مقابل نسائه القويات: فابيان وابنتها لومير، والممثلة الشابة، وحتى سارة الممثلة القديمة، التى سمعنا عنها ولم نرها.

أما معنى الحقيقة فى الفيلم فمراوغ؛ لأن فابيان تفضل أن تعيش حقيقتها كممثلة، حتى مذكراتها كتبتها بمنطق الحقيقة الفنية، لا بمنطق الكذب، لقد أرادت أن تصنع لنفسها حقيقة تماثل صورتها كممثلة شهيرة، ولكنها تبدو فى مشاهد النهاية، وقد اعترفت أخيرا بحقائق الواقع، فلا يمكن أن تكون ممثلة فقط، ولا تناقض بين أن تلمس الواقع المعيش، وبين أن تحوله إلى فن.

التعليقات