رد «الحديد والصلب» على سياسات الدولة - دينا مكرم عبيد - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 10:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


رد «الحديد والصلب» على سياسات الدولة

نشر فى : السبت 29 نوفمبر 2014 - 8:35 ص | آخر تحديث : السبت 29 نوفمبر 2014 - 8:35 ص

توقفت الماكينات والأفران العالية فى أحد أكبر وأعرق المصانع فى مصر، مصنع الحديد والصلب بحلوان، أو قلعة الصناعة المصرية كما وصفتها الحكومات المتتالية وعمال الشركة أيضا. لم تتوقف الماكينات والأفران بسبب إفلاس الشركة، كما يحاول خطاب الدولة إقناع الرأى العام منذ عدة أشهر، ولكنها أوقفت بسواعد وإرادة العمال الذين وجدوا فى إضرابهم الحل الوحيد للحصول على حقوقهم المهدرة والحفاظ على استمرارية وظائفهم.

بصيغة أخرى فالعمال أوقفوا الماكينات للمطالبة بالمزيد من العمل! ولأن اليوم دوما أشبه بالبارحة، فالعمال فى نهاية نوفمبر من 2013 كانوا أيضا فى حالة احتجاجية، كان الاحتجاج آنذاك للمطالبة بما يطلق عليه الأرباح السنوية والتى هى فى الحقيقة مجنب حافز عن العمل. وبينما اقترحت الدولة على العمال فى 2013 الحصول على الأرباح على ثلاثة أقساط بسبب الحالة المالية للشركة، فهى الآن تعلن أنه لا حق لهم فى سلفة أو منحة أو ارباح بسبب حالة الشركة المالية.

والواقع أن رد الفعل التلقائى للعمال على خطاب الدولة يصب فى نقد أساس النظام الرأسمالى. فالعمال يقولون «نحن مسئولون عن العمل، وفيما يتعلق بهذا الجانب فقد عملنا وكافحنا على مدى السنة الماضية، بينما الحالة الاقتصادية للمصنع المسئول عنها هم الإدارة والشركة القابضة والدولة فلماذا نُحاسب على إخفاق الدولة؟». والسؤال الذى يطرحه عمال الحديد والصلب يثيره الكثير من العمال الذين تُهدر حقوقهم يوميا فى أماكن عمل شتى، ويدفعون ثمن خسائر القطاع العام من استقطاع للمرتبات لتأخرها بالشهور وخفض الحوافز إلى الفصل التعسفى والاجبار على المعاش المبكر، كل هذا ثمن لسياسات اقتصادية لم يكونوا ابدا شريك فيها.

•••

تُصور الدولة قراراتها فى حالة الحديد والصلب على أنها اقتصادية بحتة، فهى ترجع تدهور الوضع المالى للشركة إلى قدم الماكينات والعمالة المثبتة «الغالية». ولا تذكر أبدا كيف تدهورت الحالة المالية للشركة بعد اتباع برنامج الاصلاح الاقتصادى والتكيف الهيكلى الذى فرضه البنك وصندوق النقد الدوليين على كثير من الدول النامية منها مصر (وكان فرضه قرار سياسى فى مقابل إلغاء بعض الدول الكبيرة ــ المجتمعة فى ما يسمى نادى باريس ــ الديون المصرية بعد مساندة مصر لهم فى الحرب على العراق). وقد رصد وزير التخطيط الأسبق والأستاذ الجامعى د. جودة عبد الخالق فى دراسة شديدة الدقة كيف تأثر مصنع الحديد والصلب فى حلوان سلبيا بسبب هذا البرنامج وسياساته المختلفة من تحرير سعر الفائدة وارتفاع سعر الطاقة بمعدلات غير مسبوقة.

