«المواطنة والهوية».. تجليات الإبداع فى الثقافة المصرية - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الجمعة 3 أبريل 2020 6:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«المواطنة والهوية».. تجليات الإبداع فى الثقافة المصرية

نشر فى : الجمعة 28 فبراير 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الجمعة 28 فبراير 2020 - 9:40 م

عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية؛ صدر كتاب مهم للغاية للباحث والمفكر والكاتب القدير سمير مرقص بعنوان «المواطنة والهوية جدل النضال والإبداع فى مصر»، ضمن سلسلة «الهوية» التى صدر منها أحد عشر كتابا مرجعيا من عيون الكتب التى عالجت موضوع «مصر»؛ حضارة وثقافة، تاريخا وجغرافيا.. إلخ.
فى هذا الكتاب يرسم لنا مؤلفه، ببساطة متناهية، بانوراما ممتعة تتنقل بتمكن ورشاقة بين المفاهيم والمصطلحات التى تدور فى فلك «المواطنة» ونظرياتها وتطوراتها المعاصرة، وإشكالية البحث عن «الهوية»، ويكون هذا التأسيس هو القاعدة التى ينطلق منها للقيام بمراجعات تاريخية وحضارية وافرة العمق والذكاء والأهمية، تطرح أسئلتها التى تحمل همومنا الراهنة، وتجليات ذلك كله ومظاهرة فى مسارات الإبداع والثقافة المصرية خلال القرنين الأخيرين.
لا يسرف الكتاب فى عرض تأصيله النظرى المهم بتتبعه أبرز التعريفات والمفاهيم التى تحدد الإطار المعرفى لتناول الظواهر التى سيتعرض لها لاحقا؛ صحيح أنه لا يفارق الدقة والتوثيق اللذين عرفا وشهرا عنه؛ لكنه أيضا لا يستغرقه البحث النظرى ليلتهم أكثر من ثلثى الكتاب كما فى فى دراسات وكتب عديدة تقع فى هذا الفخ، وتستسلم له على حساب التحليل والقراءة.
بمجرد الفراغ من الجزء النظرى، سيبدأ سمير مرقص فى استعراض بانورامى مثير للإعجاب والاحترام؛ شخصيات مفكرين ونقادا ومثقفين، وكتبا فكرية، وأعمالا روائية، ومسلسلات درامية، ولوحات فنية.. إلخ ستشكل فى مجموعها فسيفساء رائعة لا يصل بينها إلا ما تقدمه من رؤى وأفكار عن «المواطنة» باعتبارها القاعدة الأساسية لأى تعايش سلمى وحقيقى بين أفراد تظلهم سماء أرض واحدة لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون أى تمييز.
سيستعرض المؤلف ما أطلق عليه مشروعات فكرية وطنية رائدة (وليم سليمان قلادة، وأنور عبدالملك، وسمير أمين) يعرف بها وبأفكارها الرئيسة وإسهاماتها فى المجال العام، والأعمدة التى قامت عليها؛ وسيقدم قراءات لشخصيات مفكرين ومبدعين صنفها بين ما سماه «بناة المواطنة» و«سلسال الإبداع»، وهى ومضات ممتعة ومحفزة على التعرف أكثر وأكثر على إنجازات هؤلاء المفكرين والمثقفين الذى غطوا مساحة زمنية تقترب من المائتى عام بدءا من عبدالله النديم وصولا إلى أحدث الاجتهادات الفكرية والثقافية المعاصرة.
يمد سمير مرقص الخيط على استقامته ليتتبع أيضا نصوصا ومؤلفات فى «اجتهادات فكرية»، إن كان يدل اختيارها على شىء فإنما يدل على حس المثقف البصير بأزمة وطنه ومجتمعه التى تتمثل فى غياب أفكار جوهرية عن ممارساته الإنسانية؛ اختيار المرء قطعة من عقله، فلا تأتى العناوين والكتب لتكون محض استعراض بل ضرورة وحاجة معرفية (مثلا؛ كتاب «حاضر المصريين وسر تأخرهم» لمحمد عمر، و«تجديد الفكر الدينى» لنبيل عبدالفتاح، و«المثقف التوحيدى نموذج القرن الرابع» لهالة فؤاد و«الكاتب والسلطان» لخالد زيادة.. إلخ).
وبذات البوصلة والتوجه والهدف، سيقارب سمير مرقص أيضا أعمالا فنية ودرامية يقرأها بعين المثقف المتذوق، فى سياحات معرفية وتحليلية غاية فى القيمة والمتعة معا.
الكتاب رغم حجمه الكبير نسبيا، وغزارة مادته واتساع رقعته المعرفية (464 صفحة من القطع الكبير) إلا أنه متدفق فى عرضه وسلس القراءة ولا يشعر مطالعه أبدا بأى نتوءات مزعجة، ربما يعود ذلك بالأساس إلى البنية التى اعتمدها مؤلفه من حيث تقسيمه إلى أجزاء وأقسام وفصول؛ (يقع فى جزئين؛ وتسعة أقسام، وواحد وعشرين فصلا)، وحيث لا تزيد أصغر وحدة سردية بنائية لكتابه عن صفحة ونصف أو صفحتين لا أكثر، فى غالب الفصول، وباستثناءات قليلة؛ تتضام الفصول والوحدات لتشكل خطين رئيسيين؛ هما (عن المواطنة والهوية) الذى سيشكل مادة الجزء الأول. والثانى (عن النضال والإبداع) الذى يكون الجزء الآخر؛ والذى يختتم بتوثيق أراه مهما للغاية ويضم عرضا قيما لمفهوم «المواطنة» من منظورى المسيحية والإسلام فى الخبرة المصرية، ويعقب ذلك بقراءة فى أهم الوثائق المصرية والإقليمية والدولية التى تناولت موضوع المواطنة فى السنوات الأخيرة.
إضاءات واستكشافات لا يقوم بها إلا مثقف واع مهموم بقضايا وطنه ومهجوس بها فى المبدأ والمعاد.
الكتاب يمثل، فى رأيى، حلقة بهية من حلقات الكتب التى جعلت من «مصر» موضوعا ومادة للفهم والاستيعاب والدراسة، بالاتكاء على إرثها الحضارى الفريد، وتاريخها الممتد، وإبداعها الذى لا ينضب.

التعليقات