عضوية مصر فى بريكس.. وسقف التوقعات المتفائلة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 24 فبراير 2024 5:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عضوية مصر فى بريكس.. وسقف التوقعات المتفائلة

نشر فى : الأحد 27 أغسطس 2023 - 6:45 م | آخر تحديث : الأحد 27 أغسطس 2023 - 6:47 م

أخيرا وجهت الحكومات الخمس أعضاء مجموعة بريكس، وهى البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، الدعوة لمصر لتنضم مع خمس دول أخرى ــ وهى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وإيران وإثيوبيا والأرجنتين ــ لذلك التجمع الذى بدأ رؤساؤه اجتماعاتهم على مستوى القمة فى سنة ٢٠٠٦، وهكذا نجحت الدبلوماسية المصرية فى تحقيق هذا الإنجاز، وتشير التقارير الصحفية إلى أن ذلك كان ممكنا بفضل مبادرة الصين، وتأييد الحكومات الأخرى التى، والحق يقال، تحتفظ مصر معها جميعا بعلاقات طيبة، ولا يمكن لأى مواطِنة أو مواطن مصرى محب لوطنه إلا وأن يشعر بالاغتباط لهذا النجاح، والذى يأتى فى لحظة دقيقة فى تاريخ الوطن نشعر فيها جميعا بالقلق على قدرتنا على مواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة التى تحيط بنا، وأن نضع على قمة المسئولية فى بلدنا من يقدرون على الخروج بنا منها. ولهذه الأسباب، فقد كثرت فى الصحافة المصرية التقارير والتصريحات الرسمية عن آثار هذا الانضمام، والذى سيبدأ مع مطلع العام القادم، وذهبت معظمها إلى أن هذا الحدث يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات، ونمو الصادرات، وتضييق الفجوة بين حصيلتنا من الدولارات وما نحتاجه لدفع قيمة الواردات التى يحتاجها اقتصادنا، كما أن ذلك سيتيح لنا فرصة مهمة لطرح آراء حكومتنا فى المحافل الدولية مدعومة بالتأييد الذى ستحظى به من شركائها فى هذا التجمع.
والحقيقة أنه من الضرورى أن يكون تقييمنا لهذا التطور واقعيا، فلا نستسلم للأوهام حول ما يمكن لنا أن نحصل عليه منه، ولكن نعرف جيدا ماذا يمكن لنا بالفعل أن نستفيد به. وربما يكون السبيل لعمل ذلك هو قراءة البيان الصادر عن اجتماع القمة الخامسة عشرة لهذا التجمع والذى انعقد فى جوهانسبرج بجنوب أفريقيا من ٢٢ ــ٢٤ أغسطس الأسبوع الماضى، وخلاصة هذا المقال فى رأى الكاتب ووفقا للحكمة الصينية الشائعة، هو أننا لا نريد من دول بريكس وخصوصا صاحبتى تجربة التنمية الناجحة التى بهرت العالم، وهما الصين والهند أن يعطيانا سمكا، ولكن أن نعرف منهما ومن شركائهما الآخرين كيف نصطاد. وبعبارة أكثر وضوحا، لا داعى لأن نتصور أننا سنحل مشكلة العجز الهائل بين ما يتعين علينا دفعه لسداد ديوننا واستمرار وارداتنا بتحويل تجارتنا الخارجية إلى هذه الدول باستخدام العملات المحلية، فنتلقى عملاتها فى مقابل صادراتنا لها، وندفع بهذه العملات أو بالجنيه المصرى وارداتنا منها، وفضلا على ذلك نتلقى تدفقا هائلا من استثماراتها بعملاتها. ومع عدم استبعاد مثل هذا السيناريو، فليس هذا ما يمكن أن نستفيد به من هذه الشراكة الجديدة، ولكن ستكون الفائدة الكبرى هى أن نعرف كيف نجحت الصين خصوصا وكذلك الهند فى القفز لتكون الأولى ثانى اقتصاد فى العالم، ولتصبح الثانية خامس اقتصاد فيه، وذلك فى غضون عقود قلائل. دعونا نستعرض بيان هذا الاجتماع الخامس عشر لدول بريكس لنعرف ماذا تقوله هذه الدول عن نفسها، وما الذى يقوله هذا البيان لنا.
