«مصر».. السيادة للشعب وحده - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 4:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«مصر».. السيادة للشعب وحده

نشر فى : السبت 30 أبريل 2016 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 30 أبريل 2016 - 9:40 م
ما الذى يقف بين مصر وبين القدرة على تفعيل مبادئ المواطنة لجميع مواطنيها بلا تمييز؟

ثلاثة عوامل تعيق مصر عن الوصول إلى هذا الهدف:

العامل الأول، هو تلك العبارة القائلة بأن «الإسلام دين الدولة» والواردة فى صدر المادة الثانية من الدستور المصرى. العامل الثانى يتعلق بالطريقة التى يتم بها تفسير المادة الثانية ذاتها من الدستور والمتعلقة بالشريعة الإسلامية باعتبارها «المصدر» الرئيسى للتشريع. العامل الثالث والأخير يتعلق بتسييس قضايا الدين وتحويل الأخير إلى أداة للحشد والتعبئة من أجل الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها، لا من أجل تعمير الأرض والنفس كما تقتضى طبيعة الأمور!

أما فيما يتعلق بالعامل الأول، فمن الغريب الاعتقاد أن الدول لها «دين»! هذه عبارة منطقها مغلوط من البداية! الدول لها هوية ترتبط بحضاراتها وثقافتها وأمزجة شعوبها فضلا عن ديانتهم، لكن الدولة ليس لها دين، لأن هذا من منطق العلوم السياسية نوع من أنواع الخداع والتلاعب بمشاعر المتدينين! مصر لها هوية إسلامية واضحة كما لها هوية قبطية، هى حاصل تفاعل حضارتها الإسلامية مع غيرها من الحضارات التى شكلت مكونا رئيسيا فى تاريخ تطورها. ولكن كيف يكون دين «الدولة» المصرية هو الإسلام؟ الدولة هى مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وجهاز إدارى وأجهزة تحتكر الحق فى استخدام العنف «مؤسسات الجيش والشرطة». بالإضافة إلى شعب به أغلبية مسلمة وأقلية عددية مسيحية ويهودية فضلا عمن يدينون بأديان أخرى أو من ليس لديهم دين معين للعبادة فضلا عن غير المؤمنين، بالإضافة إلى أرض شهدت حضارات وثقافات متعددة تفاعلت على سطحها، دافع عن سيادة هذه الأرض وذاد عن حدودها المسلم وغير المسلم ممن بذلوا أنفسهم ودماءهم للدفاع عنها! هذه هى الدولة، فكيف يكون لها دين؟

أما العامل الثانى فالكلام فيه يطول! ففضلا عن الخلافات الفقهية المتعددة بخصوص الكيفية التى يمكن بها تطبيق «مبادئ الشريعة»، وفضلا عن أنه لا يوجد حزب أو جماعة سياسية واحدة جاءت بتعريف سياسى شامل للكيفية التى يمكن بها سحب هذه المبادئ على النظام السياسى المصرى، فإن تاريخ المادة مسيس تماما ولا علاقة له بتطبيق الدين، ولكن له علاقة بتاريخ معقد حاول فيه النظام السياسى المصرى المعبر عن دولة يوليو موازنة الخطاب السياسى لحركات الصحوة الإسلامية، ثم بعد ذلك التغطية على التقارب المصرى الأمريكى والصلح مع إسرائيل! ففى كتابه العبقرى «الشريعة الإسلامية والقانون المصرى» الصادر عن دار نشر مدبولى عام ١٩٩٦، يوضح المستشار محمد سعيد العشماوى ــ رحمه الله ــ هذه القضية الملتبسة من خلال توضيح التطور الحادث فى النص التشريعى من أول الفقرة الثانية للمادة الأولى من القانون المدنى والمعمول به من ١٩٤٩؛ حيث وضعت هذه الفقرة مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرا ثالثا للقاضى فى اتخاذ أحكامه إذا لم يتوافر نص تشريعى أو قواعد عرفية! قبل أن تجد المادة طريقها إلى الدستور فى عام ١٩٧١ بالنص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع»، وذلك قبل أن يطرأ التعديل الشهير فى العام ١٩٨٠ لتصبح الشريعة الإسلامية «المصدر الرئيسى» للتشريع!

ثم يأتى العامل الثالث كتعبير عن حجم الخداع السياسى والتلاعب بمشاعر الناس الدينية من خلال استخدام ورقة الشريعة لتعبئة المواطنين للتصويت لصالح أحزاب بعينها، ولعل أشهرها ما قاله أحدهم عن انتصار حزبه فى لجنة وضع دستور ٢٠١٤ من خلال نص المادة الثانية الذى فسره صاحبنا بأنه «يمنع» غير المسلم من تولى منصب الرئاسة وغيره من المناصب «السيادية»، ولم تعلق الدولة ولا أجهزتها وكأنها غير معنية أو ربما موافقة على الأمر!

وهكذا وعبر تاريخ طويل للجمهورية أصبحت النتيجة أن غير المسلم لا يمكنه الترشح لرئاسة الجمهورية، فكيف لغير المسلم أن يتولى شئون دولة «دينها الإسلام»؟ وليت الأمر توقف عند ذلك، ولكنه امتد إلى منصب رئيس الوزراء وغيره من القيادات الأمنية أو «الحساسة» أو «السيادية»، ثم تواصلت المهزلة متكاملة الأركان لتصبح بعض أقسام كلية الطب محرما رئاستها على غير المسلمين. ولا داعى للحديث عن ردود فعل بعض المواطنين على تعيين محافظ «مسيحى» أو حتى مديرة مدرسة مسيحية هنا أو هناك! هكذا تحول غير المسلمين إلى مواطنين منقوصة حقوقهم السياسية والمدنية تحت مزايدات سياسية لحشد المواطنين والتظاهر بانتصارات سياسية شكلية!

