هل أمريكا خرافة؟! - العالم يفكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 5:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

هل أمريكا خرافة؟!

نشر فى : الخميس 17 سبتمبر 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الخميس 17 سبتمبر 2020 - 8:10 م

نشرت صحيفة The New Yorker مقالا للكاتبة Robin Wright تناولت فيه التصدعات التى لا يمكن رأبها فى أساس الولايات المتحدة، فأمريكا تكونت من ثقافات متصارعة توحدت فقط لمواجهة بريطانيا، ولكن فى الحقيقة لا يوجد ما يوحد أعضاءها التى تزايدت الانقسامات بينهم بسبب الكراهية... نعرض منه ما يلى.
الولايات المتحددة تتفكك، ولا يرجع هذا فقط لموسم الانتخابات السام أو العنصرية أو البطالة أو الوباء الذى يقتل الآلاف شهريا، ولكن التصدعات الموجودة فى أساس الأمة يصعب إصلاحها على المدى القريب أو حتى البعيد. يسيطر الغضب على أمريكا، وقد يزداد الأمر سوءا بعد الانتخابات بغض النظر عمن سيفوز. تهدد الانقسامات السياسية والثقافية استقرار بلد اعتبر نفسه نموذجا لبقية دول العالم. حتى إن علماء السياسة والمؤرخين يفترضون أن محاولة توحيد الولايات والثقافات والمجموعات العرقية والأديان المتباينة كانت دائما وهمية.
تعكس أزمة اليوم تاريخ الأمة. فلم يتغير الكثير. أنشأت الدولة من ثقافات متعددة أغلبها متنافسة لم يفكروا فى انتمائهم لبلد واحد. الولايات المتحدة كانت مصادفة تاريخية، ربما لأن تلك الثقافات واجهها تهديد خارجى واحد من بريطانيا جعلهم يشكلون جيشا قاريا وكونجرس يضم ممثلين من 13 مستعمرة.. بعد ما يقرب من 250 سنة، تزعم الولايات المتحدة الآن أنها بوتقة انصهار نتج عنها ثقافة أمريكية ونظام سياسى يتعهد بتوفير الحياة والحرية والسعادة.. فى الغالب، لم يحدث ذلك.
لا يزال الانقسام الثقافى عميقا. قد يعرف 130 مليون شخص أنفسهم على أنهم أمريكيون. ولكن اختلفت التعريفات. الوعد الأمريكى لم يتحقق بالنسبة للعديد من السود واليهود واللاتينيين والأمريكيين الآسيويين وعدد لا يحصى من المهاجرين، إلى جانب بعض البيض أيضا. أطلق العنان للكراهية وتنامت جرائمها على أساس العرق واللون.
فى القرن الواحد والعشرين، وعلى الرغم من وحدة اللغة، إلا أن الأمريكيين لا يفهمون بعضهم البعض. الخطاب السياسى الراهن يبدو أنه حرب أهلية بوسائل أخرى، ويبدو أن الأمريكيين لا يريدون أن يكونوا أعضاء فى نفس الدولة. وكما أنشأ الاتحاد بمحض المصادفة، فإن كل خطوة فى سبيل تحقيقه تطلبت تسويات غير أخلاقية أدت فقط إلى الدفع بالمشكلات نحو المستقبل.
محاولات محاسبة الماضى الظالم ينتج عنه المزيد من الأسئلة والانقسامات حول مستقبل الولايات المتحدة. فى واشنطن أوصت عمدة المدينة، موريل باوزر، فى تقرير أعده مكتبها بطلب الحكومة الفيدرالية «إزالة أو نقل أو تحديد سياق» نصب واشنطن التذكارى ونصب جيفرسون التذكارى وتماثيل لبنجامين فرانكلين وكريستوفر كولومبوس وآخرين. جمعت اللجنة قائمة بالأشخاص الذين لا ينبغى تسمية أعمال عامة بأسمائهم، بما فى ذلك الرؤساء جيمس مونرو، وأندرو جاكسون، ووودرو ويلسون، والمخترع ألكسندر جراهام بيل، وفرانسيس سكوت كى كاتب النشيد الوطنى. بعد سيل من الانتقادات، قالت موريل باوزر إن التقرير أسىء فهمه وأن المدينة لن تفعل أى شىء حيال الآثار والنصب التذكارية. لكن يبقى السؤال مهما، ليس فقط لأننا نعيش فى عصر «حياة السود مهمة» ولكن ما هى أمريكا اليوم؟ وهل تختلف عن ماضيها المظلم؟
