هل يمكن تفادى سقوط مصر فى هوة الدولة الفاشلة؟ - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 8 مارس 2021 2:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

هل يمكن تفادى سقوط مصر فى هوة الدولة الفاشلة؟

نشر فى : الإثنين 17 أكتوبر 2011 - 9:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 17 أكتوبر 2011 - 9:45 ص

هناك بعد فى أحداث الأسبوع الماضى يتجاوز الشعور بالألم لما جرى أمام مبنى ماسبيرو مع مقتل عشرات وجرح مئات من المصريين غالبيتهم الساحقة من المدنيين الذين خرجوا فى تظاهرة سلمية، وهو بعد يدعو لأشد الانزعاج والقلق، وهو أن أحداث الأسبوع الأخير وردود الفعل الرسمية التى ترتبت عليها، بما فى ذلك ما صدر عن كل من الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، هى الحلقة الأخيرة فى الانحدار السريع لمصر نحو هوة الدولة الفاشلة، ومما يدعو إلى أشد القلق أنه لا يبدو فى الأفق المنظور، من لديه القدرة والإرادة على وقف هذا المسار.

 

 

الإخفاق فى توفير الأمن والعدالة

 

وليس المقصود هنا أن الدولة فى مصر أصبحت بالفعل عاجزة عن دفع التنمية الاقتصادية، أو تحقيق الرفاهية للمواطنين، أو التوفيق بين القوى السياسية المتنافسة، أو إدارة علاقاتها الخارجية على نحو يضمن لها قدرا من النفوذ فى المحيط الإقليمى ولا نقول المحيط الدولى، ولكن للإخفاق بعدا أكثر تواضعا بكثير، لأنه يمس الوظائف الأساسية للدولة، والتى بدونها لا تستحق الشرعية والولاء من جانب المواطنين، وتجعلهم يبحثون عن كيان آخر، أقدر على إنجاز هذه الوظائف.

 

ولا يقتضى الأمر أن يكون الإنسان متخصصا فى العلوم السياسية لكى يدرك أن الوظائف الأساسية للدولة هى الدفاع عن مواطنيها وإقليمها ضد الاعتداءات الخارجية، وتوفير الأمن لهم، وإقامة العدالة فيما بينهم، ولا يملك أى مراقب منصف أن يجزم بقدرة الدولة المصرية على الوفاء بهذه الوظائف. فلنترك مسألة الدفاع عن الوطن والمواطنين ضد الاعتداءات الخارجية، وقد كانت الهزائم العسكرية فى 1956 و1967 دليلا على افتقاد هذه القدرة. ومع الأداء المشرف للقوات المسلحة فى حرب أكتوبر سنة 1973، إلا أن المعاهدة المبرمة مع إسرائيل فى سنة 1979 تركت معظم سيناء منزوع السلاح، بينما أصبح الطيران الإسرائيلى مطلق السراح فى تدمير ما يعتبره أنفاقا فلسطينية على حدود مصر، وعلى النحو الذى تضرر منه سكان رفح، بل وتكررت الاعتداءات الإسرائيلية على جنود مصريين، واكتفت الحكومة المصرية فى أغلب الأحيان بعبارات الأسف الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية. وإذا كان يمكن للبعض القول بأن تلك كلها أحداث متفرقة لا تقيم دليلا على عجز عن حماية الحدود إلا أن فى امتلاك إسرائيل لتفوق مؤكد فى مجال قدرتها العسكرية يتمثل فى احتكارها للسلاح النووى فى الشرق الأوسط، وإطلاقها لأقمار صناعية من صنعها لأغراض التجسس وصواريخ بعيدة المدى، بالإضافة إلى التهديدات المتكررة من جانب زعمائها بتحويل سيناء إلى الوطن البديل للفلسطينيين فى غزة ما يدعو بالفعل إلى الكثير من الانزعاج، ويدفع نحو التخطيط الجاد لمواجهة هذه الاحتمالات.

 

طبعا هذا الجانب من القلق المشروع على قدراتنا الدفاعية فى الوقت الذى ينشغل فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالإشراف على ما نرجو أن يكون بالفعل مرحلة انتقالية على طريق التحول إلى حكم مدنى كامل الأركان قد لا يبدو للمواطنين مسألة ملحة، وذلك بالمقارنة بالإخفاق المؤكد للدولة فى أداء الوظيفتين الأخريين اللتين تتعلقان بما يواجهه المواطن فى حياته اليومية، وهما توفير الأمن وتحقيق العدالة. ليس هناك أى مبالغة فى تقرير أن قلق المواطنين الأقباط على أمنهم بعد أحداث ماريناب والقاهرة هو قلق مشروع وله أسس راسخة، وعندما تتخاذل الدولة فى حماية دور العبادة لا يكون الخوف من انعدام الأمن مقصورا على من يتردد على تلك الأماكن، ولكن عندما تقطع أذن مواطن، أو يطالب مسلمون متعصبون بخروج مواطن أو اسرة مسيحية من قريتهم بدون أى تدخل من أجهزة تسمى بأجهزة الأمن، تصبح الخشية من تكرار هذه الأحداث فى مدن وقرى أخرى هى القاعدة العامة بين كل المسيحيين.

