في محبة إلزا وكل أفراد الكتيبة - حسام السكرى - بوابة الشروق
الأربعاء 20 نوفمبر 2019 9:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

في محبة إلزا وكل أفراد الكتيبة

نشر فى : السبت 21 يوليه 2018 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 21 يوليه 2018 - 8:55 م
أحبك يا إلزا. قلتها لها عبر الهاتف منذ أيام. كانت هذه أول مرة أقولها وكان هذا آخر ما قلته قبل أن يأتيني صوتها متهدجا عبر الهاتف: دعنا ننهي هذه المكالمة قبل أن أبكي.

لم تستمر مكالمتنا أكثر من دقائق معدودة، هنأت فيها إلزا بعيد ميلادها. تبادلنا آخر الآخبار كعادتنا منذ استعدنا اتصالنا قبل أربعة أعوام بالتقريب. قبلها كان الاتصال مفقودا على مدى عقود بعد أن تركت إلزا مصر التي عملت فيها بضعة أعوام مديرة للبرامج الثقافية في معهد جوتة.

لم أنس ما فعلته إلزا معي رغم مضي أكثر من ربع قرن منذ تعارفنا الأول في القاهرة. وعندما قررت أن أعود إلى القاهرة منذ بضع سنوات، بدأت أتقصى أخبارها من أصدقاء في معهد جوتة. بالصدفة البحتة كانت تفعل الشيء ذاته في نفس الوقت. كانت في زيارة للقاهرة تبحث عن وسيلة للاتصال بي بعد أن قرأت مقالا في صحيفة الأهرام ويكلي الإنجليزية يتضمن لقاء معي وحديثا عن برنامج "الضيف الرابع" الذي لم يخرج إلى النور على شبكة أون تي في.

كان هذا منذ حوالي خمسة أعوام. تجدد لقاؤنا وأخبرتني إنها تتردد على مصر وتقضي فيها فترات طويلة منذ تقاعدها لأنها تعتبرها بيتها الحقيقي رغم أنها عملت وعاشت في فرنسا وكندا وجورجيا وغيرها من الدول. تجربتها في مصر كانت ثرية وجعلت منها مصرية بالانتساب، متيمة بتراث البلد وثقافته ودفء علاقاته.

عندما عملت إلزا يوانا هاينلي في القاهرة كنت شابا في منتصف العشرينات. حديث التخرج من الجامعة وممارس متحمس لفن الكاريكاتير، أنشر رسومي بشكل أسبوعي في بعض صحف القاهرة. انجذبت وقتها إلى ما تقدمه المراكز الثقافية الأجنبية التي كانت تشكل مصدرا من مصادرنا المحدودة لمتابعة ما يجري في العالم. كنت أتردد على مكتبة معهد جوته واستمتع بعروضه الثقافية والسينمائية التي كان يشرف عليها ويساعد إلزا في وضعها الناقد السينمائي المخلص الراحل فوزي سليمان.

تحمست وقتها لفن الشرائط المصورة (كوميك ستريبس) ونشرت بعضا من رسومي خارج مصر. رغبت في إقامة معرض لأعمالي غير المنشورة، ورأيت أن أعرض الفكرة على معهد جوته دون أن يكون لدي أمل كبير في الاستجابة. شاب صغير خبرته محدودة يمارس فنا لا يكاد وقتها يعترف به أحد كـ "فن"، يرغب في عمل معرض في مركز متميز ومعروف، دون أن تكون له أية تجارب في العرض الفني. كلها عناصر لا تكفي فقط لرفض الفكرة ولكن لاستبعاد مناقشتها من الأساس.

استقبلتني إلزا بترحاب دون سابق معرفة أو ميعاد. استمعت إلى فكرتي عن معرض "الهروب من الإطار" الذي كان عدد منها يدور حول شخصية كاريكاتيرية تحاول الهرب من إطار الرسم الذي هي بداخله. شاهدت بعضا من أعمالي ثم قالت بعد لحظة صمت: أحب الفكرة ولكنني لن أستطيع أن أقيم معرضا فرديا لرسام يعرض لأول مرة. هل تعرف فنانين آخرين يرسمون "خارج الإطار"؟

كنت وقتها معجبا بسلسلتين لم يكن لهما حظ النشر، إحداهما للرسام الراحل عمر شعبان، صنع شخوصها بتشكيلات من حروف اللغة اللاتينة، والأخرى للصديق العزيز محمد عفت فنان جريدة الأخبار. أحضرت لها نماذج من رسومهما في لقاء لاحق فوافقت على الفور بعد أن اتفقنا على أن تتوسع فكرة المعرض. وإلى جوار معرض رسوم لثلاثة فنانين كاريكاتير مصريين، قدم المعهد في الأسبوع ذاته عرضا لأفلام الرسوم المتحركة لخريجي معهد السينما (كان من بينها فيلم لفنان الكاريكاتير عمرو سليم)، إضافة لندوة عن تطور فن الكاريكاتير المصري تحدث فيها الكاتب القدير أحمد بهاء الدين، والأكاديمي الدكتور خليل صابات، والفنان التشكيلي المبدع حلمي التوني.

كنا في نهاية الثمانينات، وكان حدثا ثقافيا ناجحا بكل ما قدم فيه. حصلت بعده على منحة من المعهد لدراسة اللغة الألمانية في برلين والإقامة فيها بضعة أشهر لتصبح هذه المرحلة من أعمق التجارب التي طبعت رحلتي وخبراتي في هذه الحياة.

لم يكن ما فعلته إلزا لشاب مصري لا تعرفه ولم يقدمه لها أحد غريبا عليها. إذ كان لها دور فعال في تغيير طبيعة ما يقدمه المعهد وفي فتح أبوابه ليكون نافذة لكل ما هو مختلف وجديد وأن يصبح منصة للثقافة المصرية إلى جوار الألمانية.
لهذا السبب أحب إلزا. يزداد امتناني لها بمرور الزمن وأتمنى أن يغمرها هذا الحب في سنوات التقاعد الدافئة في ميونيخ التي لم تعد تستطيع مغادرتها بنفس الوتيرة السابقة إلى القاهرة.

كل عام وإلزا بخير هي وكل أفراد كتيبة الإنسانيين الذين يمارسون عملهم بحب وشغف، ويفتحون الطرق والآفاق لغيرهم من البشر دون اعتبار للمصالح، وبعيدا عن شبكات المنافع والعلاقات والسبوبة والمحسوبيات.
التعليقات