في محبة «الرواية» وقراءتها.. وصل ما انقطع! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أبريل 2024 6:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

في محبة «الرواية» وقراءتها.. وصل ما انقطع!

نشر فى : السبت 24 فبراير 2024 - 7:55 م | آخر تحديث : السبت 24 فبراير 2024 - 7:55 م
(1)
بعد انقطاع شبه إجبارى لما يقرب من العامين (لانشغال بحثى أكاديمى) أعود إلى بهجة قراءة الأدب، وبخاصة الروايات والقصص القصيرة..
كدت أن أيأس من أن أحظى بصحبة طيبة مع نص أو أكثر فى ظل هذا الطوفان الجارف من النصوص من كل شكل ولون ونوع! نكاد نغرق حرفيا تحت ركام لا ينتهى ولا يتوقف لحظة عن التعملق والتهام مساحات شاسعة فى الزمان والمكان معا!
تذكرت مقولة الأجداد فى تراثنا العربى «إذا أردت أن تحير فخير!».. لكن ولأن الفن الجيد والإبداع الأصيل والرواية الحقيقية لا بد أن تظهر، وأن يشار إليها، وأن تقرأ ولو بصدفة عابرة يظل رهاننا دائما على الأصيل من الأعمال، مثلما كان الرهان فى حلبات السباق المحترمة على الأصيل من الجياد (بمناسبة الحديث عن واحدة من هذه الروايات الممتعة)!
وكان من حظى أن تكون الأعمال التى وصلت بها ما انقطع من غياب من أمتع ما قرأت حقيقة فى السنوات الأخيرة، فكرة وصياغة و«لغة» وتشويقا!
(2)
أعود إلى قراءة النصوص «الروائية» خاصة بشوق ولهفة، ومن حظى أن يكون وصل ما انقطع بقراءة نصين بديعين، فيهما عذوبة وحلاوة ومتعة تقول إن الإبداع الأصيل «بخير» والمواهب المضيئة حاضرة، والوعى بصنعة الكتابة واستشراف آفاق لا تحد فى التعبير الجمالى متوفر..
أبدأ قراءتى بروايتين لكاتبين ينتمى كل منهما إلى مدرسة «جمالية» ورؤية فنية مختلفة، لكنهما يلتقيان فى حلاوة الفن ومتعته، ولا يفقدان هذه البوصلة أبدا.. أحدهما يحلق فى أجواء «أسطورية» ولغة شاعرية غاية فى الفخامة والأناقة، والآخر يجد فى التنقيب والحفر والبحث لخلق لغة واقعية «محكية» متصلة بحياة فئة من البشر فى فترة زمنية محددة، دون أن تفقد حمولتها الدلالية التاريخية والثقافية..
كل واحدة منهما سأتحدث عنها تفصيلا فى مقالات قادمة، لكنى فقط أردت التنويه بهذه السعادة المتحصلة من قراءتهما أخيرا.
(3)
أما الرواية الأولى «تاج شمس» (الصادرة عن منشورات بيت الحكمة) لمبدعها هانى القط مكتوبة بأنفاس أسطورية مبدعة فيها من مذاقات كتابة خيرى عبدالجواد، ومحمد ناجى، و«أبو خنيجر» لكنها لا تقلد أيا منهم، وتبحث عن صوتها الروائى، الخاص وأسطورتها الفريدة.. ولنا عودة قريبة لها.
أما الرواية الثانية التى تشغل الناس الآن، بعد أن وصلت إلى القائمة القصيرة للرواية العربية، ومحتمل جدا أن تفوز بالجائزة الأكثر شهرة وصخبا فى عالمنا العربى، فهى «مقامرة على شرف الليدى ميتسى» لأحمد المرسى.
وهذه الرواية (فى نظرى) اكتشاف سردى لكاتب موهوب وأصيل، ويأخذ كتابته بجدية حقيقية، ويعمل بدأب شديد كى يخرج نصا ممتعا ينتمى فى مجمله إلى أسلوب السرد السينمائى، و«تتابعية المشهد»، ويحافظ على إيقاعه بحرفية وإتقان..
العبرة هنا ليس فى حشد التفاصيل، وجمع الوقائع، وليس فى محاولة تقليد أو محاكاة عالم خاص (الرهونات وسباقات الخيل، ومجتمع مصرى كوزموبوليتانى عجيب فى تكوينه واختلاطه قبل قرن تقريبا) بل العبرة فى «جودة السبك» كما يقول أسلافنا التراثيون، وإحكام الخيوط وبراعة توظيف هذه التفاصيل بما فيها المحكية (أو اللهجة العامية التى كتب بها حواراته) والتى أراها نقطة تميز هذه الرواية واختلافها عن غيرها..
وبغض النظر عن ترشحها فى القائمة القصيرة للرواية العربية، واحتمال فوزها بالجائزة التى يتطلع إليها الجميع كل عام، لكن الرواية عندى تستحق أن تكون فى مكانة خاصة؛ قراءة ونقدا، لإحكامها الفنى من ناحية، وفرادة العالم الذى سعت لتصويره روائيا من ناحية ثانية، وللبراعة التى أظهرها المؤلف فى نسج خيوط روايته وضبط إيقاع السرد والتشويق، والإبقاء الفاتن على هذا العنصر الحيوى فى الفن «الإمتاع».
(4)
منذ زمن لم تخطفنى «رواية» لأنهى 150 صفحة منها دفعة واحدة، ولأن الكاتب «الموهوب» يبدو أنه احتشد لروايته احتشادا حقيقيا، فقد ركز جهده أن يكون نتاج هذا الاحتشاد عملا «ممتعا» مقروءا منذ الأسطر الأول وضمن اندماج قارئه الكامل مع شخوصه «الإشكالية»، وأزماتهم الروحية والعاطفية، وقلقهم الوجودى والإنسانى.
تعد هذه الرواية نموذجا لما كان يسميه الناقد الراحل صلاح فضل «أسلوب السرد السينمائى» أو «السرد المشهدى». وهذا النوع من الرواية التى يقودها التيار السينمائى، هى من أخطر الأنواع للدور الذى تلعبه فى تعزيز مكانة الرواية فى الانتشار البصرى، ولعل ذلك أهم أسباب الرواج الكبير للرواية.
معروف أن النقاد يفرقون ــ فى العموم ــ بين طريقتين لغويتين فى الحكى؛ لغتين فنيتين متمايزتين، لغة الكتابة السردية التقليدية المعتمدة على الوصف والحوار، ولغة «كتابة الصورة» لسيناريو المسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية بالتوازى أو مع ما نسميه «المشهدية» أى التى تعتمد على كتابة المشهد بكل عناصره، فبوسعنا أن نشم فى هذه الرواية «المشهدية» التى توظف جميع الحواس، كما تعتمد على تحريك «الصور المشهدية» لتركيز عين الكاميرا على «اللقطات/ المشاهد» التى تثير فضول القارئ وتجذبه لمتابعة القراءة بقدر كبير من الحيوية والتشويق.
توفر هذا القدر الكبير من الحيوية والتشويق يعود فيما أظن إلى معالجة المؤلف الخبير بشروط الكتابة السردية، والتمكن من خلق حوار حيوى وسريع الإيقاع ومحكم البناء، تحقق هذه العناصر بتلقائية شديدة.
(5)
يقول الناقد والمنظر الروسى الشهير ميخائيل باختين إن «الرواية تحاكى بسخرية كل الأنواع الأخرى، (وبالضبط لأنها أنواع)، وهى بذاك تكشف عن أشكالها ولغتها التعاقدية. إنها تقصى بعضها، وتدمج بعضها الآخر فى بنيتها الخاصة، معيدة تأويلها، ومانحة إياها رنة أخرى»..
ربما يصلح هذا الاستبصار القيم للشكل الروائى أن يكون مدخلا مناسبا للكشف عن «الكيفية» التى بنى بها أحمد المرسى روايته الشيقة، وتوظيفه المتقن للمادة التاريخية و«التوثيقية» التى عكف على جمعها وفحصها وصياغة نسيجه الروائى موظفا لهذه المادة.. (وللحديث بقية)