 

وبهذه المناسبة أود تذكرة القارئ الكريم بأمرين، أولهما أن المسيحيين المصريين لم يعرفوا هذا القلق على أمنهم فى ظل حكومات مصر حتى فى عصر الحروب الصليبية ولا فى وقت الاحتلال البريطانى عندما وقف المصريون جميعا أيا كانت عقائدهم الدينية فى مواجهة العدو المشترك، ولكن هذا القلق بدأ عندما افتقدت الحكومات المصرية منذ عهد السادات شرعيتها ولجأت للاستنجاد بالدين دون أن يكون فى حسابها إطلاقا لا الاسترشاد بمبادئ الشريعة ولا بالشريعة ذاتها مصدرا للتشريع، والملاحظة الثانية أن افتقاد الأمن لا يقتصر على المواطنين المسيحيين، ولكنه هم مقيم لكل المصريين، مع وجود خمسة عشر ألف قطعة سلاح غير مرخصة تسربت إلى أيدى من يريدون امتلاكها لسبب أو لآخر من المواطنين، فضلا عن عشرات الآلاف من البلطجية، معظمهم، وفقا لتقارير صحفية عديدة وشهادات مباشرة، من العملاء السابقين لأجهزة الأمن ذاتها أصبحوا مطلقى السراح يعيثون فى أرض مصر شمالا وجنوبا شرق وغربا، اعتداء على المواطنين الآخرين دون رادع، ودون مجهود جاد من الشرطة لردعهم.

 

وليس أداء الدولة لوظيفة العدالة بأفضل حالا. دعك من أن النائب العام قد تجاهل أهم تهمة فى مواجهة كبار مسئولى العهد الذى نتمنى أن يكون بالفعل بائدا، ألا وهى تهمة إفساد الحياة السياسية، وهى، فيما نزعم، السبب الرئيسى فى الثورة ضدهم، ووجه إليهم تهما يصعب إثباتها وإن كانت فى الغالب مؤكدة. لا يحتاج حسنى مبارك أن يصدر أمرا بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فهو يختار معاونيه ممن يعرفون ما يريد دون أن ينطق به، وهو عندما يستدعى القوات المسلحة بعد إخفاق الشرطة فى إخماد ثورة شعبية، فهو يستدعيها لسبب واحد فقط، وهو أن تنجح فيما عجزت أجهزة الداخلية عن القيام به. وفضلا على ذلك فتقديم الدليل على إدانة مبارك أو كبار معاونيه بتهمة قتل الثوار هو مهمة ملقاة على أجهزة الأمن والتحقيق التى كانت عمادا لنظامه، أما عن تهم التربح، فما أسهل من تفنيدها من جانب محامين برعوا فى الدفاع عن متهمين أياديهم مصبوغة بجرائمهم، وبالاعتماد على جهاز بيروقراطى لم تكن لا الأمانة ولا النزاهة من بين سماته المميزة. ولكن افتقاد العدالة هو ما يعانيه الآلاف الذين قدموا لمحاكمات عسكرية، وهو أيضا ما يعانيه المسيحيون ضحية انتهاكات حقوقهم ليس فقط فى المساواة ولكن حتى فى الحياة عندما يكون منتهكو هذه الحقوق ممن تتغاضى عنهم أجهزة الأمن أو يكونون أنفسهم من بين أفراد وقيادات الأمن كما كان الحال فى الأسبوع الماضى.

 

 

أين المخرج؟

 

إذا كانت الدولة فى مصر لا تقوم بهذه الوظائف الأولية فى الوقت الحاضر، فلن يكون هناك أى أمل فى الخروج من هذه الأزمة المستحكمة. توفير الأمن والعدالة هو حق أساسى من حقوق الإنسان، لابد من توفيره لجميع المواطنين، بل ولكل من يعيش على أرض مصر، ولن تكون هناك استعادة للنشاط الاقتصادى، ولا وفاق بين طبقات وطوائف الشعب بدونه، ولكن الكارثة الكبرى أن المسئولين الأول عن توفير الأمن والعدالة هم من يحكمون مصر منذ سقوط الرئيس المخلوع، وقد دخل قسم منهم، وهم رجال الشرطة، فى إضراب صامت لا يبدو أنهم سيخرجون منه قريبا لقناعتهم بأنهم لم يرتكبوا جرما أثناء الثورة، وأنهم بقتلهم للمتظاهرين، كانوا يؤدون واجبهم فى حماية النظام أو يدافعون عن أنفسهم، وكنا نرجو أن يقوم القسم الثانى، وهم رجال القوات المسلحة، بتصحيح هذا الوضع، ولكن توحى تطورات الأسبوع الماضى أنهم ربما يتضامنون بروح الفريق مع زملائهم الذين أخطأوا سواء بالتغاضى عن حرق كنيسة فى ماريناب، أو بالتسبب فى مقتل عشرات وجرح مئات من المتظاهرين فى وسط القاهرة، فهل يفيق بعض من يتولون أمور مصر إلى الهوة التى تنحدر لها البلاد قبل فوات الأوان؟

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات