جاءت الذكرى الخمسون لـ«يوم الأرض» الذى يحييه الفلسطينيون فى 30 مارس من كل عام، وسط انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما يعطى تل أبيب فرصة غير مسبوقة لتمرير مخططاتها الاستعمارية فى الضفة وقطاع غزة.
و«يوم الأرض» هو تذكير بالإضراب العام والمواجهات التى جرت فى 30 مارس عام 1976 بين فلسطينيى 48 وقوات الاحتلال الإسرائيلية التى حاولت تهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم فى مثلث الجليل.
ووفق تسلسل الأحداث تسربت، فى الأول من مارس 1976، وثيقة سرية إسرائيلية تكشف عن اعتزام الحكومة الإسرائيلية تهجير سكان مثلث الجليل والاستيلاء على أراضيهم، فقررت «لجنة الدفاع عن الأرض» الإعلان عن إضراب عام شامل فى اليوم الثلاثين من الشهر ذاته.
وفجر 30 مارس 1976 دهمت القوات الإسرائيلية العديد من القرى والمدن، داخل ما يعرف بالخط الأخضر، بينها سخنين وعرابة ودير حنا والناصرة وحيفا وعكا، لمنع الإضراب وقمع المتظاهرين بالقوة والرصاص الحى، ما أسفر عن استشهاد 6 فلسطينيين وجرح 49 آخرين واعتقال أكثر من 300 متظاهر فلسطينى، وسط تضامن واسع من أشقائهم فى الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتذكيرًا بهذا الإضراب والمظاهرات التى رافقته، يحيى الفلسطينيون ذكرى «يوم الأرض» فى 30 مارس من كل عام تعبيرًا عن تمسكهم بأرضهم وعدم التفريط فيها، ودفاعًا عن هويتهم الوطنية فى مواجهة آلة القمع الإسرائيلية.
ووفق بيان لرئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، تأتى ذكرى يوم الأرض «فى ظل واقع بالغ التعقيد، تتسارع فيه إجراءات السيطرة على الأرض وفرض الوقائع الاستعمارية، بما يعيد إنتاج ذات السياسات التى واجهها شعبنا منذ عقود، وإن بأدوات أكثر كثافة وتنظيمًا».
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان يذكر أيضا بأن «ما نشهده اليوم ليس انقطاعًا عن الماضى، بل امتداد له بأدوات أكثر تعقيدًا، ما يستدعى قراءة معمقة لهذه التحولات وتطوير أدوات المواجهة بما يتناسب مع طبيعتها المتغيرة».
الواقع المعقد الذى يرافق ذكرى يوم الأرض، يجعل من صخب المعارك الدائرة بين واشنطن وتل أبيب من جانب، وطهران من جانب آخر، غطاء لسلطات الاحتلال الإسرائيلى لتكثيف مخططاتها لضم المزيد من أرضى الضفة الغربية، وفرض واقع جديد على غزة التى شهدت عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقى غير مسبوقة، وثقتها منظمات دولية وأممية.
سلطات الاحتلال تمضى قدمًا، حاليًا، فى تنفيذ ما أقره المجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر «الكابينت» فى 8 فبراير الماضى من إجراءات تستهدف تسريع الاستيطان فى الضفة المحتلة، وبينها رفع القيود عن هدم الممتلكات الفلسطينية فى مناطق (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وانتزاع صلاحيات التخطيط والبناء فى الخليل والحرم الإبراهيمى من بلدية الخليل الخاضعة للسلطة الفلسطينية إلى الجهات الإسرائيلية.
هذه الإجراءات اعتبرتها وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة، روزمارى ديكارلو، خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولى بشأن فلسطين، ترقى إلى ضم تدريجى للضفة الغربية إلى إسرائيل «بحكم الأمر الواقع».
وبشأن الوضع فى غزة، كشفت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية قبل أيام، عن مخطط لتكريس الوجود العسكرى بشكل دائم داخل القطاع عبر ما يسمى «الخط الأصفر» الذى تحول من «ترتيب مؤقت» إلى «واقع ميدانى ثابت»، بعد أن عززت قوات الاحتلال وجودها بإقامة 32 موقعًا عسكريًا وبناء حاجز برى بطول 17 كيلومترًا، وبما يفصل شمال القطاع عن جنوبه.
وفى ظل القبضة الأمنية الإسرائيلية الخانقة على قطاع غزة، تتواصل عمليات تجويع الفلسطينيين، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، واستمرار الهجمات اليومية التى أوقعت منذ 7 أكتوبر عام 2023، أكثر من 72 ألف شهيد، و172 ألف جريح، بحسب وزارة الصحة فى القطاع، والتى حذرت من خروج المستشفيات عن الخدمة جراء توقف مولدات تشغيل المرافق الطبية لنقص الوقود.
وعلى الرغم من الواقع المأساوى الذى يرافق إحياء ذكرى يوم الأرض، هذا العام، سيظل الفلسطينيون متمسكين بأرضهم، مع سعيهم الدائم لاسترداد كامل حقهم السليب، وإقامة دولتهم المستقلة فوق ترابهم الوطنى «شاء من شاء وأبى من أبى» وفق التعبير الشهير للرمز الفلسطينى الراحل ياسر عرفات.