موضوعات البيان
يضم البيان أربعا وتسعين فقرة ترد فى ست وعشرين صفحة، تغطى ستة موضوعات فضلا عن الافتتاحية، وتتنوع هذه الموضوعات بين الدعوة إلى شراكة متعددة الأطراف وذات طبيعة شاملة أو احتوائية، إلى النهوض ببيئة تحقق السلام والتنمية، وإقامة شراكة تكفل نموا متسارعا ومنفعة متبادلة، وشراكة تستهدف التنمية المستدامة، وتعميق العلاقات المتبادلة بين الشعوب، وأخيرا دفع التنمية المؤسسية لدول بريكس.
التأكيد على الديمقراطية
اللافت للنظر فى هذا البيان إشارته للديمقراطية وحقوق الإنسان فى فقراته الأولى. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من وصف الإدارة الأمريكية دولتين فى بريكس وهما تحديدا روسيا والصين بأنهما دولتان غير ديمقراطيتين، وأن الصراع الذى يجرى فى العالم فى الوقت الحاضر هو بين دول ديمقراطية ودول تحكمها نظم ديكتاتورية. ليس من الصحيح أن دول بريكس تشترك فى بعدها عن الديمقراطية بمفهومها الغربى، فالهند هى أكبر دولة ديمقراطية فى العالم، وكل من البرازيل وهى عضو مؤسس لبريكس، وجنوب أفريقيا التى انضمت لبريكس فى ٢٠٠٩ــ٢٠١٠ يحكمهما كلاهما نظام مدنى منتخب. ولذلك فردا على هذه الاتهامات الأمريكية، تشير الفقرة الثالثة فى البيان إلى تعزيز وحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، وتشدد الفقرة السادسة على ضرورة تعاون كل البلدان فى تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية فى ظل مبادئ المساواة والاحترام المتبادل، ومواصلة النظر إلى حقوق الإنسان بما فى ذلك الحق فى التنمية على نحو منصف ووضعها جميعا على قدم المساواة، واستمرار التعاون حول قضاياها المشتركة داخل بريكس وفى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على نحو غير انتقائى وبدون تسييسها وبطريقة بناءة تتجنب ازدواج المعايير.
قد يرى البعض فى هذه الإشارات إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان فى بيان صدر عن دول بينها كل من روسيا والصين على أنه ذر للرماد فى العيون ومحاولة من حكومتيهما لنفى الاتهامات التى تكيلها الحكومات وقنوات الإعلام الغربية بانتهاكهما هذه الحقوق الأساسية لمواطنيها ومواطناتها، ولكن من ناحية أخرى يمكن اعتبار هذه الإشارات دليلا على أن الديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحتا من المعايير الأساسية التى يجب أن تلتزم بها كل الحكومات، ولذلك تجتهد كل الحكومات، أيا كانت ممارساتها، على الادعاء بأنها تساير هذه المعايير الدولية فى علاقاتها بمواطنيها ومواطناتها.

التطور المؤسسى
لقد قطعت دول بريكس شوطا طويلا على طريق النهوض بهيكلها المؤسسى خلال أقل من عقدين من الزمان. فلم تعد أنشطتها قاصرة على القمة السنوية التى يعقدها رؤساؤها، ولا حتى الاجتماعات الوزارية التى تضم وزراء الخارجية أو التعليم أو نواب الوزراء أو المستشارين الذين يعكفون على التعاون فى مجال مكافحة الإرهاب، وذلك إلى جانب بنك التنمية الجديد الذى مارس نشاطه منذ 2015 بتقديم القروض للبلدان النامية خصوصا فى مشروعات البنية الأساسية دون أن يربط ذلك بمشروطية سياسية أو اقتصادية على عكس ما تفعل مؤسسات بريتون وودز، وهما البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، وهو ما تنتقده دول بريكس وإلى جانب ذلك أقامت هذه الدول ترتيب الاحتياطات الطارئة Contingent Reserve Arrangement لمساعدة الدول الأعضاء وشركائها فى مواجهة التحديات النقدية التى تواجهها فى تعاملاتها.