ولا يذكر خطاب الدولة كيف استغلت سياسات توزيع الارباح وزيادة رواتب العمال فى التسعينيات والعشر سنين الأولى فى الالفية للسيطرة على الحركة العمالية فى الحديد والصلب. فبعد انتفاضة 1989 فى المصنع، التى تمثل أحد أهم الحركات العمالية فى تاريخ ما بعد 1952، شعرت الدولة بالخوف من قوة العمال وقررت محاولة إرضاءهم بسياسات شتى لتجنب انتفاضة اخرى تهدد امن النظام ككل. لذا زار المصنع ممثلين عن كل نظام بعد الآخر فى محاولة لطمأنة العمال واستغلال التاريخ العريق للمصنع فى صناعة الدعاية ( البروباجندا) للنظام وفى هذا السياق نرى محمود محيى الدين، وزير الاستثمار الاسبق، يعطى العمال 15 يوما زيادة (دون أن يطالبوا بها) فى 2010، ثم يخطب الرئيس الاسبق محمد مرسى فى الشركة فى عيد العمال فى 2013 ويزورها رئيس الوزراء إبراهيم محلب فى 2014 واعدا كما جاء فى الصفحة الاولى لجريدة الأهرام «بعدم التخلى عن القطاع العام» وبإعطاء العمال كامل حقوقهم.

والحقيقة بينما كان محلب يعد بسماع صوت العمال ومناصرتهم، كان أمن الشركة والذى يديره أمن الدولة بالأحرى، يعتقل العمال الذين يحاولون الوصول لرئيس مجلس الوزراء لتوصيل مطالبهم. ليس هذا فقط، إنما بعد فض الاعتصام الذى دار قرابة شهر خلال العام الماضى وبينما تفاوضت الدولة مع العمال على ما يسمى بـ«حل وسط» انقسم بسببه العمال بين مؤيد ومعارض، قامت الإدارة بنقل النشطاء من العمال لأماكن بعيدة كالمحاجر فى المنيا والمناجم فى الوادى الجديد وفصلت البعض منهم وتم تهديد الباقى بملاحقتهم بقضايا سب وقذف بسبب مشاركتهم فى الاعتصام.

وكانت رسالة الدولة واضحة، ألا وهى أنه لا مكان للعمل الجماعى والحركة العمالية فى الحديد والصلب، ومع وجود قانون (منع) التظاهر الذى نال ومازال ينال من المعارضين الذى يريدون التظاهر للمطالبة بحقوقهم، اصبحت مساحات الحركة ضئيلة ومكلفة للغاية.

•••

مع كل هذا الترهيب والتعسف نجح العمال فى تجميع بعضهم البعض والوقوف معا للمطالبة بحقوقهم وبتشغيل الشركة سواء عن طريق توفير الفحم، الذى لا تزال الدولة غير قادرة على توفيره، وايضا تضامنا مع زملائهم المفصولين والمنقولين مطالبين برجوعهم لمكان عملهم.

وحركة العمال فى الحديد والصلب ككثير من الحركات الاجتماعية تتعلم من أخطائها ومن تجاربها الماضية، فالعمال اليوم أقوى وأوعى للمشكلات التنظيمية ولاستراتيجيات الدولة فى التعامل معهم. فهم أوعى لأهمية أن يكون تنظيمهم عادل ويشمل الكل لا يعوقه ممثلون انتهازيون ولا انقسامات بسبب فروق فى السن أو الدخل. وقد يحصلوا على حقوقهم على المدى القصير من خلال الضغط على الدولة، ولكن فى ماذا عن المدى المتوسط والبعيد؟ فهل تعيد بيوت خبرة اجنبية هيكلة المصنع كما الحال فى دول نامية أخرى من الهند لبلغاريا لكزاخستان بحيث يتم التخلص من العمالة الكبيرة فى السن بإخراجها على المعاش وتقليص العمالة المتبقية إلى بضعة آلاف يتصارعون فيما بينهم لتفادى الفصل أو فرض المعاش المبكر عليهم؟ واذا كانت الدولة اليوم تعد قانون عمل جديد يجعل من الاضراب شبه مستحيل فما سيكون سلاح العمال فى المطالبة بحقوقهم؟ هل سيكون خرق القانون المجال الوحيد لتحقيق العدل كما كان الحال تحت حكم مبارك؟ أم ستتسع الحركة فى المصنع لتشمل أيضا مناهضة القانون الجديد والتحرك فى تنسيق مع المجموعات العمالية القائمة بذلك؟ معركة الحديد والصلب معركة شرسة وطويلة كمعركة أماكن صناعية أخرى كلها معارك لا تفصل السياسى عن الاقتصادى وتتطلب حركة اجتماعية قوية تتعلم من أخطائها وتخطط للمستقبل.

دينا مكرم عبيد باحثة مصرية بمركز ماكس بلانك لعلم الإنسان الاجتماعى بألمانيا
التعليقات