كشوف العذرية - سلامة أحمد سلامة - بوابة الشروق
الخميس 24 أكتوبر 2019 5:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


كشوف العذرية

نشر فى : الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:38 ص

قضيتان أصبح الإسراف فى الحديث عنهما دون داع، من الأمور التى تنال من مكانة المرأة المصرية. وتوحى بأن الثورة أخفقت فى وضع المرأة فى المكان اللائق وحمتها من تطاول المجتمع الذكورى على حقوقها ومكانتها.. وهما قضية كشوف العذرية وقضية ختان البنات. وكلتا القضيتين أصبحت تستخدم كسلاح سياسى فى الصراع المجتمعى الدائر فى مصر بين القوى الإسلامية من ناحية والقوى الليبرالية والمدنية من ناحية أخرى. بينما عجز النظام العسكرى عن اتخاذ موقف حاسم من الجانبين، بل وربما استغل التناقض بينهما لتحقيق أهدافه!

 

فى قضية كشوف العذرية التى لم تثبت فى أى واقعة من الوقائع حتى الآن، استخدم الادعاء بكشف العذرية كوسيلة للضغط على الشرطة العسكرية وجهات التحقيق التابعة لها، لإدانة عمليات الاعتقال والقبض على المعتصمين والمشاركين فى المسيرات والمظاهرات.. ثم وُظّف بعد ذلك فى المطالبة بالإفراج عن المتهمين فى عديد من المصادمات وأعمال العنف التى وقعت فى شارع محمد محمود ووزارة الداخلية. وفى آخر مرة أثيرت حكاية كشوف العذرية كانت للإفراج عن المحتجزات فى أحداث العباسية. وثبت من التصريحات التى أدلت بها طبيبة ميدانية ممن ألقى القبض عليهم، أنها ومن معها من الفتيات لم يتعرض أحد منهن لكشوف العذرية. وباستثناء الناشطة سميرة إبراهيم التى تقدمت بشكواها إلى النيابة العامة.. فقد بقى الاتهام معلقا فى الهواء ولم تصدر فيه أحكام قضائية.

 

طبعا من أسوأ الأمور، ومما يقلل من دور المرأة فى الحركات الثورية وفى الحياة السياسية عموما أن تتحول كشوف العذرية إلى سلاح للمقاومة. وحين نشرت الصحف الغربية صورة الفتاة المسحولة بجسدها شبه العارى، لم يكن ذلك اعترافا ببطولة الفتيات المصريات فى الثورة، بقدر ما كان طعنا فى القوات العسكرية وكفاءتها. إذ يبدو أن المرأة المصرية لم تنخرط بعد بالقدر الكافى فى أنشطة ثورية بالمعنى الحقيقى، كما عرفته المرأة الجزائرية أو العراقية أو الفلسطينية.. بل وحتى المرأة السورية التى تلعب حاليا دورا شجاعا فى المقاومة السورية ضد بشار الأسد وحكومته وبلطجيته!

 

وبقدر ما يكثر الحديث عن كشوف العذرية مع كل مظاهرة أو مليونية، بقدر ما يؤدى إلى التهوين من ظاهرة التحرش الجنسى فى الميادين والمناسبات العامة ووسائل النقل والمواصلات العامة. وتشجع ضعاف النفوس على إطلاق غرائزهم بدون حساب، ما دامت أصابع السلطة عاجزة عن فرض هيبة النظام والدولة والقانون.

 

وليس أسوأ من الإفراط فى الحديث عن كشوف العذرية، بهدف إضعاف قبضة الحكم العسكرى والسياسات التى ىنتهجها المجلس، إلا استخدام قضية ختان البنات فى الحملات السياسية ضد التيارات الدينية والسلفية المحافظة، التى خرجت من بيئة اجتماعية ريفية مازالت تختلط لديها القيم الدينية بالتقاليد والعادات المغروسة فى قلب الأسرة المصرية منذ قرون!

 

وما حدث فى محافظة المنيا من اتهام حزب الحرية والعدالة بتنظيم قافلة طبية لتوقيع الكشف الطبى على الأهالى وإجراء عمليات الختان للذكور والإناث.. أثار زوبعة عاتية ضد الحزب لا تخلو من أهداف سياسية، فى وقت يخوض فيه مرشح الحزب انتخابات رئاسية عنيفة. وقد أنكر المسئولون فى الحرية والعدالة أن يكون تنظيم القافلة الطبية لهذا الغرض أى لختان البنات. ولكن غياب المعلومات وغياب الدولة وأجهزتها عما يجرى تحت سمعها وبصرها، يجعل من السهل تصديق مثل هذه الممارسات.

 

غير أن ما يجعل لمثل هذه الاتهامات نصيبا من الصحة، هو ما ينسب لبعض أعضاء الحرية والعدالة فى مجلس الشعب من ترويج لهذه العادة المقيتة. وقد كتبت سيدة من أعضائه فى «تدوينة» لها أنه لا يوجد نص لحديث نبوى شريف ينهى عن ختان البنات لأنه «سترة للفتاة».. وأن الختان للرجال والنساء من صفات الفطرة التى دعا إليها الإسلام. فضلا عما ينسب لبعض أعضاء التيار الإسلامى فى البرلمان من التقدم بمقترحات لإلغاء قانون الخلع، وإباحة الزواج من فتيات دون الرابعة عشرة.. وكلها أفكار دخيلة على الإسلام الصحيح. ويروجها البعض لدعم الإسلاميين سياسيا لدى الأوساط الريفية، وكسب تأييد طبقة من الشعب ظلت محرومة من الاستنارة والتعليم. ونجحت القوى السلفية المحافظة فى توظيفها سياسيا.

 

فى القضيتين السابقتين: أى فى حالة كشوف العذرية وحالة ختان الإناث، فإن معظم الذين يحركونها وينفخون النار فيها، لا يبحثون عن الأسلوب الأمثل لمواجهة الآثار الضارة الناجمة عنها فى البيت والمجتمع، وفى التأثير السلبى على مركز المرأة ومكانتها. ولكنهم فى الأغلب مدفوعون بأهداف سياسية.. الرجل هنا هو المستفيد الأول. بينما تقف المرأة من هاتين القضيتين خائفة مذعورة، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها وسط مجتمع من الوحوش المفترسة!

سلامة أحمد سلامة صحفي وكاتب مصري كبير وصاحب آراء ليبرالية قوية وجريئة وبناءة في مسيرة الصحافة العربية. يشغل منصبي رئيس مجلس تحرير جريدة الشروق ورئيس مجلس تحرير مجلة وجهات نظر. هو صاحب العمود اليومي من قريب في جريدة الشروق وكان في السابق نائبا لرئيس تحرير الأهرام.
التعليقات