وعلى هذا النحو تقف دول بريكس وهى مسلحة بالأدوات التى تمكنها من الوقوف كبديل لـمؤسسات بريتون وودز سواء بنموذج التنمية الذى تطرحه والذى يولى للدولة دورا هاما يتجاوز ما تدعو له تلك المؤسسات، أو بتوفير مصدر لتمويل التنمية وتذليل عقباتها بعيدا عن الاشتراطات التى تطرحها هذه المؤسسات.
التعاون فى مجال العلم والتكنولوجيا
وبينما لا يفصل البيان فى الاقتراح الخاص بتشجيع نمو التجارة بين دول بريكس وشركائها باستخدام العملات المحلية وهو ما ورد فى فقرته الرابعة والأربعين، إلا أنه حافل بالإشارة إلى المبادرات التى تأخذها دولها فى مجال الاستعداد للثورة الصناعية الرابعة والتعاون فى مجال تكنولوجيا المعلومات، وهى تلك المبادرات التى نحن أحوج إلى الاسترشاد بها والاشتباك معها حيث حققت دول بريكس نجاحات مذهلة فى هذا المجال.
فى مقدمة هذه المبادرات شراكة دول بريكس حول الثورة الصناعية الجديدة، ومركز بريكس لانتقال التكنولوجيا ومركز بريكس للكفاءات الصناعية، ومركز بريكس للابتكار، ومنصة بريكس لمراكز الفكر التى تواصل عملها منذ عشر سنوات، فضلا عن آلية بريكس للملكية الفكرية.
بطبيعة الحال لا يشير البيان إلى تفاصيل عمل هذه المبادرات، ولكنها هى تلك التى يجب أن يهتم بها خبراؤنا ونحن نستعد لاستكمال شروط انضمامنا لهذا التجمع الذى يطرح نموذجا جديدا فى التعاون فى مجال التنمية ويطالب بتصور جديد للنظام العالمى.
ماذا نستفيد من بريكس؟
كانت الدعوة لانضمام مصر إلى بريكس والتى وردت فى كتابات عدد من الدبلوماسيين المصريين السابقين مدفوعة بالرغبة فى اكتساب مصر مكانة على الصعيد الدولى بالتحاقها بدول إحداها كانت تحتل موقع القمة فى هذا النظام بالمشاركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أخرى صاعدة بسرعة إلى المراتب العليا فيه، وهو ما ينطبق بكل تأكيد على الصين ومن بعدها الهند وكذلك البرازيل، ودولة انضمت إلى هذا التجمع وتمكنها مواردها من أن تلعب دورا مهما فى النظام النقدى العالمى، وتلك بكل تأكيد رغبة مشروعة، حتى وإن كان صعود هذه الدول هو نتيجة لنجاحات مؤكدة على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم تتمكن مصر من تحقيقها على الرغم من أنها كانت فى نفس موقف هذه الدول منذ عقود، ولكنها تخلفت عن اللحاق بها.
كما استندت هذه الرغبة لإدراك من نادوا بها أن دول بريكس تتطلع لإصلاح النظام العالمى بعيدا عن سيطرة الدول الغربية عليه بقيادة الولايات المتحدة ولكى يعكس حقائق القوة فى العالم بعد هذا النجاح فى التنمية فى دول الجنوب، وعلى الرغم من أن الدعوة لإصلاح النظام العالمى لا تتردد كثيرا فى تصريحات الحكومة المصرية، إلا أنها لا تعترض بكل تأكيد عليها. ومع ذلك فرد الفعل على دعوة دول بريكس لانضمام مصر ركزت كثيرا على أن انضمام مصر سيمثل مخرجا من أزمتها الاقتصادية الحالية، إلا أن مثل هذا التحليل يتسم بالتفاؤل المفرط وغير الواقعى، وحتى لو كان لدى بنك التنمية التابع لبريكس ما يكفى من الموارد لإقراض مصر، فمصر فى أشد الحاجة للتوقف عن الاقتراض أو حتى انتظار تدفقات هائلة من رءوس الأموال الأجنبية. حاجة مصر الملحة هى إعادة تنظيم البيت من الداخل، وهنا يمكن أن تستفيد مصر بتجارب بعض دول بريكس، وخصوصا الصين والهند، ومن مبادرات بريكس التى يمكن أن تسترشد بها مصر فى الانطلاق نحو ثورة علمية وتكنولوجية واقتصادية، وهو ما يجب أن يكون قضية هذه الساعة.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات