تجاعيد المدينة - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
السبت 29 يناير 2022 12:39 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


تجاعيد المدينة

نشر فى : الأربعاء 15 يونيو 2016 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 16 يونيو 2016 - 12:14 ص

المدن كالناس، نحبها ونتآلف معها، أو لا نطيقها فلا نتقبلها. المدن كالناس تتغير مع الوقت، بعضها يشيخ وبعضها يتجدد، قد تشيخ مدينة بأناقة فتحافظ على جمالها بفضل بعض التصليحات هنا أو هناك،وقد تهرم بشكل يصعب علينا التعرف عليها، إن كنا لم نرها منذ سنوات.

هناك أحيانا شىء مزعج فى أن تلاحظ تغييرات على مكان مألوف، وكأنه أخل بك أثناء غيابك فغير بعضا من ملامحه التى أحببتها. هناك دوما رغبة بزيارة زوايا مدينة نعرفها حين نزورها بعد فراق، ننظر إليها بشوق أو بشغف، نحاول أن نعثر فى كل شارع على ذكرى تركناها على الرصيف.

هنا تمشينا بعد العمل مع زميلة يوم التقت بمن أصبح الآن زوجها، هنا توقفنا لننظر إلى حادثة سرقة جرت أمامنا كما فى الأفلام. فى هذا المطعم جلست مع زوجى فى أول زيارة لى لتلك المدينة بعد أن تزوجنا.


أعود فى زيارة إلى مدينة عشت فيها عدة سنوات كانت من أغنى سنوات عمرى، فأرى أن محل الحلويات الذى اعتدت أن أشترى منه قد حل محله بائع أدوات منزلية.

دكان «العجائب» الذى وجدت عنده عدة هدايا لوالدتى أصبح فاضيا ينتظر مستثمرا جديدا. مدخل العمارة التى كنت أعمل فى مكتب فى أحد طوابقها اختفى وراء عمليات التجديد التى بدأتها الشركة التى استأجرت البناء مؤخرا.


●●●


ثمة شىء يفقدنى بعض توازنى عند رؤية مكان حفرته فى ذاكرتى وقد تغير حتى ولو قليلا. مع الأماكن، كما مع الناس، أنتبه إلى أننى أجمدها فى ذهنى وكأننى أريدها أن تبقى كما أحببتها.والدى مثلا هو ذلك الشاب الطويل كثيف الشاربين الذى كان يأتى إلى المدرسة ليسأل المعلمة عن أدائى.

أمى هى تلك الفراشة الجميلة التى ترفرف من حولنا، فتفرش ألوان جناحيها لتضمنا داخلها وهى تحكى لنا القصص والحكايات. فى ذهنى لم يتغير من أحب، لم يكبروا ولم تتباطأ خطواتهم، فى ذهنى لم يغلق مطعمى المفضل أبوابه لأن ثمة يوما مميزا جدا قد احتفلت به هناك.

العلاقة مع المدن المألوفة، لا سيما تلك التى تركنا فيها أجزاء من نفسنا، تشبه كثيرا علاقتنا مع من ربطتنا بهم علاقة إنسانية، نتذكرهم، نبتسم لموقف يحضرنا فجأة، نغضب من جديد ثم نهدأ بسرعة لموقف نعيد تشريحه، نستغرب تغييرا طرأ على وجه المدينة كما على وجه شخص حفظنا ملامحه، تظهر لنا التجاعيد، حين نلتقيهم بعد فترة غياب عنهم طويلة، فنتجاهلها بحثا عن ذلك البريق الذى عهدناه فى العينين.

هو نفس الشعور الذى يجتاحنا لحظة عثورنا على صورة قديمة لشخص نراه باستمرار، كشريكنا فى بدايات معرفتنا به أو أحد أقاربنا الأكبر سنا. نقرب الصورة من وجهنا، نتمعن فيها لأننا للحظة لا نتعرف عليهم، ثم تأتينا تلك الضحكة من مكان بعيد جدا فترن فى أذننا بوضوح.

يضحك والدنا من جديد كما نراه فى الصورة التى عمرها ثلاثون أو أربعون عاما. هنا كنا فى بيت الجدة، ها هى فى الزاوية يمكن أن نرى ظهرها وهى تتحرك. والدنا يرتكز على طرف المقعد الذى تجلس عليه والدتنا. ننظر مجددا. هى بعمرنا اليوم، تماما كما جمدناها فى ذهننا.

هى تجلس فى المقعد مرتاحة، كان ذلك أول أيام العيد لكننا لا نتذكر إن كان عيد الفطر أم عيد الأضحى. من المؤكد أنه أول يوم العيد لأن العادة جرت أن نجتمع كلنا فى ذلك البيت يوم العيد.

اليوم ما زال الوالد والوالدة موجودين فى حياتنا لكن الجدة رحلت، والقريب الذى نراه فى الصورة قد فقد اليوم الكثير من شعره. أما زوجته فقد ازداد وزنها كثيرا حتى إننا لم نتعرف عليها فى الصورة القديمة فى بادئ الأمر، لكننا سرعان ما رأينا ابتسامتها العريضة فتذكرناها.


●●●


هكذا الحكاية مع الناس والمدن، نريدهم أن يبقوا كما كانوا حين ارتبطنا بهم، نريد للبقال المغربى أن يتذكرنا، ونريد لمقهانا المفضل أن يستقبلنا. ما هذا المطعم بائع الوجبات السريعة الذى فتح مكان مقهانا؟

أبحث بين تجاعيد المدينة عن التعابير التى أحببتها فيها، أرى الشمس وهى تجفف مطر الصيف، فيظهر قوس قزح كابتسامة سيدة عجوز تعود فجأة للشباب. أسمع صوت مرور قطار المترو، فأسمع معه ضحكات أولادى الذين كانوا صغارا حين عشنا هنا رغم أنهم ليسوا معى الآن.

أشم رائحة شواء اللحمة على عربة بيع طعام فى الشارع، فأعرف أنه سيصلنى معها صوت أم كلثوم، فأصحاب هذه العربات على الأغلب من مصر، وحنينهم يدفعهم لبث أغانى الست من عرباتهم على بعض نواصى الجادة الخامسة فى نيويورك.

أنا أيضا كنت أشعر بالبعد عندما كنت هنا رغم انشغالى بحياة تلك المدينة الصاخبة، فكنت كثيرا ما أمشى قرب عربات بيع اللحمة المشوية هذه لأنتقل فى خيالى إلى أم الدنيا لمدة سير خطواتى التى أبطئها حتى أستمع إلى آخر مقطع من «ألف ليلة وليلة» من جهاز التسجيل المعلق فوق العربة.


●●●


فى تجاعيد الوجوه والمدن حكايات نسجناها فى قلبنا، حفرناها فى ذاكرتنا. نريد لتلك اللحظات أن تبقى كما عشناها وألفناها، ولمن نحب أن يشبهوا صورتهم التى معنا. أخاف التغيير رغم يقينى بأنه حتمى، أخاف أن يفلت منى الأشخاص فتفلت منى أجزاء من الحياة.

أتمسك بنواصى الشوارع وبنظرات الأحبة، فأعرف أن الحياة هى مشاوير فى مدن مع أشخاص أحبهم.

كاتبة سورية

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات