السلفيست والجهاديست - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 2:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


السلفيست والجهاديست

نشر فى : الأحد 30 أكتوبر 2011 - 9:20 ص | آخر تحديث : الأحد 30 أكتوبر 2011 - 9:20 ص

عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى.. كان الإعلام الغربى يشير إليها فى أيامها الأولى بالترجمة الإنجليزية لكلمة انتفاضة وهى أبريزنج Uprising ولكن سرعان ما تغير ذلك وأصبح الإعلام الغربى يستخدم الكلمة العربية انتفاضة بحروف لاتينية Intifadah «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»، ظانين أنهم استطاعوا أن يفرضوا الكلمة العربية على الإعلام الغربى، وهم لا يعلمون أن أجهزة الإعلام الغربى ومن ورائهم الأصابع الصهيونية أرادت أن تحرم الفلسطينين من التعاطف اللا شعورى الذى تثيره كلمة أبريزنج وهى الكلمة التى تستدعى إلى الأذهان ــ والذهن الأوروبى خاصة ــ كل قصص البطولة والتضحية والرومانسية للمقاومة الأوروبية للاحتلال النازى فى أوروبا..

 

وأجهزة تشكيل الرأى العام العالمى التى تتحكم فيها القوى الصهيونية قادرة على أن تحول الكلمة الطيبة إلى كلمة سيئة والعكس، أذكر أن نيكسون خلال السنوات الأولى لحكمه أوفد محافظ بنسلفانيا وكان يدعى سكرانتون فى مهمة استطلاعية إلى الشرق الأوسط، وعاد الرجل لكى يقول إنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتبع سياسة متوازنة فى الشرق الأوسط Even Handed Policy، فتحركت آلة تشكيل الرأى العام بكل جبروتها حتى جعلت هذه الكلمة كلمة غير لائقة لا يصح أن تصدر من إنسان مهذب! حتى إن أحد الساسة الأمريكيين عندما اضطر إلى استخدام كلمة Even Handed سارع إلى القول معتذرا ومضيفا بأننى «أعلم أنها أصبحت كلمة قذرة».

 

الآن.. الإعلان الغربى.. جمع كلمات السلفية والجهاد والإرهاب فى سلة واحدة وجعلها مترادفات لمعنى واحد وأصبح يشير إلى الكلمات الثلاث Terrorist وJihadist وSalafist كبدائل لنفس المعنى.. هكذا يهتمون بالأسماء والمسميات... ويوظفونها لخدمة أهدافهم.

 

●●●

 

وقد تداعت فى ذهنى هذه الخواطر وأنا أقطع المسافة بين العجمى وسيدى عبدالرحمن بالساحل الشمالى، وأقرأ أسماء القرى السياحية وهى تتوالى الواحدة تلو الأخرى.. مارابيلا.. مارينا.. جرين بيتش.. سانتا مونيكا.. فينيسيا.. فارنا.. إلخ.. وإذا بهذا الكرنفال من الأسماء الإسبانية والإيطالية والإنجليزية والبلغارية يستحضر فى ذهنى لقطات من ذكريات قديمة بعض الشىء:

 

الأولى: فى أواخر نوفمبر عام 1978 بفندق ماديسون بواشنطون، حيث كانت تدور المفاوضات بين الوفود الثلاثة المصرية والإسرائيلية والأمريكية حول معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.. وبعد قرابة الخمسين يوما من المفاوضات الشاقة توصلت الوفود إلى مشروع اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل، وأخذ الوفدان المصرى والإسرائيلى فى المراجعة الدقيقة للنص النهائى والملاحق والخرائط، وإذا بالوفد الإسرائيلى يطالب بإصرار بوضع الأسماء العبرية التى أطلقتها إسرائيل على بعض المدن المصرية فى سيناء مثل أوفيرا بجانب المصرى شرم الشيخ، وهكذا وإزاء رفض مصر وإصرار إسرائيل.. وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود ولم تخرج منه إلا عندما تبين لإسرائيل استحالة قبول مصر لوضع الأسماء العبرية على الخريطة الرسمية لسيناء المرفقة بالاتفاقية.. وهكذا بدأ المفاوضون ــ الوفود الثلاثة ــ يبحثون عن صيغة لإنقاذ ماء الوجه.. وسرعان ما تفتق ذهن موشى ديان عن اقتراح يقضى بحذف الإشارة إلى جميع المدن والتجمعات السكانية التى يقل عدد سكانها عن مائة ألف.. وهكذا ظهرت الخريطة المرفقة بالاتفاقية وليس عليه سوى اسم العريش.. وقد كان حلا مرضيا لمصر لأنه تضمن حذف الأسماء العبرية من على الخريطة.