كان هناك دائما غموض حول ما يفترض أن تكون عليه الولايات المتحدة. هل كان من المفترض أن تكون تحالف دول (مثل الاتحاد الأوروبى)، أو كونفدرالية (مثل سويسرا)، أو دولة قومية، أو حتى آلية تعاهدية لمنع الصراع داخلها؟ بعد الثورة الأمريكية لم تتم معالجة الاختلافات الأساسية. واليوم لا تزال أمريكا فى صراع حول قيمها، سواء على العقد الاجتماعى، أو وسائل تربية أبنائها، أو الحق فى حمل السلاح أو حظره، أو حماية أراضيها، أو العلاقة بين الولايات والحكومة الفيدرالية.
فى بداية الشهر الجارى، هدد الرئيس دونالد ترامب بحجب الأموال الفيدرالية عن أربع مدن رئيسية ــ نيويورك وواشنطن العاصمة وسياتل وبورتلاند ــ بسبب ما بهم من فوضى واحتجاجات، كان هذا التهديد الأحدث فى سلسلة أعمال ترامب التى أدت إلى تعميق الانقسام، على الرغم من أنه لم يكن أول من بدأ هذا المسار.
لطالما مرت الولايات المتحدة بأزمات هددت تماسكها، بدأت فكرة الجمهورية الثورية الملتزمة بالمساواة فى التآكل مع ظهور الخلافات الإقليمية وتلاشى الجيل الأول من الثوار، لقد حاولت الولايات أو الأقاليم مرارا وتكرارا الاستقلال، وكان أكبر صدع عندما انفصلت إحدى عشرة ولاية ــ تكساس وأركنساس ولويزيانا وتينيسى وميسيسيبى وألاباما وجورجيا وفلوريدا وساوث كارولينا ونورث كارولينا وفيرجينيا ــ لتشكيل كونفدرالية.
مرة أخرى، تعود الانقسامات الواسعة لتهدد تماسك الأمة. اليوم، أمريكا مليئة بالحركات الانفصالية. فى عام 2017، وجد استطلاع للرأى فى ولاية فيرمونت أن أكثر من عشرين فى المائة من سكان فيرمونت يعتقدون أن الولاية يجب أن تفكر فى مغادرة الولايات المتحدة بشكل سلمى والتحول إلى جمهورية مستقلة، كما كان الحال فى الفترة من 1777 إلى 1791. وتطالب حركة تكساس القومية، التى تشمل عضويتها مئات الآلاف، بإجراء استفتاء عام على الانفصال. وظهرت المشاعر الانفصالية فى آخر ولايتين انضمتا إلى الاتحاد ــ ألاسكا وهاواى.
ساعدت الحاجة للتجارة الداخلية والتهديدات الخارجية ــ من بريطانيا ثم ألمانيا واليابان ثم القاعدة ــ على تماسك الولايات المتحدة، ولكن الآن، وبدون تهديدات خارجية، انقلبت الأمة على نفسها، الولايات المتحدة ليست على شفا انفصال، ولكن فى داخل العقول الأمريكية والمجتمع فهم فى فترة انفصال يتطور ببطئ.
الوقت ينفذ. وأصبحت احتمالية الانفصال المادى والسياسى حقيقة على الرغم من غياب حدود جغرافية للاستقطاب السياسى فى أمريكا. شهد القرن الحادى والعشرون انبعاثا واضحا لفكرة مغادرة الولايات المتحدة أو تفكيكها ومجموعات متنوعة من الحركات الانفصالية التى شكلتها صراعات وانقسامات الماضى والتى عادت فى طرق جديدة ومن المحتمل أن تكون مزعزعة للاستقرار، فى السنوات القادمة، من المرجح أن تزداد جاذبية فكرة الوصول بالتجربة الأمريكية إلى نهايتها، حتى بين المؤيدين المخلصين لفكرة السلطة الفيدرالية.
إعداد: ابتهال أحمد عبدالغنى
النص الأصلى
https://bit.ly/33AchSI

التعليقات