***

هل تحركت الدولة؟

لم يحدث! سياسات الدولة تبارك التمييز إما بالاستجابة للابتزازات الدينية، أو بأنها هى الأخرى انضمت إلى لعبة تسييس الدين عبر السيطرة على المؤسسات الدينية ولاسيما الأزهر ودار الإفتاء والكنيسة المصرية!

ماذا كانت النتيجة؟

تمييز تام أولا بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين فيما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، وثانيا تمييز حتى بين المسلمين وفقا لتوجهاتهم السياسية المتعلقة بدعم سياسات النظام الحاكم للدولة! فمن يؤيد سياسات النظام يحصل على حق رعاية الدولة، ومن يعترض على سياسات الدولة أو يختلف معها يتم حرمانه من هذه الحقوق! الأكثر غرابة أنك لو سألت أيا من المسلمين الذين يتم التمييز ضدهم باستخدام الدين نفسه، فإن غالبيتهم العظمى سيدافعون عن بقاء المادة الثانية كما هى لأنهم لا يريدون أبدا أن يعوا الدرس!

وماذا عن غير المسلمين؟

تقوقعت الغالبية العظمى من غير المسلمين، ونتحدث هنا تحديدا عن المسيحيين الأقباط الأرثوذوكس خلف الكنيسة! أصبح البابا بفعل هذا التمييز، قائدا روحيا وسياسيا معا! فالكنيسة والآباء حاضرون فى كل المواقف السياسية دعما لسياسات النظام مهما كانت! فى مقابل التمييز ضد المسيحيين حصلت الكنيسة على حق لعب دور الوسيط باعتبارها معبرا ليس فقط بين شعب الكنيسة والدولة، ولكن أيضا بين شعب الكنيسة والمجتمع! فالكنائس لم تعد فقط أماكن للعبادة، ولكنها أصبحت أيضا مكانا للتنشئة السياسية والاجتماعية للمسيحيين الذين تقوقع غالبيتهم بداخلها كنتيجة طبيعية للتمييز خارجها، بل إن آباء الكنائس كانوا فى الكثير من الحالات جزءا من المجالس العرفية التى دعمت وسهلت عملية التهجير القسرى لبعض المسيحيين فى قرى مصر ومدنها!

وهكذا تحول الحديث من الدين إلى الحديث عن السياسة! ومن الحديث عن الشريعة إلى الحديث عن الدولة، فى لعبة خسر فيها الجميع: المتدينون وغير المتدينين، مسلمون وغير مسلمين، لصالح مؤسسات نظام الدولة وفلسفته الحاكمة للمؤسسات الدينية، وأصبح الضحية يدافع بنفسه عن الأداة التى تستخدم ضد حقوقه باسم الدين وإرضاء الله، لأن أحدا لم يكلف نفسه ليهرب من إبهار الشعارات لدهاليز المحتوى، من دغدغة المشاعر الدينية لمآسى التطبيق والتفسير الذى ينجم عنه تمييز ضد الجميع، أغلبية وأقلية!

ما الحل؟

الحل لا يمكن كتابته فى سطور محدودة، ولكنه يبدأ بدمج المواد الثانية والثالثة والرابعة من الدستور المصرى لتصبح مادة واحدة تقول أن:

«الإسلام هوية الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى لتشريع الأحوال الشخصية للمسلمين، على أن تنظم مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود أحوالهم الشخصية واختيار قيادتهم الروحية، وعلى الدولة حفظ حقوق باقى المواطنين الراغبين فى الاحتكام للقوانين المدنية الوضعية لتنظيم أحوالهم الشخصية، وبشكل لا يترتب عليه التمييز بين المواطنين فى حصولهم على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية كافة».

يبدأ الحل أيضا من تغيير النص الحالى للمادة ٦٤ من دستور ٢٠١٤ لتصبح:

«حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لجميع المواطنين حق ينظمه القانون».

وكذلك بتغيير نص المادة ٧٤ بحذف الفقرة التى تقول: «ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى» واستبدالها بصيغة تؤكد على:

«منع أنشطة الأحزاب التى تقوم فى بياناتها السياسية أو تصريحاتها الرسمية أو دعايتها الانتخابية أو سياستها الفعلية بالتفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين أو على أساس جغرافى أو تلك التى تقوم بنشاط سرى أو دعوى أو ذى طابع عسكرى أو شبه عسكرى أو عنيف. ولا يجوز حل الأحزاب إلا بحكم قضائى».

هذه اقتراحات تمثل فى رأيى بداية الحل للمشكلة التى يحاول الجميع التهرب من مواجهتها لأسباب انتخابية أو سياسية أو لأخرى متعلقة بالمشاعر الدينية والفهم الخاطئ لحدود التماس بين الدولة والدين! نبدأ بالتفكير مستقبلا فى تغيير الدستور بخصوص هذه المواد وبناء عليه تتغير التشريعات، ثم فى مرحلة لاحقة لا نتمناها بعيدة نبدأ فى تغيير الممارسة السياسية ومن ثم وعلى الأجل الطويل تتغير الثقافة السياسية!

ليس هناك حلول سهلة أو ميكانيكية أو بلا أثمان! هذه أفكار تدعو القراء والفاعلين السياسيين والحقوقيين والدينيين التفاعل معها، لأن بداية التغيير الديموقراطى فى مصر سيكون فقط عبر الحوارات والمفاوضات على أجندات سياسية وفكرية مبنية على أسس علمية منطقية رشيدة حديثة متمدنة ومتحضرة، هذه هى مصر التى نطمح إليها، مصر التى يكون فيها الشعب بمختلف انتماءاته وطوائفه هو وحده صاحب السيادة.
أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر