كيف تفكر النُّخَب اليسارية فى إسرائيل؟ - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الأربعاء 9 سبتمبر 2026 2:40 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

كيف تفكر النُّخَب اليسارية فى إسرائيل؟

نشر فى : الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:40 م

حين نتحدث عن نُخب يسارية إسرائيلية، طبقًا للتصنيف الإسرائيلى، الذى لا نتفق معه، الذى يقسم المعنيين بالشأن العام إلى: يمين، ووسط، ويسار، فإننا نتحدث عن شخوص لهم حضور وتأثير فى المشهد الإسرائيلى، وآراء معلنة فى قضايا مهمة، بما فى ذلك، المسألة الفلسطينية، ومن ثم، من المهم أن يطلع القارئ على الطريقة التى تفكر بها هذه النخب، حتى نضع الأمور فى نصابها الصحيح، ولا نقع فى غواية ما يُسمَّى بـ اليسار «المعتدل»، أو «الإنسانى»، أو ما شاكلهما من صفات يدحضها التمحيص العلمى للمواقف الفعلية.

النظرة  السطحية لمواقف هذه النخب أشبه بانبهار العين غير الخبيرة بقطعة معدنية برَّاقة، قد تخالها ذهبًا، لكن المدقق لا يرقى إليه شكٌ فى أنها «فالصو». يستعرض المقال مواقف ثلاثة من المحسوبين على النخبة اليسارية تجاه المسألة الفلسطينية، أحدهم أديب مرموق، وآخر سياسى بارز ذو خلفية عسكرية، والثالث أكاديمى وفيلسوف.

خذ، قامة أدبية، يسارية، كالأديب أ.ب. يهوشواع (1936 ــ 2022م)، الذى يتماس إبداعه مع قضايا الواقع الإسرائيلى. كتب فى 1968م قصة قصيرة بعنوان: «فى مواجهة الغابات»، تتحدث عن علاقة مركبة بين طالب إسرائيلى، يعد أطروحة حول أسباب زوال الممالك الصليبية فى الشرق، وما يحمله ذلك من مغزى إزاء مستقبل الوجود الإسرائيلى، يُعيَّن حارسًا لغابة (رمز صهيونى للتستر على جرائم الإبادة والتطهير العرقى) أقيمت على أنقاض قرية فلسطينية خلال حرب 1948م، حتى لا ينشب فيها حريق، وعامل فلسطينى أبكم (رمز للإسكات التاريخى للحق الفلسطينى) بالغابة. يكتشف الحارس (ممثل شريحة المثقفين الإسرائيليين)، خلال إقامته بالغابة، أن بقايا قرية فلسطينية تقبع تحت أشجارها، وأن العامل الفلسطينى أحد سكانها الأصليين، وتستحوذ عليه رغبة داخلية جامحة فى أن يرى الغابة تحترق، بدلا من أن يحرسها، حتى تنكشف الحقيقة المسكوت عنها، بل ويتعاون، بشكل خفى، مع العامل الفلسطينى، الذى يضرم النار فى الغابة، فتنكشف بوضوح، بقايا قريته المدمرة. القصة من أوائل القصص التى اعترفت، بجرأة، بجرائم التطهير العرقى ضد الفلسطينيين وإبادة قراهم.

مع ذلك، استمر يهوشواع فى الزعم، بحسب، إلياس خورى، بأن الصراع «يدور بين طرفين عادلين، وليس بين جلاّد وضحية؛ أو بين الحقيقة والكذب، وتبنى حل الدولتين من منطلق حماية إسرائيل مما أسماه التهديد الديموجرافى الفلسطينى».

عدل يهوشواع، لاحقا، عن هذا الحل، وتبنى حل الدولة الواحدة، وعبَّر عن رؤيته الجديدة فى رواية: «النفق» (2018م)، لكنه استثنى من هذه الدولة جزءًا كبيرًا من فلسطينيى الضفة، والفلسطينيين فى غزة، واللاجئين فى شتى بقاع العالم. بمعنى، أنه تبنى حلًا يتسق مع الرؤية الصهيونية الإقصائية، وأن يساريته لم تكن سوى شعار أجوف. يقول خورى: «أجد متعة فى قراءة أدب يهوشواع، لكن قراءته كشفت لى الثغرات الموجودة فى تصورات اليسار الصهيونى الواهم».

  • • •

إذا انتقلنا إلى نموذج أقصى اليسار، بالمفهوم الإسرائيلى، فى مجال السياسة، فإن الأمر لن يختلف كثيرًا عن النموذج السابق. يُصنَّف حزب ما يُسمَّى بـ «الديمقراطيون»، برئاسة نائب رئيس الأركان السابق، يائير جولان، على أنه أقصى اليسار، وهو حزب تشكل قبل نحو عامين، من اتحاد حزبى «العمل» و«ميرتس»، ويحظى فى استطلاعات الرأى بعدد مقاعد يتراوح بين 9ـ 10 مقاعد، بمعنى أنه حزب يمثل قاعدة شعبية معتبرة. لكنه، مع ذلك، لا يقدم نفسه كبديل سياسى حقيقى لليمين الحاكم، بل إن مواقف وتصريحات قادته تتماهى فى كثير من القضايا مع توجهات اليمين.

لم يدع الحزب، على سبيل المثال، إلى وقف دوامة الحروب، التى تخوضها إسرائيل هنا وهناك، ولا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى التى احتلتها فى غزة ولبنان وسوريا.

فيما يخص الاستيطان فى الضفة الغربية، يساوى الحزب بين عنف واعتداءات المستوطنين وحق الفلسطينيين فى الدفاع عن أنفسهم. فقبل نحو أسبوعين، هاجمت الميليشيات الإرهابية اليهودية قرية «تل» بالضفة الغربية وارتكبت هناك مجزرة، وكان من الأهالى من دافع عن نفسه، وفى الحال أصدر، يائير جولان،  بيانًا يدعو فيه إلى ما أسماه «معالجة الإرهاب الفلسطينى» فى الضفة الغربية، وبعد مرور ثلاثة أيام، أصدر بيانًا آخر يدعو فيه إلى معالجة «عنف المستوطنين». حالة من التخبط والارتباك وعدم وضوح المواقف. لا تختلف أيديولوجية الحزب فى مجال السياسة الخارجية والأمن عن أيديولوجية سائر الأحزاب اليمينية، إلا فى تفاصيل صغيرة. فهو يدعو إلى ترميم الأمن القومى، من خلال تعيين حدود قابلة للدفاع، وهو تعبير مطاطى، هلامى، ورعاية اتفاقيات إقليمية وأحلاف دولية، وتعزيز التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وإقامة حلف إقليمى مع ما يسميه الدول العربية المعتدلة.

ويزداد الارتباك والتخبط عندما يتعلق الأمر بإقامة دولة فلسطينية، إذ يتبنى الحزب رؤية غامضة فى هذا الشأن من خلال دعوته إلى «الدفع فى اتجاه تحقيق فصل عن الفلسطينيين» مع ربط ما يُسميه بـ «الفصل» بـ «تسوية إقليمية». فأى أمل يُرجى فى مثل هكذا يسار سياسى؟!!

  • • •

إذا يممنا شطرنا نحو المجال الأكاديمى، سنجد أن رؤية الفيلسوف الإسرائيلى، أسا كاشير ــ أستاذ الفلسفة بجامعة تل أبيب، ومؤلف ما يُسمَّى بـ الكود «الأخلاقى» للجيش الإسرائيلى، الذى يُشرْعن كل عمليات القتل والاغتيال خارج نطاق القانون ــ إزاء المسألة الفلسطينية أكثر وقاحة من رؤية سابقيْه. فقد كتب، مؤخرًا، مقالًا فى «هاآرتس»، تحت عنوان: «وقت القطع: إسرائيل بدون الضفة (سدوم) وبدون غزة (عمورة)».

ثمة ملاحظة أولية على العنوان، الذى يشبه الضفة الغربية المحتلة وغزة، بمدينتى الأشرار والخطاة، اللتين قضى رب بنى إسرائيل بإبادتهما، الوارد ذكرهما فى سفر «التكوين». يضع العنوان الإسرائيليين فى خانة (الأخيار المستقيمين) والفلسطينيين فى خانة (الأشرار الخطاة)!!! خللٌ مبدئى فى النظر إلى المسألة.