 

أما اللقطة الثانية: فكانت بفندق سان استيفانو بالإسكندرية فى صيف عام 1980، وكانت أيضا المفاوضات تدور مع الوفد الإسرائيلى حول تطبيق الإطار الثانى لاتفاقيتى كامب ديفيد.. وهو الخاص بالحكم الذاتى الفلسطينى.. وفى إحدى فترات الاستراحة إذا بأحد أعضاء الوفد الإسرائيلى يقول:

 

«لم أكن أتصور قدر النفوذ الإيطالى فى مصر إلى هذا الحد.. الفندق الذى نقيم فيه اسمه سان استيفانو.. والعشاء الرسمى بمطعم يسمى سان جيوفانى.. والعشاء الثانى فى مكان يسمى سانت لوتشيا.. لقد كدت أظن أننى فى مدينة إيطالية..!».

 

والمؤلم فى الأمر أنه إذا كان للإسكندرية بعض العذر فى اقتباس هذه الأسماء نظرا للجالية الإيطالية العريقة بها، والتى قد تكون أنشأت هذه الفنادق والمطاعم.. إلا أن ذلك غير وارد بالنسبة للساحل الشمالى الذى بنيناه بسواعد مصرية وتخطيط مصرى وتمويل مصرى ثم نسبناه إلى غيرنا حيث أصبح يعج بالأسماء الأوروبية.. بحثا عن «الشياكة» والعصرية.. وأنا أتوقع لهذه المنطقة أن تكون منطقة السياحة الترفيهية الأولى فى مصر.. ولا شك أن السائحين سيظنون ولديهم كل العذر أن الأوروبيين هم الذين بنوا لنا هذا الساحل الجميل.

 

إن هذه الأسماء المستعارة لا تثير لدى الأجانب إلا السخرية، فالذى يلجأ إلى مثل ذلك هى المجتمعات ذات الثقافة الضحلة، أو تلك التى ليس لها تاريخ سوى التطور الأنثروبولوجى.. أو أن تكون ثقافة استيطانية مستجلبة مثل الولايات المتحدة التى كررت أسماء المدن الأوروبية وأضافت إلى بعضها كلمة NEW أى الجديدة.

 

إن شركات الفنادق العالمية عندما تنشئ فندقا فى بلد ما تبحث عن أسماء لقاعات هذا الفندق من تاريخ البلد الذى أقيم فيه ومن بيئته حتى تعطيه طابعا ومذاقا أصيلا.

 

●●●

 

ولقد طرحت هذه الخواطر على المهندس حسب الله الكفراوى صاحب الفضل الأول فى تعمير الساحل الشمالى.. فقال إن هناك فرقا بين تسميات القرى التى أنشأتها وزارة التعمير (مارينا ومارابيلا..) وتلك التى أنشأها القطاع الخاص.. فالأولى مستمدة من التاريخ الرومانى للساحل الشمالى.. أما الثانية فهى مجرد أسماء «خواجاتية» ليس بينها رابط ولا ضابط.. ولكن ما الذى يدعونا لإحياء تاريخ الاحتلال الرومانى لمصر أو البريطانى أو الفرنسى أو الصهيونى لسيناء.. ولماذا لا نستفيد من اسم «العلمين» ذى التاريخ والدوى العالمى ونطلق هذه التسمية على الساحل بأكمله.

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات