هم أصل المشكلة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الخميس 21 أكتوبر 2021 10:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

هم أصل المشكلة

نشر فى : الإثنين 23 أغسطس 2010 - 9:49 ص | آخر تحديث : الإثنين 23 أغسطس 2010 - 9:49 ص

 لا يكاد المرء يصدق عينيه حين يرى الصور التى تنشرها الصحف المستقلة عن مظاهر الأزمة الاجتماعية التى تعيشها مصر، صور الفلاحات اللاتى حملن الأوعية وقصدن الترع الملوثة التماسا للمياه فيها، بعدما انقطع وصول المياه إلى بيوتهن. وصور الأهالى الذين عادوا إلى استخدام الشموع ولمبات الجاز للاستضاءة بها، بعدما انقطع التيار الكهربائى. وصور الفلاحين الذين لم يتحملوا العيش فى الظلام لأكثر من عشرة أيام، فخرجوا متظاهرين إلى الطريق العام. وقرروا أن يقطعوه ويوقفوا السير عليه لكى تلتفت الحكومة إلى معاناتهم. وصور الأعداد الغفيرة التى تتزاحم أمام المخابز للفوز ببضعة أرغفة. أو تلك التى تتقاتل لكى تحصل على حقائب رمضان التى تحتوى على بعض المواد الغذائية البسيطة، ويوزعها الحزب الوطنى فى محاولة لإثبات حضوره فى الشارع المصرى. وصور القمامة التى انتشرت فى الشوارع، وتحولت إلى موائد مفتوحة طول اليوم للقطط والكلاب والفئران. وصور المتزاحمين على موائد الرحمن التى يقيمها على الأرصفة نفر من القادرين ساعة الإفطار، إما لوجه الله تعالى أو لوجه الانتخابات التشريعية القادمة، أما صور جيوش المتسولين الذين انتشروا فى شوارع المدن الكبرى طمعا فى عطاء الخيرين فى شهر الصيام فحدث فيها ولا حرج.

هذا قليل من كثير يسجل معالم مصر الأخرى التى لاترى إلا فى أوقات الأزمات وفى اعقاب الكوارث، الأمر الذى يكشف عن المدى الذى وصل إليه حال «أم الدنيا» بعدما خرجت من التاريخ، وتدهورت أحوالها حتى تكاد تخرج من الجغرافيا أيضا. وإذا اضفت إلى الشريط ما آلت إليه أحوال التعليم والإسكان والصحة والمواصلات والطرق، فإن النتيجة تصبح باعثة على الدهشة والصدمة فى آن. وربما وجدت فيها تفسيرا لحالة الإحباط واليأس المخيمة على أهل مصر، ولدوافع أفواج الشبان الذين لم يعودوا يبالون باحتمالات الغرق والموت فى عرض البحر، وهم يحاولون الوصول إلى شواطئ أوروبا، هربا من مصير أقل ما فيه أنه مظلم فى وطنهم.
تبدو المفارقة على أشدها حين تكون هذه صورة أحد أوجه الحقيقة فى مصر، وفى الوقت ذاته يرى الناس على شاشات التليفزيون صورة معاكسة تماما تتسم بالبذخ والسفه، وليتها تبعث إلى المجتمع بما يفيده، ولو من خلال الترويح البرئ. إلا أن ما يتلقاه الناس من خلال المسلسلات والبرامج يظل فى أغلبه من قبيل المخدرات التى تذهب العقل وتوهن الهمة وتدغدغ المشاعر.

لقد قرأنا عن عشرات الملايين من الجنيهات التى انفقت على المسلسلات التليفزيونية فى شهر رمضان، منها 50 مليونا صرفت على مسلسل «الجماعة» الذى أرادت به الحكومة ان تصفى حسابها مع الإخوان قبل الانتخابات. وهو مبلغ يمكن انفاقه فى بناء 25 مدرسة أو 250 شقة سكنية للشبان حديثى الزواج، لكن لأن حسابات الحكومة مقدمة على مصالح الخلق، فقد فتحت الخزائن على مصارعها للمسلسل، وأمسكت عما ينفع الناس، وذلك يسرى على بقية المسلسلات التى تصور لمن يراها أنها صادرة عن بلد حل مشاكله وفرغ من هموم الدنيا وتفرغ للهو والعبث.

إن المشكلات الحياتية المتلاحقة التى ظهرت فى الآونة الأخيرة تستدعى سؤالا كبيرا عن حقيقة الزعم الذى دأب المسئولون على ترديده طوال السنوات التى خلت، والذى يدعى اعطاء الأولوية للبنية الأساسية. ذلك أن مشكلات المياه والكهرباء والطرق من صميم البنية الأساسية، التى انكشفت الآن حقيقة «الإنجاز» فيها، وتبين لنا أنه كان فى وسائل الإعلام بأكثر منه فى الواقع.

الملاحظة الأخرى أن التدهور المستمر فى مجالات الخدمات لم يحاسب عليه أحد ولم يساءل أحد من المسئولين الكبار والصغار. الأمر الذى يكشف عن بعد آخر فى الأزمة يتمثل فى غياب الرقابة الشعبية، المحلية منها والبرلمانية. وهو ما يفتح بابا واسعا للتراخى فى الأداء فضلا عن استشراء الفساد، وما يجعل المسئول معنيا بإرضاء رؤسائه بأكثر من عنايته بكسب ثقة الناس أو إرضائهم.

إننا نقرأ فى الصحف أخبارا عن اجتماعات يعقدها كبار المسئولين لحل المشكلات الحياتية المتفاقمة. لكننى لست واثقا من جدوى تلك الاجتماعات، لأننى أدركت من خبرة السنوات أن هؤلاء المجتمعين هم المشكلة الحقيقية، وأن بقاءهم فى مناصبهم لمدد طويلة بغير حساب هو العقبة الأساسية، ليس فقط فى طريق حل مشاكل الخلق، وإنما أيضا فى طريق تقدم الوطن ونهضته.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.