يستهل، كاشير، المقال بدعوة الإسرائيليين، على مستوى الفرد والمجتمع، بمناسبة اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية ــ 27 أكتوبر القادم ــ إلى إجراء حساب مع النفس إزاء قضيتيْن فى قمة سلم الأولويات، فى نظره، هما: «كيف نقيم مجتمعًا مدنيًا طبيعيًا، ونحن، بلا توقف، فى قلب عاصفة من مواجهات وحروب مع أعداء ألداء؟ وكيف نقيم مجتمعًا مدنيًا مثاليًا ونحن، بلا توقف، فى قلب عاصفة من الخلافات القيَمية بيننا وبين أنفسنا؟».

ما يعنينا هو نظرته إلى القضية الأولى، وإلى الخلل المبدئى فى نظرته بوصفه فيلسوفًا يساريًا. إذ يُستشف من الصياغة وكأن الحروب مفروضة على إسرائيل، وليست خيارًا حرًا وبمبادرة منها. من ناحية أخرى، يقلب، كاشير، الحقائق التاريخية، حين يرى أن الإسرائيليين، القادمين من كل بقاع العالم، أصل، وأن الفلسطينيين فرعٌ طارئ على المكان، وجماعة سكانية هامشية ملحقة بإسرائيل: «لن نحيا فى سلام وهدوء، طالما لم نحل بالطرق السلمية مشكلة العلاقات مع الفلسطينيين الذين إلى جوارنا».

لا يصدر، كاشير، فى دعوته لحل المسألة الفلسطينية ــ رغم أنه يسمى المستوطنين فى الضفة إرهابيين، ويستنكر زرعها بالمستوطنات، ويدين سلوك المؤسسة العسكرية، التى تغض الطرف عن إرهابهم، ورغم أنه يعترف بالتدمير الممنهج لقطاع غزة ــ عن رؤية أخلاقية، عادلة، وإنما عن رؤية نفعية، ذاتية، حيث يقول: «أقول، بلغة لا لبس فيها، إن الأعمال الإرهابية التى تقوم بها عصابات يهودية فى «سدوم» والهدم الشامل لمبان لا حصر لها فى «عمورة» لا تحدث بموافقة منى ولا من أجل مصلحتى. العكس هو الصحيح: هى ضد رأيى وضد مصلحتى (...) هى تسبب لى، فى حقيقة الأمر، ضررًا. هى تسد الطريق أمام أى تسوية سياسية مع الشعب الفلسطينى، وبذا تكرس الصراع بين الشعوب فى كل الجبهات. تكريس هذا الصراع ضد مصلحتى».

أمرٌ جيدٌ أن يدين، كاشير، الإرهاب اليهودى، لكن، ليس من الإنصاف أن يساوى بينه وبين الحق المشروع للفلسطينيين فى مقاومته: «يجرى نشاط اليهود فى أنحاء «سدوم» بأبرز صيغة من صيغ الإرهاب، وبقتل وحشى وبنهب يتجاوز كل الحدود. إن حقيقة أن الطرفين يسلكان نهجًا إرهابيًا فى الصراع أمرٌ لا يبرره، كما يُزعم، باسمى، وكما يُزعم من أجل مصلحتى».

يستنكف مؤلف الكود «الأخلاقى»، المزعوم، للجيش الإسرائيلى، أن يتهم هذا الجيش بتعمد قتل الأبرياء، بمن فى ذلك الأطفال والنساء، ويتوارى خلف مصطلحاته المراوغة من قبيل: «غير المتداخلين فى القتال»، بل ويبرر له قتل هؤلاء الأبرياء لأنه «لا مفر من ذلك»: «علمتنا التجربة أنه لا مفر من قتل مواطنين غير متداخلين فى القتال فى الحرب التى تدور فى مناطق مأهولة، لكن حجم الإضرار بهم يجب أن يحكمه مبدأ التناسبية». 

ومثلما كان هدف يهوشواع من حل الدولتين هو الحفاظ على الطابع الديموجرافى لإسرائيل، فإن هدف، كاشير، أيضًا من القطيعة مع الفلسطينيين فى الضفة وغزة هو الحفاظ على إسرائيل دولة خالصة لليهود فقط: «إن القبول بما يجرى اليوم فى «سدوم» و«عمورة» سيباعد بيننا وبين أن نكون فى قابل الأيام دولة يهودية وديمقراطية، كما ينبغى».

اليسار الصهيونى مثله مثل اليمين الصهيونى لديه ثوابت صهيونية محددة، لكن هذا لا يمنع من البناء على بعض مواقفه الإيجابية، وتنميتها، إن استطعنا إلى ذلك سبيلًا. 

أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

 

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات